تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 170-184

سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ

صفحات 170-184
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا مِائَتَانِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آلم﴾ ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: 1] فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ الْبَيَانُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ [الفاتحة: 1] وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، أَخْبَرَ

عِبَادَهُ أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ خَاصَّةٌ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ , وَأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ إِلَّا لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ , وَتَوَحُّدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ , وَأَنَّ كُلَّ مَا دُونَهُ فَمِلْكُهُ , وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَخَلْقُهُ , لَا شَرِيكَ لَهُ فِي سُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ ; احْتِجَاجًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ جَائِزَةٍ لَهُمْ عِبَادَةُ غَيْرِهِ , وَلَا إِشْرَاكُ أَحَدٍ مَعَهُ فِي سُلْطَانِهِ , إِذْ كَانَ كُلُّ مَعَبُودٍ سِوَاهُ فَمِلْكُهُ , وَكُلُّ مُعَظَّمٍ غَيْرَهُ فَخَلْقُهُ , وَعَلَى الْمَمْلُوكِ إِفْرَادُ الطَّاعَةِ لِمَالِكِهِ , وَصَرْفُ خِدْمَتِهِ إِلَى مَوْلَاهِ وَرَازِقِهِ.
وَمُعَرِّفًا مَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ يَوْمَ أَنْزَلَ ذَلِكَ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِتَنْزِيلِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ , وَإِرْسَالِهِ بِهِ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ , مُقِيمًا عَلَى عِبَادَةِ وَثَنٍ أَوْ

صَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ إِنْسِيٍّ أَوْ مَلِكٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَنُو آدَمَ مُقِيمَةً عَلَى عِبَادَتِهِ وَإِلَاهَتِهِ , وَمُتَّخِذَتَهُ دُونَ مَالِكِهِ وَخَالِقِهِ إِلَهًا وَرَبًّا , أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى ضَلَالَةٍ , وَمُنْعَزلٌ عَنِ الْمَحَجَّةِ , وَرَاكِبٌ غَيْرَ السَّبِيلِ الْمُسْتَقِيمَةِ بِصَرْفِهِ الْعِبَادَةَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا أَحَدَ لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ غَيْرَهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ ابْتَدَأَ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ فَاتِحَتَهَا بِالَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ نَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، وَوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالَّذِي وَصَفَهَا بِهِ ابْتَدَاءَهَا؛ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّصَارَى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجْرَانَ , فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَأَلْحَدُوا فِي اللَّهِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ عِيسَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِهَا , احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَقَالَتِهِمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَبَوْا إِلَّا الْمُقَامَ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ , فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ , فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوا قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ , فَقَبِلَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ , وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِيَّاهُمْ قَصَدَ بِالْحِجَاجِ , فَإِنَّ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ مَعْنَاهُمْ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ , وَاتِّخَاذِ مَا سِوَى اللَّهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَمَعْبُودًا , مَعْمُومُونَ بِالْحُجَّةِ الَّتِي حَجَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا مَنْ نَزَلَتْ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيهِ , وَمَحْجُوجُونَ فِي الْفُرْقَانِ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي نُزُولِ افْتِتَاحِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهُ نَزَلَ فِي الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ مِنَ النَّصَارَى:

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ

بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا , فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ , فِي الْأَرْبَعَةِ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَؤُوُلُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ , وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ , وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ.
وَالسَّيِّدُ ثِمَالُهُمْ , وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ , وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ.
وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ , أُسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ.
وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ , فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ , وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ , وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ , لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ , فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ , عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ فِي بِلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ.
وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ , فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُمْ» ، فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ.

قَالَ: وَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَؤُوُلُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ , وَالسَّيِّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ , وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ , وَأَوْسٌ , وَالْحَارِثُ , وَزَيْدٌ , وَقَيْسٌ , وَيَزِيدُ , وَنَبِيهٌ , وَخُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو , وَخَالِدٌ , وَعَبْدُ اللَّهِ , وَيُحَنَّسُ، فِي سِتِّينَ رَاكِبًا.
فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ , وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ , وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ , وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ , وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ , وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ , بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ , وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ , وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ , ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا , وَذَلِكَ كُلُّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ , لِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ وَلَدُ اللَّهِ , أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ , وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ مِنْ قَبْلِهِ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ , بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «فَعَلْنَا» وَ «أَمَرْنَا» وَ «خَلَقْنَا» وَ «قَضَيْنَا» فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا «فَعَلْتُ» وَ «أَمَرْتُ» وَ «قَضَيْتُ» وَ «خَلَقْتُ» وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ.
فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ , وَذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَوْلَهُمْ.
فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْلِمَا» ، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا، قَالَ: «إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا , فَأَسْلِمَا» ، قَالَا: بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، قَالَ: «كَذَبْتُمَا , يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدًا , وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ , وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ» ، قَالَا: فَمَنْ

أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا , فَلَمْ يُجِبْهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلِّهِ , صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا , فَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] ، فَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّا قَالُوا , وَتَوْحِيدِهِ إِيَّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ , لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ , وَرَدًّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنَ الْكُفْرِ , وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ , وَاحْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ , لِيُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ , فَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 2] أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [آل عمران: 1] ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] ، قَالَ: إِنَّ النَّصَارَى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَاصَمُوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ , وَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَبُوهُ؟ وَقَالُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ , لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ , لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا.
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ , وَأَنَّ عِيسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَفَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ , فَهَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ، وَلَا يُحْدِثُ الْحَدَثَ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ امْرَأَةٌ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا , ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيُّ , ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ، وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ، وَيُحْدِثُ الْحَدَثَ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ؟» . قَالَ: فَعَرَفُوا ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا جُحُودًا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الم﴾ [آل عمران: 1] ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] . وَقَرَأَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمَا: (الْحَيُّ الْقَيَّامُ) . وَذُكِرَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «الْحَيُّ الْقَيِّمُ»

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ، يَقْرَأُ: «الْحَيُّ الْقَيِّمُ» ، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: «لَا أَدْرِي» حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، مِثْلَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، خِلَافُ ذَلِكَ

وَهُوَ مَا: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: ثنا

عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَرَأَ: « (الْحَيُّ الْقَيَّامُ) » وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ , مَا جَاءَتْ بِهِ قِرَاءَةُ الْمُسْلِمِينَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا عَنْ غَيْرِ تَشَاعُرٍ وَلَا تَوَاطُؤِ وَارِثَةً , وَمَا كَانَ مُثْبَتًا فِي مَصَاحِفِهِمْ , وَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: 255] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: 255] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ , وَنَفَى الْمَوْتَ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ عَنْهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿الْحَيُّ﴾ [آل عمران: 2] «الَّذِي لَا يَمُوتُ , وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ , يَعْنِي فِي قَوْلِ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿الْحَيُّ﴾ [آل عمران: 2] قَالَ: يَقُولُ: «حَيٌّ لَا يَمُوتُ»

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ﴿الْحَيُّ﴾ [آل عمران: 2] الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ , أَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ لَهُ تَدْبِيرُ كُلِّ مَا أَرَادَ وَشَاءَ , لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ , وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمَنْ لَا تَدْبِيرَ لَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ لَهُ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ الَّتِي لَمْ تَزَلْ لَهُ صِفَةً , وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ.
وَقَالُوا: إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَيَاةِ , لِأَنَّ لَهُ حَيَاةً كَمَا وَصَفَهَا بِالْعِلْمِ لِأَنَّ لَهَا عِلْمًا , وَبِالْقُدْرَةِ لِأَنَّ لَهَا قُدْرَةً.
وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي لَا فَنَاءَ لَهَا وَلَا انْقِطَاعَ , وَنَفَى عَنْهَا مَا هُوَ حَالٌّ بِكُلِّ ذِي حَيَاةٍ مِنْ خَلْقِهِ , مِنَ الْفَنَاءِ وَانْقِطَاعِ الْحَيَاةِ عِنْدَ مَجِيءِ أَجَلِهِ , فَأَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ عَلَى خَلْقِهِ الْعِبَادَةَ وَالْأُلُوهَةَ , وَالْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ , وَلَا يَبِيدُ كَمَا يَمُوتُ كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ رَبًّا , وَيَبِيدُ كُلُّ مَنِ ادَّعَى مِنْ دُونِهِ إِلَهًا , وَاحْتَجَّ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنَّ مَنْ كَانَ يَبِيدُ فَيَزُولُ وَيَمُوتُ فَيَفْنَى , فَلَا يَكُونُ إِلَهًا يَسْتَوْجِبُ أَنْ يُعْبَدَ دُونَ الْإِلَهِ الَّذِي لَا يَبِيدُ وَلَا يَمُوتُ , وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلَا يَبِيدُ، وَلَا يَفْنَى , وَذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ، وَالَّذِي نَخْتَارُ مِنْهُ , وَمَا الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا تَأْوِيلُ جَمِيعِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُرَّاءَ قَرَأَتْ بِهَا فَمُتَقَارِبٌ , وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ: الْقَيِّمُ بِحِفْظِ كُلِّ شَيْءٍ وَرِزْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ

فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ مِنْ تَغْيِيرٍ وَتَبْدِيلٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى

بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] قَالَ: «الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] : «قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْقَيَّامُ عَلَى مَكَانِهِ , وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْقِيَامِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا زَوَالُ مَعَهُ وَلَا انْتِقَالَ , وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَحُدُوثِ التَّبَدُّلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْآدَمِيِّينَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ غَيْرَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ , وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ يَعْنِي فِي قَوْلِ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ حَاجُّوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ فِي عِيسَى عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ , وَأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ مِنَ اللَّهِ

تَعَالَى ذِكْرُهُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ كُلِّ شَيْءٍ فِي رِزْقِهِ وَالدَّفْعِ عَنْهُ , وَكَلَاءَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَصَرْفِهِ فِي قُدْرَتِهِ , مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ , يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمُتَوَلِّي تَدْبِيرَ أَمْرِهَا.
فَالْقَيُّومُ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ «الْفَيْعُولُ» مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: اللَّهُ يَقُومُ بِأَمْرِ خَلْقِهِ , وَأَصْلُهُ «الْقَيْوُومُ» غَيْرَ أَنَّ الْوَاوَ الْأُولَى مِنَ الْقَيُّومِ لَمَّا سَبَقَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ قُلِبَتْ يَاءً , فَجُعِلَتْ هِيَ وَالْيَاءُ الَّتِي قَبْلَهَا يَاءً مُشَدَّدَةً , لِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ بِالْوَاوِ الْمُتَحَرِّكَةِ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ.
وَأَمَّا الْقَيَّامُ فَإِنَّ أَصْلَهُ الْقَيْوَامُ , وَهُوَ الْفَيْعَالُ , مِنْ قَامَ يَقُومُ , سَبَقَتِ الْوَاوَ الْمُتَحَرِّكَةَ مِنْ قَيْوَامٍ يَاءٌ سَاكِنَةٌ , فَجُعِلَتَا جَمِيعًا يَاءً مُشَدَّدَةً.
وَلَوْ أَنَّ الْقَيُّومَ فَعُّولٌ , كَانَ الْقَوُّومَ , وَلَكِنَّهُ الْفَيْعُولُ , وَكَذَلِكَ الْقَيَّامُ لَوْ كَانَ الْفَعَّالَ لَكَانَ الْقَوَّامَ , كَمَا قِيلَ: الصَّوَّامُ وَالْقَوَّامُ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8] ، وَلَكِنَّهُ الْفَيْعَالُ، فَقَالَ: الْقَيَّامُ.
وَأَمَّا الْقَيِّمُ فَهُوَ الْفَيْعَلُ مِنْ قَامَ يَقُومُ , سَبَقَتِ الْوَاوَ الْمُتَحَرِّكَةَ يَاءٌ سَاكِنَةٌ فَجُعِلَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً , كَمَا قِيلَ: فُلَانٌ سَيِّدُ قَوْمِهِ , مِنْ سَادَ يَسُودُ , وَهَذَا طَعَامٌ جَيِّدٌ مِنْ جَادَ يَجُودُ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ , فَكَانَ الْقَيُّومُ وَالْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ أَبْلَغَ فِي الْمَدْحِ مِنَ الْقَائِمِ.
وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْتَارُ قِرَاءَتَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ «الْقَيَّامُ» لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى مَنْطِقٍ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي ذَوَاتِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ , فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الصَّوَّاغِ: الصَّيَّاغُ , وَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ الْكَثِيرِ الدَّوَرَانِ: الدِّيَارُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] إِنَّمَا هُوَ «دَوَّارًا» فَعَّالًا " مِنْ دَارَ

يَدُورُ , وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ , وَأُقِرَّتْ كَذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4] يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ وَرَبَّ عِيسَى وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنْزَلَ

عَلَيْكَ ﴿الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 2] يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] يَعْنِي بِالصِّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَفِيمَا خَالَفَكَ فِيهِ مُحَاجُّوكَ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَسَائِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ غَيْرِهِمْ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97] يَعْنِي بِذَلِكَ الْقُرْآنَ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَمُحَقِّقٌ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّ مُنَزِّلَ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97] قَالَ: «لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97] «لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٌ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3] «أَيْ بِالصِّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: 3] يَقُولُ: «الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثني ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: 3] يَقُولُ: «مُصَدِّقًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كِتَابٍ وَرَسُولٍ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 4] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: مِنْ قَبْلِ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَيْكَ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] بَيَانًا لِلنَّاسِ مِنَ اللَّهِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ

وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَمُفِيدًا يَا مُحَمَّدُ أَنَّكَ نَبِيِّي وَرَسُولِي وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ دَيْنِ اللَّهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 4] «هُمَا كِتَابَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ، فِيهِمَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَعِصْمَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ»

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 3] «التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 4] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِذَلِكَ: وَأَنْزَلَ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَحْزَابُ وَأَهْلُ الْمِلَلِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْفُرْقَانَ إِنَّمَا هُوَ الْفُعْلَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِنَصْرِهِ بِالْحَقِّ

عَلَى الْبَاطِلِ، إِمَّا بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، وَإِمَّا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِالْأَيْدِي وَالْقُوَّةِ.
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَبَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَالَأْحَزَابِ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 4] «أَيِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي الْأَحْكَامِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 4] «هُوَ الْقُرْآنُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَأَحَلَّ فِيهِ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامَهُ، وَشَرَّعَ فِيهِ شَرَائِعَهُ، وَحَّدَ فِيهِ حُدُودَهُ، وَفَرَضَ فِيهِ فَرَائِضَهُ وَبَيَّنَ فِيهِ بَيَانَهُ، وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ، وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 4] قَالَ: " الْفُرْقَانُ: الْقُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ " وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْفُرْقَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي حَاجُّوهُ فِي أَمْرِ عِيسَى وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ بِالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ وَعُذْرَ نُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ الْقُرْآنَ قَبْلَ إِخْبَارِهِ عَنْ تَنْزِيلِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ مَضَى بِقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: 3] وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ الْقِرَانُ لَا غَيْرُهُ، فَلَا

جارٍ التحميل