تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 372-381

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْعَشْرِ أَيُّ لَيَالٍ هِيَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

صفحات 372-381
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: أَوْتَدَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 10] قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ رِجْلًا هَاهُنَا، وَرِجْلًا هَاهُنَا، وَيَدًا هَاهُنَا، وَيَدًا هَاهُنَا بِالْأَوْتَادِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 10] قَالَ: كَانَ يُوتِدُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بُنْيَانٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ عَلَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 10] قَالَ: كَانَ لَهُ مَنَارَاتٌ يُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهَا وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: الْأَوْتَادُ الَّتِي تُوتَدُ، مِنْ خَشَبٍ كَانَتْ أَوْ حَدِيدٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعَانِي الْأَوْتَادِ، وَوُصِفَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِهَا، كَمَا قَالَ أَبُو رَافِعٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ يُلْعَبُ لَهُ بِهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 11] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: 7] عَادًا وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿طَغَوْا﴾ [الفجر: 11] تَجَاوَزُوا مَا أَبَاحَهُ لَهُمْ رَبُّهُمْ، وَعَتَوْا عَلَى رَبِّهِمْ إِلَى مَا حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ وَقَوْلِهِ ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: 196] الَّتِي كَانُوا فِيهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَكْثَرُوا فِي الْبِلَادِ الْمَعَاصِي، وَرُكُوبَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13] يَقُولُ تَعَالَى

ذِكْرُهُ: فَأَنْزَلَ بِهِمْ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ عَذَابَهُ، وَأَحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِمَا أَفْسَدُوا فِي الْبِلَادِ، وَطَغَوْا عَلَى اللَّهِ فِيهَا.
وَقِيلَ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ سَوْطَ عَذَابٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ نِقَمًا تَنْزِلُ بِهِمْ، إِمَّا رِيحًا تُدَمِّرُهُمْ، وَإِمَّا رَجْفًا يُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا غَرْقًا يُهْلِكُهُمْ، مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ بِسَوْطٍ وَلَا عَصًا، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِ الْقَوْمِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذَا الْقُرْآنِ، الْجَلْدُ بِالسِّيَاطِ، فَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْقَوْمِ الْخَبَرَ عَنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ

الرَّجُلُ مِنْهُمْ، أَنْ يَقُولُوا: ضُرِبَ فُلَانٌ حَتَّى بِالسِّيَاطِ، إِلَى أَنْ صَارَ ذَلِكَ مَثَلًا، فَاسْتَعْمَلُوهُ فِي كُلِّ مُعَذَّبٍ بِنَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ شَدِيدٍ، وَقَالُوا: صُبَّ عَلَيْهِ سَوْطُ عَذَابٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13] قَالَ: مَا عُذِّبُوا بِهِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13] قَالَ: الْعَذَابُ الَّذِي عَذَّبَهُمْ بِهِ سَمَّاهُ: سَوْطَ عَذَابٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَصْتُ عَلَيْكَ قَصَصَهُمْ، وَلِضُرَبَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، لَبِالْمِرْصَادِ يَرْصُدُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، عَلَى قَنَاطِرِ جَهَنَّمَ، لِيُكَرْدِسَهُمْ فِيهَا إِذَا وَرَدُوهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] بِحَيْثُ يَرَى وَيَسْمَعُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] يَقُولُ: يَرَى وَيَسْمَعُ وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ بِمَرْصَدٍ لِأَهْلِ الظُّلْمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَأْمُرُ الرَّبُّ بِكُرْسِيِّهِ، فَيُوضَعُ عَلَى النَّارِ، فَيَسْتَوِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يَتَجَاوَزُنِي الْيَوْمَ ذُو مَظْلَمَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]

قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلَى، جَهَنَّمَ ثَلَاثَ قَنَاطِرَ: قَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الْأَمَانَةُ، إِذَا مَرُّوا بِهَا تَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا أَمِينُ، يَا رَبِّ هَذَا خَائِنٌ؛ وَقَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الرَّحِمُ، إِذَا مَرُّوا بِهَا تَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا وَاصِلٌ، يَا رَبِّ هَذَا قَاطِعٌ؛ وَقَنْطَرَةٌ عَلَيْهَا الرَّبُّ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]

قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] يَعْنِي: جَهَنَّمَ عَلَيْهَا ثَلَاثُ قَنَاطِرَ: قَنْطَرَةٌ فِيهَا الرَّحْمَةُ، وَقَنْطَرَةٌ فِيهَا الْأَمَانَةُ، وَقَنْطَرَةٌ فِيهَا

الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] قَالَ: مِرْصَادُ عَمَلِ بَنِي آدَمَ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ بِالنِّعَمِ وَالْغِنَى ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ [الفجر: 15] بِالْمَالِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِ ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: 15] بِمَا أَوْسَعَ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15] فَيَفْرَحُ بِذَلِكَ، وَيُسَرُّ بِهِ وَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِي بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15] وَحُقَّ لَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَلْ لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾

[الفجر: 17]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] يَقُولُ: وَأَمَّا إِذَا مَا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ بِالْفَقْرِ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] يَقُولُ: فَضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَقَتَّرَهُ، فَلَمْ يُكْثِرْ مَالَهُ، وَلَمْ يُوَسِّعْ عَلَيْهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] يَقُولُ: فَيَقُولُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ: رَبِّي أَهَانَنِي، يَقُولُ: أَذَلَّنِي بِالْفَقْرِ، وَلَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَلَى مَا

وَهَبَ لَهُ مِنْ سَلَامَةِ جَوَارِحِهِ، وَرِزْقِهِ مِنَ الْعَافِيَةِ فِي جِسْمِهِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] مَا أَسْرَعَ كُفْرَ ابْنِ آدَمَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] قَالَ: ضَيَّقَهُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] فَقَرَأَتْ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ، فَقَدَرَ: بِمَعْنَى فَقَتَّرَ، خَلَا أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ، فَإِنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ: (فَقَدَّرَ) وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدَّرَ، بِمَعْنَى يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ , وَيَقُولُ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ مَا قَالَ رَبِّي أَهَانَنِي وَالصَّوَابُ مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالتَّخْفِيفِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلَّا﴾ [النساء: 130] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَا الَّذِي أَنْكَرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كَرَامَتِهِ مَنْ أَكْرَمَ كَثْرَةَ مَالِهِ، وَسَبَبُ إِهَانَتِهِ مَنْ أَهَانَ قِلَّةَ مَالِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 16] مَا أَسْرَعَ مَا كَفَرَ ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كَلَّا إِنِّي لَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمْتُ بِكَثْرَةِ الدُّنْيَا، وَلَا أُهِينُ مَنْ أَهَنْتُ بِقِلَّتِهَا، وَلَكِنْ إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمْتُ بِطَاعَتِي، وَأُهِينُ مَنْ أَهَنْتُ بِمَعْصِيَتِي

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ حَمْدَ الْإِنْسَانِ رَبَّهُ عَلَى نِعَمِهِ دُونَ فَقْرِهِ، وَشَكْوَاهُ الْفَاقَةَ وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: كَلَّا، أَيْ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَكَذَا، وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، عَلَى الْغِنَى وَالْفَقْرِوَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17] وَالْآيَاتِ الَّتِي بَعْدَهَا، عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَانَ مَنْ أَهَانَ بِأَنَّهُ لَا يُكْرِمُ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَسَائِرُ الْمَعَانِي الَّتِي عَدَّدَ، وَفِي إِبَانَتِهِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَهَانَ مَنْ أَهَانَ، الدَّلَالَةَ الْوَاضِحَةَ عَلَى سَبَبِ تَكْرِيمِهِ مَنْ أَكْرَمَ، وَفِي تَبْيِينِهِ ذَلِكَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنْ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنْ﴾ [الفجر: 16] بَيَانٌ وَاضِحٌ عَنِ الَّذِي أَنْكَرَ مِنْ قَوْلِهِ مَا وَصَفْنَا

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ إِنَّمَا أَهَنْتُ مَنْ أَهَنْتُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُكْرَمُ الْيَتِيمُ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى الْخَطَّابِ، فَقَالَ: بَلْ لَسْتُمْ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، فَلِذَلِكَ أَهَنْتُكُمْ ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينَ﴾ [الفجر: 18] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبُو جَعْفَرٍ

وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ﴾ [الفجر: 18] بِالتَّاءِ أَيْضًا وَفَتْحِهَا، وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِيهَا، بِمَعْنَى: وَلَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ، بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا وَحَذْفِ الْأَلِفِ: وَلَا (تَحُضُّونَ) بِمَعْنَى: وَلَا تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ

: (يَحُضُّونَ) بِالْيَاءِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ، بِمَعْنَى: وَلَا يُكْرَمُ الْقَائِلُونَ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ رَبِّي أَكْرَمَنِي، وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ رَبِّي أَهَانَنِي الْيَتِيمُ (وَلَا يَحُضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) وَكَذَلِكَ يَقْرَأُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (يُكْرِمُونَ) وَسَائِرُ الْحُرُوفِ مَعَهَا بِالْيَاءِ، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ: (تُحَاضُّونَ) بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، بِمَعْنَى: وَلَا تُحَافِظُونَ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّ هَذِهِ قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، أَعْنِي الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثَ صَحِيحَاتِ الْمَعَانِي، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَتَأْكُلُونَ﴾ [الفجر: 19] أَيُّهَا النَّاسُ الْمِيرَاثَ ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] ، يَعْنِي: أَكْلًا شَدِيدًا، لَا تَتْرُكُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ مَا عَلَى الْخِوَانِ أَجْمَعَ، فَأَنَا أَلُمُّهُ لَمًّا: إِذَا أَكَلْتُ مَا عَلَيْهِ، فَأَتَيْتُ عَلَى جَمِيعِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ،

عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] قَالَ: الْمِيرَاثُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ [الفجر: 19] أَيِ: الْمِيرَاثَ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] يَقُولُ: تَأْكُلُونَ أَكْلًا شَدِيدًا

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] قَالَ: نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ صَاحِبِهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] قَالَ: اللَّمُّ: السَّفُّ، لَفُّ كُلِّ شَيْءٍ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] أَيْ: شَدِيدًا

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] يَقُولُ: أَكْلًا شَدِيدًا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] قَالَ: الْأَكْلُ اللَّمُّ: الَّذِي يَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ يَجِدُهُ وَلَا يَسْأَلُ، فَأَكَلَ الَّذِي لَهُ، وَالَّذِي لِصَاحِبِهِ.
كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ، وَلَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ، وَقَرَأَ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 127] أَيْ: لَا تُوَرِّثُونَهُنَّ أَيْضًا ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] يَأْكُلُ مِيرَاثَهُ، وَكُلَّ شَيْءٍ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَلَا يَدْرِي أَحَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿تَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19] يَقُولُ: سَفًّا

جارٍ التحميل