وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الزَّنْجَبِيلُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي مِنْهَا مِزَاجُ شَرَابِ الْأَبْرَارِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] رَقِيقَةً يَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وَتُمْزَجُ لِسَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا.
قِيلَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] : سَلِسَةً مُنْقَادًا مَاؤُهَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] عَيْنًا سَلِسَةً مُسْتَقِيدًا مَاؤُهَا
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] قَالَ: سَلِسَةً يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهَا شَدِيدَةُ الْجِرْيَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] قَالَ: حَدِيدَةَ الْجِرْيَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سَلِسَةَ الْجِرْيَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] حَدِيدَةَ الْجِرْيَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى السَّلْسَبِيلِ وَفِي إِعْرَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سَلْسَبِيلًا صِفَةٌ لِلْعَيْنِ بِالتَّسَلْسُلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَرَادَ عَيْنًا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا: أَيْ تُسَمَّى مِنْ طِيبِهَا السَّلْسَبِيلَ: أَيْ تُوصَفُ لِلنَّاسِ، كَمَا تَقُولُ: الْأَعْوَجِيُّ وَالْأَرْحَبِيُّ وَالْمُهْرِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَمَا تُنْسَبُ الْخَيْلُ إِذَا
وُصِفَتْ إِلَى الْخَيْلِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَنْسُوبَةِ كَذَلِكَ تُنْسَبُ الْعَيْنُ إِلَى أَنَّهَا تُسَمَّى، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ: وَأَنْشَدَنِي يُونُسُ:
[البحر الكامل]
صَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُهَا ... مِنْ طُولِ مَا صَرَعَ الصُّيُودِ الصَّيِّبُ
فَرَفَعَ الصَّيِّبُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُسَمَّى بِالصَّيِّبِ، إِنَّمَا الصَّيِّبُ مِنْ صِفَةِ الِاسْمِ وَالسَّهْمِ.
وَقَوْلُهُ: يُسَمَّى سَهْمُهَا أَيْ يُذْكَرُ سَهْمُهَا.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا، بَلْ هُوَ اسْمُ الْعَيْنِ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ رَأْسَ آيَةٍ، وَكَانَ مَفْتُوحًا، زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ، كَمَا قَالَ: كَانَتْ قَوَارِيرَا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: السَّلْسَبِيلُ: نَعْتٌ أَرَادَ بِهِ سَلِسٌ فِي الْحَلْقِ، فَلِذَلِكَ حَرِيٌّ أَنْ تُسَمَّى بِسَلَاسَتِهَا.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: ذَكَرُوا أَنَّ السَّلْسَبِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَاءِ لِسَلَسِهِ وَعُذُوبَتِهِ؛ قَالَ: وَنَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْمًا لِلْعَيْنِ لَكَانَ تَرْكُ الْإِجْرَاءِ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلَمْ نَرَ أَحَدًا تَرَكَ إِجْرَاءَهَا وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُجْرِي مَا لَا يُجْرَى فِي الشِّعْرِ، كَمَا قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
[البحر الطويل]
فَمَا وَجْدُ أَظْآرٍ ثَلَاثٍ رَوَائِمٍ ... رَأَيْنَ مَخَرًّا مِنْ حُوَارٍ وَمَصْرَعَا
فَأَجْرَى رَوَائِمَ، وَهِيَ مِمَّا لَا يُجْرَى.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] صِفَةٌ لِلْعَيْنِ، وُصِفَتْ بِالسَّلَاسَةِ فِي الْحَلْقِ، وَفِي حَالِ الْجَرْيِ، وَانْقِيَادِهَا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يُصَرِّفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿تُسَمَّى﴾ [الإنسان: 18] تُوصَفُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 18] صِفَةٌ لَا اسْمٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَطُوفُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ وِلْدَانٌ، وَهُمُ الْوُصَفَاءُ، مُخَلَّدُونَ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ:
أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: 19] أَيْ لَا يَمُوتُونَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17] مُسَوَّرُونَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ أَنَّهُمْ مُقَرَّطُونَ.
وَقِيلَ: عَنَى بِهِ أَنَّهُمْ دَائِمٌ شَبَابُهُمْ، لَا
يَتَغَيَّرُونَ عَنْ تِلْكَ السِّنِّ.
وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَبِرَ وَثَبَتَ سَوَادُ شَعْرِهِ: إِنَّهُ لَمُخَلَّدٌ؛ وَكَذَلِكَ إِذَا كَبِرَ وَثَبَتَتْ أَضْرَاسُهُ وَأَسْنَانُهُ قِيلَ: إِنَّهُ لَمُخَلَّدٌ، يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ ثَابِتُ الْحَالِ، وَهَذَا تَصْحِيحٌ لِمَا قَالَ قَتَادَةُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يَمُوتُونَ، لِأَنَّهُمْ إِذَا ثَبَتُوا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَتَغَيَّرُوا بِهَرَمٍ وَلَا شِيبٍ وَلَا مَوْتٍ، فَهُمْ مُخَلَّدُونَ.
وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17] مُسَوَّرُونَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ؛ وَيُنْشَدُ لِبَعْضِ شُعَرَائِهمْ:
[البحر الكامل]
وَمُخَلَّدَاتٍ بِاللُّجَيْنِ كَأَنَّمَا ... أَعْجَازُهُنَّ أَقاوِزُ الْكُثْبَانِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذَا رَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْوِلْدَانِ مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُفْتَرِقِينَ، تَحْسَبُهُمْ فِي حُسْنِهِمْ، وَنَقَاءِ بَيَاضِ وُجُوهِهِمْ، وَكَثْرَتِهِمْ، لُؤْلُؤًا مُبَدَّدًا، أَوْ مُجْتَمِعًا مَصْبُوبًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19] قَالَ: مِنْ كَثْرَتِهِمْ وَحُسْنِهِمْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ [الإنسان: 19] مِنْ حُسْنِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19]
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيَسْعَى عَلَيْهِ أَلْفُ غُلَامٍ، كُلُّ غُلَامٍ عَلَى عَمَلِ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19] قَالَ: فِي كَثْرَةِ اللُّؤْلُؤِ وَبَيَاضِ اللُّؤْلُؤِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ [الإنسان: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِذَا نَظَرْتَ بِبَصَرِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَرَمَيْتَ بِطَرْفِكَ فِيمَا أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَةِ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿ثَمَّ﴾ [البقرة: 28] الْجَنَّةُ ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ [الإنسان: 20] وَذَلِكَ أَنَّ أَدْنَاهُمُ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ فِيمَا قِيلَ فِي مَسِيرَةِ
أَلْفَيْ عَامٍ، يَرَى أَقْصَاهُ، كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُ رَأَيْتُ الْأَوَّلُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ رُؤْيَةً لَا تَتَعَدَّى، كَمَا تَقُولُ: ظَنَنْتُ فِي الدَّارِ، أَخْبَرَ بِمَكَانِ ظَنِّهِ، فَأُخْبِرَ بِمَكَانِ رُؤْيَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِذَا رَأَيْتَ مَا ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا؛ قَالَ: وَصَلَحَ إِضْمَارُ مَا كَمَا قِيلَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] يُرِيدُ: مَا بَيْنَكُمْ؛ قَالَ: وَيُقَالُ: إِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ يُرِيدُ: إِذَا نَظَرْتَ ثَمَّ، أَيْ إِذَا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ هُنَاكَ رَأَيْتَ نَعِيمًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] يَقُولُ: وَرَأَيْتَ مَعَ النَّعِيمِ الَّذِي تَرَى لَهُمْ ثَمَّ مُلْكًا كَبِيرًا.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الْمُلْكَ الْكَبِيرَ: تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِئْذَانُهُمْ عَلَيْهِمْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثني مَنْ سَمِعَ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] قَالَ: تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ
قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] قَالَ: فَسَّرَهَا سُفْيَانُ قَالَ: تُسْتَأْذَنُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20] قَالَ: اسْتِئْذَانُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِيَهُمُ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَوْقَهُمْ، يَعْنِي فَوْقَ هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿عَالِيَهُمُ﴾ [الإنسان: 21] فَوْقَ حِجَالِهِمُ الْمُثَبَّتَةِ عَلَيْهِمْ ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: 21] وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ
الْمَدْفُوعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فَوْقَ حِجَالٍ هُمْ فِيهَا، فَقَدْ
عَلَاهُمْ فَهُوَ عَالِيَهُمُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْقِرَاءَةِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَبَعْضِ قُرَّاءِ مَكَّةَ: (عَالِيهِمْ) بِتَسْكِينِ الْيَاءِ.
وَكَانَ عَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَءُونَهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ، فَمَنْ فَتَحَهَا جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿عَالِيَهُمْ﴾ [الإنسان: 21] اسْمًا رَافِعًا لِلثِّيَابِ، مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: ظَاهِرُهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.