تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 530-542

وَقَوْلُهُ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: 31] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَجَعَلَنِي نَفَّاعًا

صفحات 530-542
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادِ الطَّلْحِيُّ، قَالَ: ثنا الْعَلَاءُ، عَنْ عَائِشَةَ، امْرَأَةِ لَيْثٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: 31] قَالَ: نَفَّاعًا وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَتْ بَرَكَتُهُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهَيْبَ بْنَ الْوَرْدِ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، قَالَ: لَقِيَ عَالِمٌ عَالِمًا لِمَا هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، مَا الَّذِي أُعْلِنُ مِنْ عِلْمِي، قَالَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ إِلَى عِبَادِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾

وَقِيلَ: مَا بَرَكَتُهُ؟ قَالَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ أَيْنَمَا كَانَ وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: جَعَلَنِي مُعَلِّمَ الْخَيْرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾ قَالَ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ﴾ قَالَ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ حَيْثُمَا كُنْتُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 31] يَقُولُ: وَقَضَى أَنْ يُوصِيَنِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، يَعْنِي الْمُحَافَظَةَ عَلَى حُدُودِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا عَلَيَّ.
وَفِي الزَّكَاةِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: زَكَاةُ الْأَمْوَالِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا.
وَالْآخَرُ: تَطْهِيرُ الْجَسَدِ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَأَوْصَانِي بِتَرْكِ الذُّنُوبِ

وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31] يَقُولُ: مَا كُنْتُ حَيًّا فِي الدُّنْيَا مَوْجُودًا، وَهَذَا يُبِينُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى الزَّكَاةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: تَطْهِيرُ الْبَدَنِ مِنَ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ الَّتِي كَانَتْ فُرِضَتْ

عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا صَحِيحًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مُخْبِرًا عَنْ قَولِ عِيسَى لِلْقَوْمِ: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا وَبَرًّا: أَيْ جَعَلَنِي بَرًّا بِوَالِدَتِي.
وَالْبَرُّ هُوَ الْبَارُّ، يُقَالُ: هُوَ بَرٌّ بِوَالِدِهِ، وَبَارٌّ بِهِ، وَبِفَتْحِ

الْبَاءِ قَرَأَتِ هَذَا الْحَرْفَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ.
وَرُوِي عَنْ أَبِي نَهِيكٍ مَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، عَنْ أَبِي نَهِيكٍ، أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: 32] مِنْ قَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ أَبُو نَهِيكٍ: أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، كَمَا أَوْصَانِي بِذَلِكَ فَكَأَنَّ أَبَا نَهِيكٍ وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: 32] هُوَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى، عَنْ وَصِيَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 31] مِنْ خَبَرِهِ عَنْ وَصِيَّةِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ الْبِرِّ بِمَعْنَى عَمَلِ الْوَصِيَّةِ فِيهِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَإِنْ كَانَتَا مَخْفُوضَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُمَا بِمَعْنَى النَّصْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِمَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32] يَقُولُ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي مُسْتَكْبِرًا عَلَى

اللَّهِ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ، وَنَهَانِي عَنْهُ شَقِيًّا وَلَكِنْ ذَلَّلَنِي لِطَاعَتِهِ، وَجَعَلَنِي مُتَوَاضِعًا، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يَعْنِي عِيسَى، كَانَ يَقُولُ: سَلُونِي، فَإِنَّ قَلْبِي لَيِّنٌ، وَإِنِّي صَغِيرٌ فِي نَفْسِي مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ التَّوَاضُعِ

وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ ابْنَ مَرْيَمَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فِي آيَاتٍ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، وَأَذِنَ لَهُ فِيهِنَّ، فَقَالَتْ: طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ، وَالثَّدْيِ الَّذِي أُرْضِعْتَ بِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ مَرْيَمَ يُجِيبُهَا: طُوبَى لِمَنْ تَلَا كِتَابَ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا شَقِيًّا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: لَا تَجِدُ عَاقًّا إِلَّا وَجَدْتَهُ جَبَّارًا شَقِيًّا.
ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32] قَالَ: وَلَا تَجِدُ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ مُخْتَالًا فَخُورًا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33] يَقُولُ: وَالْأَمَنَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيَّ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ يَوْمَ وُلِدْتُ أَنْ يَنَالُوا مِنِّي مَا يَنَالُونَ مِمَّنْ يُولَدُ

عِنْدَ الْوِلَادَةِ، مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ، وَيَوْمَ أَمُوتُ، مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنَالَنِي الْفَزَعُ الَّذِي يَنَالُ النَّاسَ بِمُعَايَنَتِهِمْ أَهْوَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَمَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33] قَالَ: يُخْبِرُهُمْ فِي قِصَّةِ خَبَرِهِ عَنْ نَفْسِهِ، أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ حَيًّا، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي بَيَّنْتُ لَكُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبَرْتُكُمْ خَبَرَهُ، مِنْ أَمْرِ الْغُلَامِ الَّذِي حَمَلَتْهُ مَرْيَمُ، هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهَذِهِ الصُّفَّةُ صِفَتُهُ، وَهَذَا الْخَبَرُ خَبَرُهُ، وَهُوَ ﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34] يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي

قَصَصْتُهُ عَلَيْكُمْ قَوْلُ الْحَقِّ، وَالْكَلَامُ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ قَوْلُ اللَّهِ وَخَبَرُهُ، لَا خَبَرَ غَيْرُهُ، الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْوَهْمُ وَالشَّكُّ، وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، عَلَى مَا كَانَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقُولُوا فِي عِيسَى أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ، لَا مَا قَالَتْهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وَأَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا كَذَّابًا، وَلَا مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى، مِنْ أَنَّهُ

كَانَ لِلَّهِ وَلَدًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34] قَالَ: اللَّهُ الْحَقُّ

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي هَذَا الْحَرْفِ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] قَالَ: كَلِمَةُ اللَّهِ وَلَوْ وُجِّهَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْقَوْلُ الْحَقُّ، بِمَعْنَى ذَلِكَ الْقَوْلُ الْحَقُّ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنَ الْقَوْلِ، وَأُضِيفَ إِلَى الْحَقِّ.
كَمَا قِيلَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95] وَكَمَا قِيلَ: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: 16] كَانَ تَأْوِيلًا صَحِيحًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: (قَوْلُ الْحَقِّ) بِرَفْعِ الْقَوْلِ.
عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ الْمَعْنَى.
وَجَعَلُوهُ فِي إِعْرَابِهِ تَابِعًا

لِعِيسَى، كَالنَّعْتِ لَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي إِعْرَابِهِ عِنْدِي عَلَى مَا قَالَهُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ رُفِعَ عَلَى النَّعْتِ لِعِيسَى، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلِ الْكَلِمَةَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، مِنْ تَأْوِيلهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِعِيسَى، وَإِلَّا فَرَفْعُهُ عِنْدِي بِمُضْمَرٍ، وَهُوَ هَذَا قَوْلُ الْحَقِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ تَنَاهَى عَنْ قِصَّةِ عِيسَى وَأُمِّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 34] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِيمَا فِيهِ تَمْتَرِي الْأُمَمُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى، هُوَ هَذَا الْقَوْلُ، الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ عِبَادَهُ، دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بِالنَّصْبِ، وَكَأَنَّهُمَا أَرَادَا بِذَلِكَ الْمَصْدَرَ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْلًا حَقًّا، ثُمَّ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ: «ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ الْحَقَّ» فَإِنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِ الْحَقِّ، مِثْلَ الْعَابِ وَالْعَيْبِ، وَالذَّامِ وَالذَّيْمِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: الرَّفْعُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] فَإِنَّهُ يَعْنِي: الَّذِي فِيهِ يَخْتَصِمُونَ وَيَخْتَلِفُونَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَارَيْتُ فُلَانًا: إِذَا جَادَلْتُهُ وَخَاصَمْتُهُ: وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] امْتَرَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَزَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَزَعَمُوا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَإِلَهٌ، وَكَذَبُوا كُلُّهُمْ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34] قَالَ: اخْتَلَفُوا، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَنَبِيُّهُ، فَآمِنُوا بِهِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُوَ اللَّهُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37] وَالَّتِي فِي الزُّخْرُفِ.
قَالَ دقيوس وَنسطور وَمار يَعْقُوبُ، قَالَ أَحَدُهُمْ حِينَ رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى: هُوَ اللَّهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ: كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ، فَقَالَ الْمُفْتَرِيَانِ: إِنَّ قَوْلِي هُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ بِقَوْلِي مِنْ قَوْلِ هَذَا، فَهَلُمَّ فَلْنُقَاتِلْهُمْ، فَقَاتَلُوهُمْ وَأَوْطَئُوهُمْ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، أَخْرَجَ كُلُّ قَوْمٍ عَالِمَهُمْ، فَامْتَرَوْا فِي عِيسَى حِينَ رُفِعَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا، وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ، فَقَالَ الثَّلَاثَةُ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ اثْنَانِ

مِنْهُمْ لِلثَّالِثِ، قُلْ أَنْتَ فِيهِ، قَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقَالَ الِاثْنَانِ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، قَالَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ: اللَّهُ إِلَهٌ، وَهُوَ إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ، وَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مُلُوكُ النَّصَارَى، قَالَ الرَّابِعُ: كَذَبْتَ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا قَالَ، فَاقْتَتَلُوا، فَظُهِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [مريم: 37] اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ كَفَّرْتُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، وَأَعْظَمُوا الْفِرْيَةَ عَلَيْهِ، فَمَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، وَلَا

يَصْلُحُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَكُونُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ فَخَلْقُهُ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ أَحْمَرَ: [البحر البسيط] فِي رَأْسِ خَلْقَاءَ مِنْ عَنْقَاءَ مُشْرِفَةٍ ... لَا يُبْتَغَى دُونَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلُ وَإِنَّ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ [مريم: 35] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِكَانَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: 116] يَقُولُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَتَبْرِئَةً لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ الْكَافِرُونَ الْقَائِلُونَ: عِيسَى ابْنُ اللَّهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّمَا ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَ عِيسَى ابْتِدَاءً، وَأَنْشَأَهُ إِنْشَاءً مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ افْتَحَلَ أُمَّهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَبْتَدِعُ الْأَشْيَاءَ وَيَخْتَرِعُهَا، إِنَّمَا يَقُولُ: إِذَا قَضَى خَلْقَ شَيْءٍ أَوْ إِنْشَاءَهُ: كُنْ فَيَكُونُ مَوْجُودًا حَادِثًا،

لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ خَلْقُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُقَهُ بِمُعَانَاةٍ وَكَلَفَةٍ، وَلَا يُنْشِئُهُ بِمُعَالَجَةٍ وَشِدَّةٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: 36] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (وَأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ فَتْحِ «أَنَّ» إِذَا فُتِحَتْ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: فُتِحَتْ رَدًّا عَلَى عِيسَى وَعَطْفًا عَلَيْهِ، بِمَعْنَى: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ،

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ أَنَّ رَفْعًا، وَتَكُونُ بِتَأْوِيلِ خَفْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 131] قَالَ: وَلَوْ فُتِحَتْ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ [مريم: 31] بِأَنَّ اللَّهَ، كَانَ وَجْهًا.
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: وَذُكِرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ بِالْفَتْحِ إِنَّمَا فُتِحَتْ أَنَّ بِتَأْوِيلِ ﴿وَقَضَى﴾ [الإسراء: 23] أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.

وَكَانَتْ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ يَقْرَءُونَهُ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 62] بِكَسْرِ إِنَّ بِمَعْنَى النَّسَقِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ [البقرة: 117] وَذُكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ» بِغَيْرِ وَاو.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي نَخْتَارُ فِي ذَلِكَ: الْكَسْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَوْضِعٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى «إِنَّ» الَّتِي مَعَ قَوْلِهِ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 30] , ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم: 36] وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ نَصْبًا: نُصِبَ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْكِتَابِ، بِمَعْنَى: أَتَانِيَ الْكِتَابَ، وَأَتَانِي أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، كَانَ وَجْهًا حَسَنًا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِنِّي وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ جَمِيعًا لِلَّهِ عَبِيدٌ، فَإِيَّاهُ فَاعَبْدُوا دُونَ غَيْرِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: عَهِدَ إِلَيْهِمْ حِينَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَوْلِدِهِ، وَمَوْتِهِ، وَبَعْثِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51] أَيْ إِنِّي وَإِيَّاكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، فَاعْبُدُوهُ وَلَا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51] يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ، وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ نَجَا، وَمَنْ رَكِبَهُ اهْتَدَى، لِأَنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاخْتَلَفَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي عِيسَى، فَصَارُوا أَحْزَابًا مُتَفَرِّقِينَ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثني الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37] قَالَ: أَهْلُ الْكِتَابِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ ابْنُ مَرْيَمَ، انْتَخَبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَةً مِنْ فُقَهَائِهِمْ، فَقَالُوا لِلْأَوَّلِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَخَلَقَ مَا خَلَقَ، وَأَحْيَا مَا أَحْيَا، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَقَالَ الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّانِي: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ مِنَ

النَّاسِ، فَكَانَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَقَالَ الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّالِثِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: هُوَ إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ، وَاللَّهُ إِلَهٌ، فَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَكَانَتِ الْإِسَرَائِيلِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ الرَّابِعُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، فَاخْتَصَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَا يَطْعَمُ الطَّعَامَ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَنَامُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ فَخَصَمَهُمُ الْمُسْلِمُ، قَالَ: فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ.
قَالَ: فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْيَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37] اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا

جارٍ التحميل