الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُدًى﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 2]
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: " ﴿هُدًى﴾ [البقرة: 2] قَالَ، هُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] يَقُولُ: نُورٌ لِلْمُتَّقِينَ " وَالْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ إِذَا أَرْشَدْتُهُ إِلَيْهِ.
وَدَلَلْتُهُ عَلَيْهِ، وَبَيَّنْتُهُ لَهُ، أَهَدِيهِ هُدًى وَهِدَايَةً.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوَمَا كِتَابُ اللَّهِ نُورًا إِلَّا لِلْمُتَّقِينَ وَلَا رَشَادًا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ: ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوْ كَانَ نُورًا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ، وَرَشَادًا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ هُدًى، بَلْ كَانَ يَعُمُّ بِهِ جَمِيعَ الْمُنْذَرِينَ؛ وَلَكِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَقْرٌ فِي آذَانِ الْمُكَذِّيِينَ، وَعَمًى لِأَبْصَارِ الْجَاحِدِينَ.
وَحُجَّةٌ لِلَّهِ بَالِغَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ فَالْمُؤْمِنُ بِهِ مُهْتَدٍ، وَالْكَافِرُ بِهِ مَحْجُوجٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى﴾ [البقرة: 2] يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا مِنَ الْمَعَانِي؛
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ نَصْبًا لِمَعْنَى الْقَطْعِ مِنَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَالْكِتَابُ مَعْرِفَةٌ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ حِينَئِذٍ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ هَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ.
وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ بِـ الم، وَالم بِهِ، وَالْكِتَابُ نَعْتٌ لِذَلِكَ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ رَاجِعِ ذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي فِي فِيهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ: الم الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ هَادِيًا.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا نَصْبًا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، أَعْنِي عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ، وَمِنَ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الم كَلَامٌ تَامٌّ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ يَكُونَ ذَلِكَ الْكِتَابُ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، وَيُرْفَعُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ بِالْكِتَابِ، وَيَكُونُ هُدًى قَطْعًا مِنَ الْكِتَابِ، وَعَلَى أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ بِالْهَاءِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهِ الَّتِي فِي فِيهِ، وَالْكِتَابُ نَعْتٌ لَهُ، وَالْهُدَى قَطْعٌ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ.
وَإِنْ جُعِلَ الْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] إِلَّا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا وَالم كَلَامًا تَامًّا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ أَنْ يُرْفَعَ حِينَئِذٍ هُدًى بِمَعْنَى الْمَدْحِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: 2] فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ رَحْمَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَدْحِ لِلْآيَاتِ.
وَالرَّفْعُ فِي هُدًى حِينَئِذٍ يَجُوزُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ
مَدْحٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وَالْآخَرُ: عَلَى أَنْ يُجْعَلَ الرَّافِعُ ذَلِكَ، وَالْكِتَابُ نَعْتٌ لِذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُجْعَلَ تَابِعًا لِمَوْضِعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] وَيَكُونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ فِي فِيهِ، فَيَكُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92] . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الم رَافَعَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] بِمَعْنَى: هَذِهِ الْحُرُوفُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُوحِيَهُ إِلَيْكَ.
ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَسْرَعَ نَقْضَهُ، وَهَدَمَ مَا بَنَى فَأَسْرَعَ هَدْمَهُ، فَزَعَمَ أَنَّ الرَّفْعَ فِي هُدًى مِنْ وَجْهَيْنِ وَالنَّصْبَ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ أَحَدَ وَجْهِيِ الرَّفْعِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ نَعْتًا لِذَلِكَ، وَالْهُدَى فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِذَلِكَ كَأَنَّكَ قُلْتَ: ذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ.
قَالَ: وَإِنْ جَعَلْتَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] خَبَرَهُ رَفَعْتَ أَيْضًا هُدًى بِجَعْلِهِ تَابِعًا لِمَوْضِعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92] كَأَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا كِتَابٌ هُدًى مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: وَأَمَّا أَحَدُ وَجْهَيِ النَّصْبِ، فَأَنْ تَجْعَلَ الْكِتَابَ خَبَرًا لِذَلِكَ وَتَنْصِبَ هُدًى عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ هُدًى نَكِرَةٌ اتَّصَلَتْ بِمَعْرِفَةٍ وَقَدْ تَمَّ خَبَرُهَا فَتَنْصِبُهَا، لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَةٍ، وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ هُدًى عَلَى الْقَطْعِ مِنَ
الْهَاءِ الَّتِي فِي فِيهِ كَأَنَّكَ قُلْتَ: لَا شَكَّ فِيهِ هَادِيًا.
قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ: فَتَرْكُ الْأَصْلِ الَّذِي أَصَّلَهُ فِي الم وَأَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] وَنَبْذُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ.
وَاللَّازِمُ لَهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ أَصْلُهُ أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّفْعَ فِي هُدًى بِحَالٍ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِئْنَافِ إِذْ كَانَ مَدْحًا.
فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ لِذَلِكَ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِتْبَاعِ لِمَوْضِعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] فَكَانَ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً، وَذَلِكَ أَنَّ الم إِذَا رَفَعَتْ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] فَلَا شَكَّ أَنَّ هُدًى غَيْرُ جَائِزٍ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِذَلِكَ بِمَعْنَى الرَّافِعِ لَهُ، أَوْ تَابِعًا لِمَوْضِعِ لَا رَيْبَ فِيهِ، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ حِينَئِذٍ نَصْبٌ لِتَمَامِ الْخَبَرِ قَبْلَهُ وَانْقِطَاعِهِ بِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُ عَنْهُ