وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2] يَقُولُ: وَتَمَنَّوْا لَكُمْ أَنْ تَكْفُرُوا بِرَبِّكُمْ، فَتَكُونُوا عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الممتحنة: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَدْعُونَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَقَرَابَاتُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَاتِّخَاذِ أَعْدَائِهِ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ.
فَإِنَّهُ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَدْفَعُ عَنْكُمْ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ،
إِنْ أَنْتُمْ عَصَيْتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَفَرْتُمْ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: 3] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَفْصِلُ رَبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْ يُدْخِلَ أَهْلَ طَاعَتِهِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ مَعَاصِيهِ وَالْكُفْرِ بِهِ النَّارَ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: (يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا، عَلَى
مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ خَلَا عَاصِمٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا بِمَعْنَى: (يُفَصِّلُ) اللَّهُ بَيْنَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ.
وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا، بِمَعْنَى ﴿يَفْصِلُ﴾ [يونس: 5] اللَّهُ بَيْنَكُمْ.
وَقَرَأَ بَعْضُ قُرَّاءِ الشَّامِ يُفَصَّلُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِهَا عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي صَحِيحَاتٌ فِي الْإِعْرَابِ، فَبِأَيَّتِهَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ بِأَعْمَالِكُمْ أَيُّهَا
النَّاسُ ذُو عِلْمٍ وَبَصَرٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، هُوَ بِجَمِيعِهَا مُحِيطٌ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَاحْذَرُوهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: يَقُولُ: قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، تَقْتَدُونَ بِهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ.
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4] قَالَ: الَّذِينَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: حِينَ قَالُوا لِقَوْمِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ، وَمِنَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ أَنْبِيَائِهِ لِقَوْمِهِمُ الْكَفَرَةِ: كَفَرْنَا بِكُمْ، أَنْكَرْنَا مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَجَحَدْنَا عِبَادَتَكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْ تَكُونَ حَقًّا، وَظَهَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ،
وَعِبَادَتِكُمْ مَا سِوَاهُ، وَلَا صُلْحَ بَيْنَنَا وَلَا هَوَادَةَ، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ: حَتَّى تُصَدِّقُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَتُوَحِّدُوهُ، وَتُفْرِدُوهُ بِالْعِبَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَك وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4] فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ مُبَايَنَةِ الْكُفَّارِ وَمُعَادَاتِهِمْ، وَتَرْكِ مُوَالَاتِهِمْ إِلَّا فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ لَكُمْ
فِيهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَتَبَرَّءُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَيَتَبَرَّءُوا عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ وَأَظْهِرُوا لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [الممتحنة: 4] قَالَ: نُهُوا أَنْ يَتَأَسَوْا بِاسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ، فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ
الْحَارِثِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: 4] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ: فِي كُلِّ أَمْرِهِ أُسْوَةٌ، إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ لِأَبِيهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: 4] الْآيَةُ، ائْتَسُوا بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مَا خَلَا قَوْلِهِ لِأَبِيهِ: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4] فَلَا تَأَتَسُوا بِذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ: لَا تَأْسُوا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مَوْعِدًا، وَتَأَسُّوا بِأَمْرِهِ كُلِّهِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: 4] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4] قَالَ: يَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ فِي هَذَا أُسْوَةٌ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ: وَمَا أَدْفَعُ عَنْكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ عُقُوبَةٍ إِنِ اللَّهُ عَاقَبَكَ عَلَى كُفْرِكَ بِهِ، وَلَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة: 4] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: 4] يَعْنِي: وَإِلَيْكَ رَجَعْنَا بِالتَّوْبَةِ مِمَّا تَكْرَهُ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285] يَقُولُ: وَإِلَيْكَ مَصِيرُنَا وَمَرْجِعُنَا يَوْمَ تَبْعَثُنَا مِنْ قُبُورِنَا، وَتَحْشُرُنَا فِي الْقِيَامَةِ
إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: يَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ فَجَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَكَ، وَعَبَدُوا غَيْرَكَ، بِأَنْ تُسَلِّطَهُمْ عَلَيْنَا، فَيَرَوْا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، وَأَنَا عَلَى بَاطِلٍ، فَتَجْعَلُنَا بِذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5] قَالَ: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ، وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدَكَ، فَيَقُولُوا: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى حَقٍّ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5] قَالَ: يَقُولُ: لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيُفْتَتَنُوا بِذَلِكَ، يَرَوْنَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا لِحَقٍّ هُمْ عَلَيْهِ
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5] يَقُولُ: لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾ [الممتحنة: 5] يَقُولُ: وَاسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا بِعَفْوِكَ لَنَا عَنْهَا
يَا رَبَّنَا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129] يَعْنِي الشَّدِيدَ الِانْتِقَامِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] : يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وَصَرْفِهِ إِيَّاهُمْ فِيمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ قُدْوَةٌ حَسَنَةٍ فِي الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَالَّذِينَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَالرُّسُلِ.
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21] يَقُولُ: لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ، وَثَوَابَ اللَّهِ، وَالنَّجَاةَ فِي
الْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَتَوَلَّ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَنَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَأَدْبَرَ مُسْتَكْبِرًا، وَوَالَى أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ إِيمَانِهِ بِهِ، وَطَاعَتِهِ إِيَّاهُ، وَعَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، الْحَمِيدُ عِنْدَ
أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِأَيَادِيهِ، وَآلَائِهِ عِنْدَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: عَسَى اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْ أَعْدَائِي مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مَوَدَّةً، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ، بِأَنْ أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ،
فَصَارُوا لَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَأَحْزَابًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: 7] قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَعَلَ، قَدْ أَدْخَلَهُمْ فِي السِّلْمِ وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ مَوَدَّةً حِينَ كَانَ الْإِسْلَامُ حِينَ الْفَتْحِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: 7] يَقُولُ: وَاللَّهُ ذُو قُدْرَةٍ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَوَدَّةً.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] يَقُولُ: وَاللَّهُ غَفُورٌ لِخَطِيئَةِ مَنْ أَلْقَى إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِالْمَوَدَّةِ إِذَا تَابَ مِنْهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: 7] عَلَى ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الْكَثِيرَةَ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8] مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8] يَقُولُ: وَتَعْدِلُوا فِيهِمْ بِإِحْسَانِكُمْ إِلَيْهِمْ، وَبِرِّكُمْ بِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا: الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِبِرِّهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8] أَنْ تَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، وَ ﴿تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا﴾ [الممتحنة: 8] إِلَيْهِمْ؛ قَالَ: وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ لَهَا أُمٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالَ لَهَا قُتَيْلَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَأَتَتْهَا بِهَدَايَا وَصِنَابٍ وَأَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَتْ: لَا أَقْبَلُ لَكِ هَدِيَّةً، وَلَا تُدْخِلِي عَلَيَّ حَتَّى يَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] .
قَالَ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ سَعْدٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهَا مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ؛ قَالَ: وَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بَعْدُ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: 8] الْآيَةُ، فَقَالَ: هَذَا قَدْ نُسِخَ، نَسَخَهُ الْقِتَالُ، أُمِرُوا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ، وَيُجَاهِدُوهُمْ بِهَا، يَضْرِبُونَهُمْ، وَضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ أَجَلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِمَّا الْمُذَابَحَةُ، وَإِمَّا الْإِسْلَامُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: 8] الْآيَةُ، قَالَ: نَسَخَتْهَا: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8] مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتَصِلُوهُمْ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ جَمِيعَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ، أَوْ مِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَا نَسَبٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ لَهُ، أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ.
قَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ وَأُمِّهَا