وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ , أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا , يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ.
لمَّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشِ بْنِ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ,
إِنَّنَا أَعْمَيَانِ , فَهَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى , فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْجِهَادِ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ لَا أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ , فَهَلْ لِي مِنْ رُخْصَةٍ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ قَعَدْتُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أُمِرْتُ فِي شَأْنِكَ بِشَيْءٍ وَمَا أَدْرِي هَلْ يَكُونُ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ مِنْ رُخْصَةٍ» فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ بَصَرِي.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَمْرٍو , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ سَعِيدٍ , قَالَ: نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ أَعْمَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ , فَأَنَا أُحِبُّ الْجِهَادَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجَاهِدَ.
فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجِهَادِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ضَرِيرٌ كَمَا تَرَى.
فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] عَذَرَ اللَّهُ أَهْلَ الْعُذْرِ مِنَ النَّاسِ , فَقَالَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] كَانَ مِنْهُمُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] لَمَّا ذَكَرَ فَضْلَ الْجِهَادِ قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنِّي أَعْمَى وَلَا أُطِيقُ الْجِهَادَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّفَيْلِيُّ , قَالَ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنِ الْبَرَاءِ , قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: " ادْعُ لِي زَيْدًا وَقُلْ لَهُ يَأْتِي , أَوْ يَجِيءُ , بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ , أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ , الشَّكُّ مِنْ زُهَيْرٍ , اكْتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ بِعَيْنَيَّ ضَرَرًا.
فَنَزَلَتْ قَبْلَ أَنْ يَبْرَحَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ الْبَرَاءِ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْنِي مَعَهُ بِكَتِفٍ وَدَوَاةٍ , أَوْ لَوْحٍ وَدَوَاةٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: 95] قَالَ عَمْرُو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَبِّ , ابْتَلَيْتَنِي فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95]
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] قَالَ: «أَهْلُ الضَّرَرِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ دَرَجَةً وَاحِدَةً , يَعْنِي فَضِيلَةً وَاحِدَةً
, وَذَلِكَ بِفَضْلِ جِهَادٍ بِنَفْسِهِ , فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ جُرَيْجٍ , يَقُولُ فِي: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95] قَالَ: «عَلَى أَهْلِ الضَّرَرِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] وَعَدَ اللَّهُ الْكُلَّ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ , وَالْقَاعِدِينَ مِنْ أَهْلِ الضَّرَرِ
الْحُسْنَى.
وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْحُسْنَى: الْجَنَّةَ؛ كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] وَهِيَ الْجَنَّةُ , وَاللَّهُ يُؤْتِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: قَالَ: الْحُسْنَى: الْجَنَّةُ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ أَجْرًا عَظِيمًا.
كَمَا:
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً﴾ [النساء: 96] قَالَ: «عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 96] فَضَائِلَ مِنْهُ وَمَنَازِلَ مِنْ مَنَازِلِ الْكَرَامَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الدَّرَجَاتِ الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾
[النساء: 96]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: 96] كَانَ يُقَالَ: الْإِسْلَامُ دَرَجَةٌ ,
وَالْهِجْرَةُ فِي الْإِسْلَامِ دَرَجَةٌ , وَالْجِهَادُ فِي الْهِجْرَةِ دَرَجَةٌ , وَالْقَتْلُ فِي الْجِهَادِ دَرَجَةٌ "
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ , تَعَالَى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 96] الدَّرَجَاتُ: هِيَ السَّبْعُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: 120] فَقْرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121] قَالَ: " هَذِهِ السَّبْعُ الدَّرَجَاتُ.
قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ , فَكَانَتْ دَرَجَةُ الْجِهَادِ مُجْمَلَةً , فَكَانَ الَّذِي جَاهَدَ بِمَالِهِ لَهُ اسْمٌ فِي هَذِهِ , فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ بِالتَّفْضِيلِ أُخْرِجَ مِنْهَا , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا إِلَّا النَّفَقَةُ.
فَقَرَأَ: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: 120] وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِصَاحِبِ النَّفَقَةِ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ [التوبة: 121] قَالَ: " وَهَذِهِ نَفَقَةُ الْقَاعِدِ وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ , قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ
حَسَّانَ , عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ , عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ [النساء: 95] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ [النساء: 96] قَالَ: " الدَّرَجَاتُ: سَبْعُونَ دَرَجَةً , مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 96] أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ , كَمَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 96] تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتِ الدَّرَجَاتُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ تَرْجَمَةً عَنْهُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلٍ مِنْ وَجْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: 96] إِلَى الْأَعْمَالِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ الصَّحِيحُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا , فَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ.
أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا , وَهُوَ دَرَجَاتٌ أَعْطَاهُمُوهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ ,
رَفَعَهُمْ بِهَا عَلَى الْقَاعِدِينَ بِمَا أَبْلَوْا فِي ذَاتِ اللَّهِ.
﴿وَمَغْفِرَةً﴾ [البقرة: 263] يَقُولُ: " وَصَفَحَ لَهُمْ عَنْ ذُنُوبِهِمْ , فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَيْهَا.
﴿وَرَحْمَةً﴾ [النساء: 96] يَقُولُ: " وَرَأْفَةً بِهِمْ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] يَقُولُ: " وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ غَفُورًا لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ , فَيَصْفَحُ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: 16] بِهِمْ , يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَهِ , مَعَ خِلَافِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَرُكُوبِهِمْ مَعَاصِيَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 98] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: 97] إِنَّ الَّذِينَ تَقْبِضُ أَرْوَاحُهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] يَعْنِي: مُكْسِبِي أَنْفُسَهُمْ غَضَبَ اللَّهِ وَسَخَطَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] يَقُولُ: " قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ: فِيمَ كُنْتُمْ , فِي أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِنْ دِينِكُمْ.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: 97] يَعْنِي: قَالَ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ , يَسْتَضْعِفُنَا أَهْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فِي أَرْضِنَا وَبِلَادِنَا بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ , فَيَمْنَعُونَا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعْذِرَةٌ ضَعِيفَةٌ وَحُجَّةٌ وَاهِيَةٌ.
﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97] يَقُولُ: " فَتَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِكُمْ وَدُورِكُمْ , وَتُفَارِقُوا مَنْ يَمْنَعُكُمْ بِهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعِ
رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي يَمْنَعُكُمْ أَهْلُهَا مِنْ سُلْطَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ , فَتُوَحِّدُوا اللَّهَ فِيهَا وَتَعْبُدُوهُ , وَتَتَّبِعُوا نَبِيَّهُ؟ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 97] : أَيْ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُصِفَتْ لَكُمْ صِفَتُهُمْ، الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفِسِهِمْ، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 197] ، يَقُولُ: مَصِيرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ جَهَنَّمُ، وَهِيَ مَسْكَنُهُمْ.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] يَعْنِي: وَسَاءَتْ جَهَنَّمُ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ صَارُوا إِلَيْهَا مَصِيرًا وَمَسْكَنًا وَمَأْوًى.
ثُمَّ اسْتَثْنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَهُمُ الْعَجَزَةُ عَنِ الْهِجْرَةِ بِالْعُسْرَةِ وَقِلَّةِ الْحِيلَةِ وَسُوءِ الْبَصَرِ وَالْمِعْرِفَةِ بِالطَّرِيقِ مِنْ أَرْضِهِمْ أَرْضِ الشِّرْكِ إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أَنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ مَأْوَاهُمْ، لِلْعُذْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَنَصَبَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الْاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيِنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 97] ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، يَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ لِلْعُذْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ، فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ فِي تَرْكِهِمُ الْهِجْرَةِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهَا اخْتِيَارًا وَلَا إِيثَارًا مِنْهُمْ لِدَارِ الْكُفْرِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لِلْعَجْزِ الَّذِي هُمْ فِيهِ عَنِ النُّقْلَةِ عَنْهَا.
﴿وكَانِ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ يَقُولُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَفُوًّا، يَعْنِي ذَا صَفْحٍ بِفَضْلِهِ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِةِ بِتَرْكِهِ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا، غَفُورًا سَاتِرًا عَلَيْهِمْ ذُنُوبِهِمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَالَّتِي بَعْدَهُمَا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ هَاجَرَ , وَعُرِضَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ فَافْتُتِنَ , وَشَهِدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ حَرْبَ الْمُسْلِمِينَ , فَأَبَى اللَّهُ قَبُولَ مَعْذِرَتَهُمُ الَّتِي اعْتَذَرُوا بِهَا , الَّتِي بَيَّنَهَا فِي قَوْلِهِ خَبَرًا عَنْهُمْ: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: 97] ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِصِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي الَّذِينَ ذَكَرْنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ:
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ , قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ , قَالَ: ثنا أَشْعَثُ , عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] قَالَ: " كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا , فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِهَا هَلَكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا مِنْهُمْ وَأُمِّي مِنْهُمْ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ مِنْهُمْ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا , وَكَانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالْإِسْلَامِ , فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ , فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمَيْنِ وَأُكْرِهُوا , فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ.
فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] الْآيَةُ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ , وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ.
قَالَ: فَخَرَجُوا , فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونِ , فَأَعْطَوْهُمُ الْفِتْنَةَ , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ , فَحَزِنُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ , ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 110] فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا.
فَخَرَجُوا , فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونِ , فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى نَجَا مَنْ نَجَا وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ أَوِ ابْنُ لَهِيعَةَ , - الشَّكُّ مِنْ يُونُسَ , عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ , أَنَّهُ سَمِعَ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَاسًا مُسْلِمَيْنَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَى بِهِ , فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ , أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] , حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ , قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَسَدِيُّ , قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ , فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ , فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ , فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ.
ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مُسْلِمَيْنِ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] هُمْ قَوْمٌ تَخَلَّفُوا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكُوا أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ , فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] قَالَ: " نَزَلَتْ فِي قَيْسِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثِ بْنِ
زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ وَقَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.
قَالَ: لَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعُهُمْ لِمَنْعِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَعِيرِ قُرَيْشٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ , وَأَنْ يَطْلُبُوا مَا نِيلَ مِنْهُمْ يَوْمَ نَخْلَةَ , خَرَجُوا مَعَهُمْ بِشُبَّانَ كَارِهِينَ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَاجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ , فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفَّارًا , وَرَجَعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ , وَهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي هَؤُلَاءِ النَّفْرِ , إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] قَالَ: " يَعْنِي: الشَّيْخَ الْكَبِيرَ , وَالْعَجُوزَ وَالْجَوَارِي وَالصَّغَارَ وَالْغِلْمَانَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] قَالَ: " لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ وَعُقَيْلٌ وَنَوْفَلٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ: «افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَلَمْ نُصَلِّ إِلَى قِبْلَتِكَ , وَنَشْهَدْ شَهَادَتَكَ؟ قَالَ: «يَا عَبَّاسُ , إِنَّكُمْ خَاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَهُوَ كَافِرٌ حَتَّى يُهَاجِرَ , إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا , حِيلَةً فِي الْمَالِ , وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا مِنْهُمْ مِنَ الْوِلْدَانِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ , يَقُولُ: كَانَ نَاسٌ بِمَكَّةَ قَدْ شَهِدُوا أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , فَلَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ أَخْرَجُوهُمْ مَعَهُمْ , فَقُتِلُوا , فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فَكَتَبَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ.
قَالَ: فَخَرَجَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ طَلَبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَدْرَكُوهُمْ , فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْطَى الْفِتْنَةَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10] فَكَتَبَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ , وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ أَعْطُوا الْفِتْنَةَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ [النحل: 110] إِلَى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] "