تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 224-237

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ ابْتِغَاءُ الشِّرْكِ

صفحات 224-237
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] «هُمُ الْمُؤْمِنُونِ فَإِنَّهُمْ» ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] «وَعِلْمُهُمْ قَوْلُهُمْ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] وَهُمُ

الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: 8] وَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9] الْآيَةَ وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ صَدَّقْنَا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ

وَقَدْ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: 7] قَالَ: «الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] كُلُّ الْمُحْكَمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَهُوَ تَنْزِيلُهُ وَوَحْيُهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] قَالَ: «يَعْنِي مَا نُسِخَ مِنْهُ، وَمَا لَمْ يُنْسَخْ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] قَالُوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] «آمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَعَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] يَقُولُونَ: «الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا «يُؤْمِنُ بِالْمُحْكَمِ وَيَدِينُ بِهِ، وَيُؤْمِنُ بِالْمُتَشَابِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كُلُّهُ»

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7] " يَعْمَلُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: نَعْمَلُ بِالْمُحْكَمِ وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنُؤْمِنُ بِالْمُتَشَابِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا «وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ» كُلٍّ " إِذَا أُضْمِرَ فِيهَا.
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرِيِّينَ: إِذَا جَازَ حَذْفُ الْمُرَادِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا الَّذِي «الْكَلُّ» إِلَيْهِ مُضَافٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهَا اسْمٌ، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: 48] بِمَعْنَى: إِنَّا كُلُّنَا فِيهَا، قَالَ: وَلَا يَكُونُ «كُلٌّ» مُضْمَرًا فِيهَا وَهِيَ صِفَةٌ، لَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِالْقَوْمِ كُلٍّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا مِضْمَرٌ إِذَا جَعَلْتَهَا اسْمًا لَوْ كَانَ «إِنَّا كُلًّا فِيهَا» عَلَى الصِّفَةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ فِيهَا ضَعِيفٌ لَا يَتَمَكَّنُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَرَى الْإِضْمَارَ فِيهَا وَهِيَ صِفَةٌ أَوِ اسْمٌ سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْذَفَ مَا بَعْدَهَا عِنْدَهُ إِلَّا وَهِيَ كَافِيَةٌ بِنَفْسِهَا عَمَّا كَانَتْ تُضَافُ إِلَيْهِ مِنَ

الْمُضْمَرِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً مِنْهُ فِي حَالٍ، وَلَا تَكُونُ كَافِيَةً فِي أُخْرَى، وَقَالَ: سَبِيلُ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا بَعْدَهُمَا بِأَنْفُسِهِمَا وَكِفَايَتِهِمَا مِنْهُ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي كُلِّ حَالٍ، صِفَةً كَانَتْ أَوِ اسْمًا، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَافِيَةً بِنَفْسِهَا مِمَّا حُذِفَ مِنْهَا فِي حَالٍ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّهَا كُلَّمَا وُجِدَتْ دَالَّةً عَلَى مَا بَعْدَهَا، فَهِيَ كَافِيَةٌ مِنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا يَتَذَكَّرُ وَيَتَّعِظُ وَيَنْزَجِرُ عَنْ أَنْ يَقُولَ فِي مُتَشَابِهِ آيِ كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ إِلَّا أُولُو الْعُقُولِ وَالنُّهَى

وَقَدْ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ: «وَمَا يَذَكَّرُ فِي مِثْلِ هَذَا، يَعْنِي فِي رَدِّ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ إِلَى مَا قَدْ عَرَفَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمِ حَتَّى يَتَّسِقَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ كِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ وَالْمُحْكَمُ مِنْ آيِهِ مِنْ تَنْزِيلِ رَبِّنَا وَوَحْيِهِ، وَيَقُولُونَ أَيْضًا

: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ رَغْبَةً مِنْهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، فِي أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ مَا ابْتَلَى بِهِ الَّذِينَ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ آيِ الْقُرْآنِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ، يَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مِثْلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَاغَتْ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْحَقِّ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: 8] لَا تُمِلْهَا فَتَصْرِفْهَا عَنْ هُدَاكَ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] لَهُ فَوَفَّقْتَنَا لِلْإِيمَانِ بِمُحْكَمِ كِتَابِكَ وَمُتَشَابِهِهِ، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ [آل عمران: 8] يَا رَبَّنَا ﴿مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: 8] يَعْنِي مِنْ عِنْدَكِ رَحْمَةً، يَعْنِي بِذَلِكَ: هَبْ لَنَا مِنْ عِنْدَكِ تَوْفِيقًا وَثَبَاتًا لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، مِنَ الْإِقْرَارِ بِمُحْكَمِ كِتَابِكَ وَمُتَشَابِهِهِ؛ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] يَعْنِي: إِنَّكَ أَنْتَ الْمُعْطِي عِبَادَكَ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ لِلثَّبَاتِ عَلَى دِينِكَ وَتَصْدِيقِ كِتَابِكَ وَرُسُلِكَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] " أَيْ لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: 8] " وَفِي مَدْحِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِمَا مَدَحَهُمْ بِهِ مِنْ رَغْبَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ، وَأَنْ يُعْطِيَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ، مَعُونَةٌ لَهُمْ لِلثَّبَاتِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ الْبَصِيرَةِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ، مَا أَبَانَ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ إِزَاغَةَ اللَّهِ قَلْبَ مَنْ أَزَاغَ قَلْبَهُ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَإِمَالَتَهُ لَهُ عَنْهَا جَوْرٌ؛ لِأَنَّ

ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَكَانَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] بِالذَّمِّ أَوْلَى مِنْهُمْ بِالْمَدْحِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا، لَكَانَ الْقَوْمُ إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ مَسْأَلَتَهُمْ إِيَّاهُ أَنْ لَا يَزِيغَ قُلُوبَهُمْ أَنْ لَا يَظْلِمَهُمْ وَلَا يَجُورَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ مِنَ السَّائِلِ جَهْلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ لَا يَظْلِمُ عِبَادَهُ وَلَا يَجُورُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَعْلَمَ عِبَادَهُ ذَلِكَ، وَنَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] وَلَا وَجْهَ لِمَسْأَلَتِهِ أَنْ يَكُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي قَدْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهَا، وَفِي فَسَادِ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِزَاغَةُ مَنْ أَزَاغَ قَلْبَهُ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ لَا يُزِيغَهُ لِتَوْجِيهِهِ الرَّغْبَةَ إِلَى أَهْلِهَا وَوَضْعِهِ مَسْأَلَتَهُ مَوْضِعَهَا، مَعَ تَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَغْبَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي ذَلِكَ مَعَ مَحَلِّهِ مِنْهُ، وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ

الْفَزَارِيُّ، قَالَ: ثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيُقَلَّبُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَشَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يَزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ» . قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ: " بَلَى، قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ: يُخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» يَقُولُ بِهِ هَكَذَا؛ وَحَرَّكَ أَبُو أَحْمَدَ أُصْبُعَيْهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّ الطُّوسِيَّ وَسَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَا بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَيُخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ.
وَحَدَّثني عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ بْنُ بِشْرٍ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّائِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، قَالَ: ثنا الْجَرَّاحُ

بْنُ مَلِيحٍ الْبَهْرَانِيُّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ فَاتِكٍ الْأَسَدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْمَوَازِينُ بِيَدِ اللَّهِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَضَعُ أَقْوَامًا، وَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُ كَيْفَ يَشَاءُ» ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ»

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، قَالَ: ثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قَالَتْ: قُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتُقَلَّبُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ بَشَرٌ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يَزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ كِتَابِ رَبِّنَا، كُلُّ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا يَا رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ

لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ عَمَّا تُرِكَ ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَاغْفِرْ لَنَا يَوْمَئِذٍ، وَاعْفُ عَنَّا، فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ وَعَدَكَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَ رَسُولَكَ.
وَعَمِلَ بِالَّذِي أَمَرْتَهُ بِهِ فِي كِتَابِكَ أَنَّكَ غَافِرُهُ يَوْمَئِذٍ.
وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ الْقَوْمِ مَسْأَلَةُ رَبِّهِمْ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ بَصِيرَتِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ تَنْزِيلِهِ، حَتَّى يَقْبِضَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ وَجَبَتْ لَهُمُ الْجَنَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَعَدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، فَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهَا مِنَ

الْقَوْمِ مَسْأَلَةٌ وَدُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ إِلَى رَبِّهِمْ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9] فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: 9] فِي يَوْمٍ، وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ خَلْقَهُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ فِي مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَالْمِيعَادِ: الْمِفْعَالُ مِنَ الْوَعْدِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: 10] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 6] إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا الْحَقَّ الَّذِي قَدْ عَرَفُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُنَافِقِيهِمْ، وَمُنَافِقِي

الْعَرَبِ وَكُفَّارِهِمُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، فَهُمْ يَتَّبِعُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 10] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ لَنْ تُنْجِيَهُمْ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ إِنْ أَحَلَّهَا بِهِمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ بَعْدَ تَبَيُّنِهِمْ، وَاتِّبَاعَهِمُ الْمُتَشَابِهَ طَلَبَ اللُّبْسِ فَتَدْفَعَهَا عَنْهُمْ، وَلَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْهَا شَيْئًا، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: 10] يَعْنِي بِذَلِكَ حَطَبَهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا عِنْدَ حُلُولِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ، كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَعَادَتِهِمْ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حِينَ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا كَالَّذِي عُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رَبَّهُمْ مِنْ قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كَسُنَّتِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] يَقُولُ: «كَسُنَّتِهِمْ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كَعَمَلِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ وَحَدَّثني الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، جَمِيعًا، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] قَالَ: «كَعَمَلِ آلِ فِرْعَوْنَ»

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] قَالَ: «كَعَمَلِ آلِ فِرْعَوْنَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] قَالَ: «كَفِعْلِهِمْ كَتَكْذِيبِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلُ» ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: 31] " أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، قَالَ: الدَّأْبُ: الْعَمَلُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] قَالَ: «كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ»

حُدِّثْتُ عَنِ المِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: 11] قَالَ: «كَصُنْعِ آلِ فِرْعَوْنَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كَتْكِذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كَدَأَبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 11] «ذَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَأَفْعَالَ تَكْذِيبِهِمْ كَمِثْلِ تَكْذِيبِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْجُحُودِ وَالتَّكْذِيبِ»

جارٍ التحميل