ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَارَسُهُ أَصْحَابُهُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] إِلَى آخِرِهَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدَةَ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ , عَنْ عَائِشَةَ , قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] قَالَتْ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ , فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا , فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الْقُرَظِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَ يُحْرَسُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَعْرَابِيٍّ كَانَ هَمَّ بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَفَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا أَبُو مَعْشَرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , وَغَيْرِهِ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اخْتَارَ لَهُ أَصْحَابُهُ شَجَرَةً ظَلِيلَةً , فَيَقِيلُ تَحْتَهَا , فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ , فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ» . فرَعَدَتْ يَدُ الْأَعْرَابِيِّ , وَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْهُ.
قَالَ: وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ لِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ قُرَيْشًا , فَأُومِنَ مِنْ ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهَابُ قُرَيْشًا , فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] اسْتَلْقَى ثُمَّ قَالَ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَخْذُلْنِي» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فَقَدْ كَذَبَ.
ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 67] الْآيَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْمُغِيرَةِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ , فَقَدْ كَذَبَ وَأَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ , قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] الْآيَةُ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ , وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] الْآيَةُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني اللَّيْثُ , قَالَ: ثني خَالِدٌ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَمِيمِ , عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ يَوْمًا , فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: لَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ , وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] يَمْنَعُكَ مِنْ أَنْ يَنَالُوكَ بِسُوءٍ , وَأَصْلُهُ مِنْ عِصَامِ الْقِرْبَةِ , وَهُوُ مَا تُوكَأُ بِهِ مِنْ سَيْرِ وَخَيْطٍ , وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل]
وَقُلْتُ عَلَيْكُمْ مَالِكًا إِنَّ مَالِكًا ... سَيَعْصِمُكُمْ إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ
يَعْنِي: يَمْنَعُكُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ لَا يُوَفِّقُ لِلرَّشَدِ مَنْ حَادَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ وَجَارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَجَحَدَ مَا جِئْتُهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرَهِ , يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 64] التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ , لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَلَيْهِ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْشَرَ الْيَهُودِ , وَلَا مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ عِيسَى مَعْشَرَ النَّصَارَى , حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفُرْقَانِ , فَتَعْمَلُوا بِذَلِكَ كُلَّهِ وَتُؤْمِنُوا بِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِ , وَتُقِرُّوا بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , فَلَا تُكَذِّبُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ وَتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ , فَإِنَّ الْكُفْرَ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ , لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا , فَمَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِهَا فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِهَا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ:
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , وَأَبُو كُرَيْبٍ , قَالَا: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ
بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ , وَسَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ , وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ , وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ , فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ , وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ التَّوْرَاةِ , وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ حَقٌّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَلَى , وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمِيثَاقِ , وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ , وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ أَحْدَاثِكُمْ» قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا , فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى , وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا نَتَّبِعُكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68] إِلَى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68] قَالَ: «فَقَدْ صِرْنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ التَّوْرَاةُ لِلْيَهُودِ وَالْإِنْجِيلُ لِلنَّصَارَى , وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ , وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا , أَيْ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا حَتَّى تَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64] وَأُقْسِمُ لَيَزَيدَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قُصَّ قَصَصُهُمْ فِي هَذِهِ
الْآيَاتِ الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ طُغْيَانًا , يَقُولُ: تَجَاوَزَا وَغَلَوْا فِي التَّكْذِيبِ لَكَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَكَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ ﴿كُفْرًا﴾ [آل عمران: 90] يَقُولُ: " وَجُحُودًا لِنُبُوَّتِكَ.
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى الطُّغْيَانِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] يَعْنِي: " يَقُولُ ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ [المائدة: 26] فَلَا تَحْزَنْ , يُقَالُ: أَسِيَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا: إِذَا حَزِنَ يَأْسَى أَسََى , وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الْأَسَى
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: لَا تَحْزَنْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى تَكْذِيبِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكَ , فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَادَةٌ وَخُلُقٌ فِي أَنْبِيَائِهِمْ , فَكَيْفَ فِيكَ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64] قَالَ: " الْفُرْقَانُ.
يَقُولُ: فَلَا تَحْزَنْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] قَالَ: «لَا تَحْزَنْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: 62] وَهُمُ الْيَهُودُ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرَهُمْ
﴿وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ , وَعَمِلَ مِنَ الْعَمَلِ صَالِحًا لِمَعَادِهِ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَعَيْشِهَا بَعْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْإِعْرَابِ فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أُقْسِمُ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَتَوْحِيدِنَا , وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ , وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ وأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ رُسُلًا , وَوَعَدْنَاهُمْ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِنَا إِلَيْهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَتِنَا الْجَزِيلَ مِنَ الثَّوَابِ , وَأَوْعَدْنَاهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَعْصِيَتِنَا الشَّدِيدَ مِنَ الْعِقَابِ , كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ لَنَا بِمَا لَا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهُمْ وَلَا يُوَافِقُ مَحَبَّتَهُمْ كَذَّبُوا مِنْهُمْ فَرِيقًا وَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ فَرِيقًا , نَقْضًا لِمِيثَاقِنَا الَّذِي أَخَذْنَاهُ عَلَيْهِمْ , وَجَرَاءَةً عَلَيْنَا وَعَلَى خِلَافِ أَمْرِنَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 71] يَقُولُ تَعَالَى: وَظَنَّ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ الَّذِينَ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُمْ أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ وَأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلًا , وَأَنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ
بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا فَرِيقًا وَقَتَلُوا فَرِيقًا , أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ اللَّهِ لَهُمُ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ بِالشَّدَائِدِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71] يَقُولُ: " فَعَمُوا عَنِ الْحَقِّ وَالْوَفَاءِ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ إِخْلَاصِ عِبَادَتِي , وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِي وَنَهْيِي , وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِي بِحُسْبَانِهِمْ ذَلِكَ وَظَنِّهِمْ , وَصَمُّوا عَنْهُ , ثُمَّ تُبْتُ عَلَيْهِمْ , يَقُولُ: ثُمَّ هَدَيْتُهُمْ بِلُطْفٍ مِنِّي لَهُمْ , حَتَّى أَنَابُوا وَرَجَعُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيِّي وَخِلَافِ أَمْرِي , وَالْعَمَلِ بِمَا أَكْرَهُهُ مِنْهُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا أُحِبُّهُ , وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِي وَأَمْرِي وَنَهْيِي.
{ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ
مِنْهُمْ} [المائدة: 71] يَقُولُ: " ثُمَّ عَمُوا أَيْضًا عَنِ الْحَقِّ وَالْوَفَاءِ بِمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِي وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِي وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيِّي ﴿وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] يَقُولُ: " عَمَى كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُنْتُ أَخَذْتُ مِيثَاقَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِاتِّبَاعِ رُسُلِي وَالْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلْتُ إِلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِي عَنِ الْحَقِّ , وَصَمُّوا بَعْدَ تَوْبَتِي عَلَيْهِمْ وَاسْتِنْقَاذِي إِيَّاهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 96] يَقُولُ: " بَصِيرٌ فَيَرَى أَعْمَالَهُمْ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا , فَيُجَازِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِجَمِيعِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71] الْآيَةُ , يَقُولُ: حَسِبَ الْقَوْمُ أَنْ لَا يَكُونَ بَلَاءٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا , كُلَّمَا عَرَضَ بَلَاءٌ ابْتُلُوا بِهِ هَلَكُوا فِيهِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71] يَقُولُ: «حَسِبُوا أَنْ لَا يُبْتَلَوْا , فَعَمُوا عَنِ الْحَقِّ وَصَمُّوا»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ مُبَارَكٍ , عَنِ الْحَسَنِ
: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71] قَالَ بَلَاءٌ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71] قَالَ: «الشِّرْكُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71] قَالَ: «الْيَهُودُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: 71] قَالَ: " يَهُودُ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ , قَالَ: " هَذِهِ الْآيَةُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ: وَالْفِتْنَةُ: الْبَلَاءُ وَالتَّمْحِيصُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ مَا فَتَنَ بِهِ
الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ حَسِبُوا أَنْ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَانَ مِمَّا ابْتَلَيْتُهُمْ وَاخْتَبَرْتُهُمْ بِهِ فَنَقَضُوا فِيهِ مِيثَاقِي وَغَيَّرُوا عَهْدِي الَّذِي كُنْتُ أَخَذْتُهُ عَلَيْهِمْ , بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا سِوَايَ وَلَا يَتَّخِذُوا رَبًّا غَيْرِي , وَأَنْ يُوَحِّدُونِي , وَيَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي؛ عَبْدِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ , فَإِنِّي خَلَقْتُهُ وَأَجْرَيْتُ عَلَى يَدِهِ نَحْوَ الَّذِي
أَجْرَيْتُ النَّصَارَى , عَلَيْهِمْ غَضَبَ اللَّهَ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا اخْتَبَرَتْهُمْ وَابْتَلَيْتُهُمْ بِمَا ابْتَلَيْتُهُمْ بِهِ أَشْرَكُوا بِي قَالُوا لِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِي وَعَبْدٍ مِثْلِهِمْ مِنْ عَبِيدِي وَبَشَرٍ نَحْوِهُمْ مَعْرُوفٌ نَسَبُهُ وَأَصْلُهُ مَوْلُودٌ مِنَ الْبَشَرِ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي وَيُقِرُّ لَهُمْ بِأَنِّي رَبُّهُ وَرَبَّهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا , هُوَ إِلَهُهُمْ؛ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ , وَلَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ وَالِدًا وَلَا مَوْلُودًا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72] يَقُولُ: " اجْعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّذَلُّلَ لِلَّذِي لَهُ يَذِلُّ كُلُّ شَيْءٍ وَلَهُ يَخْضَعُ كُلُّ مَوْجُودٍ , رَبِّي وَرَبَّكُمْ , يَقُولُ: مَالِكِي وَمَالِكُكُمْ , وَسَيِّدِي وَسَيِّدُكُمْ , الَّذِي خَلَقَنِي وَإِيَّاكُمْ ﴿إِنَّهُ مِنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72] أَنْ يَسْكُنَهَا فِي الْآخِرَةِ.
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72] يَقُولُ: " وَمَرْجِعُهُ وَمَكَانُهُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَصِيرُ فِي مَعَادِهِ , مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ نَارُ جَهَنَّمَ.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 270] يَقُولُ: " وَلَيْسَ لِمَنْ فَعَلَ غَيْرَ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ وَعَبَدَ غَيْرَ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270] يَنْصُرُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ , فَيُنْقِذُونَهُ مِنْهُ إِذَا أَوْرَدَهُ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 73] وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْإِسْرَائِيليِّينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلُ أَنَّهُ لَمَّا
ابْتَلَاهُمْ بَعْدَ حُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُبْتَلُونَ وَلَا يُفْتَنُونَ , قَالُوا كُفْرًا بِرَبِّهِمْ وَشِرْكًا: اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا قَوْلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّصَارَى قَبْلَ
افْتِرَاقِ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمِلْكَانِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ , كَانُوا فِيمَا بَلَغَنَا يَقُولُونَ: الْإِلَهُ الْقَدِيمُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ: أَبًا وَالِدًا غَيْرَ مَوْلُودٍ , وَابْنًا مَوْلُودًا غَيْرَ وَالِدٍ , وَزَوْجًا مُتَتَبَّعَةً بَيْنَهُمَا.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73] يَقُولُ: " مَا لَكُمْ مَعْبُودٌ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَعْبُودٌ وَاحِدٌ , وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَالِدٍ لِشَيْءٍ وَلَا مَوْلُودٍ , بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: 73] يَقُولُ: " إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَمَّا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِهِمُ: اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴿لَيَمَسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 73] يَقُولُ: " لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ , وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَقَالَةَ الْأُخْرَى هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا كَفَرَةٌ مُشْرِكُونَ , فَلِذَلِكَ رَجَعَ فِي الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ إِلَى الْعُمُومِ.
وَلَمْ يَقُلْ: لَيَمَسَّنَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ صَارَ الْوَعِيدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَاصًّا لِقَائِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي , وَهُمُ الْقَائِلُونَ: اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ , وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمُ الْقَائِلُونَ: الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ.
فعَمَّ بِالْوَعِيدِ تَعَالَى ذِكْرُهُ كُلَّ كَافِرٍ , لِيَعْلَمَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ وَعِيدَ اللَّهِ قَدْ شَمِلَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ فَعَلَى مَنْ عَادَتِ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمْ؟ قِيلَ: عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَائِيلِيُّونَ عَمَّا يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مِنْ عَظِيمِ الْقَوْلِ , لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنْهُمْ إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَكُلُّ كَافِرٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ نَحْوَ قَوْلِنَا فِي أَنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ: النَّصَارَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ قَالَ: " قَالَتِ النَّصَارَى: هُوَ الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ , فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ نَحْوَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا يَرْجِعُ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ الْكَافِرَانِ , الْقَائِلُ أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؛ وَالْآخَرُ الْقَائِلُ: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ , عَمَّا قَالَا مِنْ ذَلِكَ , وَيَتُوبَانِ بِمَا قَالَا وَقَطَعَا بِهِ
مِنْ كُفْرِهِمَا , وَيَسْأَلَانِ رَبَّهُمَا الْمَغْفِرَةَ مِمَّا قَالَا.
وَاللَّهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ مِنْ خَلْقِهِ , الْمُنِيبِينَ إِلَى
طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ , رَحِيمٌ بِهِمْ فِي قَبُولِهِ تَوْبَتَهُمْ وَمُرَاجِعَتِهِمْ إِلَى مَا يُحِبُّ مِمَّا يَكْرَهُ , فَيَصْفَحُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْ إِجْرَامِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِرَقِ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ.
يَقُولُ مُكَذِّبًا لِلْيَعْقُوبِيَّةِ فِي قِيلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ , وَالْآخَرِينَ فِي قِيلِهِمْ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ: لَيْسَ الْقَوْلُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ فِي الْمَسِيحِ , وَلَكِنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ وِلَادَةَ الْأُمَّهَاتِ أَبْنَاءَهُنَّ , وَذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْبَشَرِ لَا مِنْ صِفَةِ خَالِقِ الْبَشَرِ , وَإِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ رَسُولٌ كَسَائِرِ رُسُلِهِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ فَمَضَوْا وَخَلَوْا , أَجْرَى عَلَى يَدِهِ مَا شَاءَ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ حُجَّةً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ , كَمَا أَجْرَى عَلَى أَيْدِي مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى حَقِيقَةِ صِدْقِهِمْ فِي أَنَّهُمْ لِلَّهِ رُسُلٌ ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُمُّ الْمَسِيحِ صِدِّيقَةٌ , وَالصِّدِّيقَةُ: الْفَعِيلَةُ مِنَ الصِّدْقِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ صِدِّيقٌ: فَعِيلٌ مِنَ الصِّدْقِ , وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: 69] وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الصِّدِّيقُ لِصِدْقِهِ , وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ صِدِّيقًا لِتَصْدِيقِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ مَكَّةَ وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75] خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ أَنَّهُمَا كَانَا أَهْلَ حَاجَةٍ إِلَى مَا يَغْذُوهُمَا وَتَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمَا مِنَ الْمَطَاعِمِ