الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَالَّذِي: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، قَالَ: ثنا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَأْتِيهِ ذُو رَحِمٍ لَهُ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إِلَّا أَخْرَجَ لَهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَلَيْهِ شُجَاعًا أَقْرَعَ» وَقَالَ: وَقَرَأَ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي رَحِمُهُ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ مِنْ جَهَنَّمَ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتَّى يُطَوَّقَهُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ حُجْرِ بْنِ بَيَانٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ، إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حَتَّى يُطَوَّقُهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180] حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]
حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُرِّيُّ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَحَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، وَحَدَّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ جَمِيعًا، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَالٍ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ إِلَّا دَعَا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا يَتَلَمَّظُ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] قَالَ: " ثُعْبَانٌ يَنْقُرُ رَأْسَ أَحَدِهِمْ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: «شُجَاعٌ يَلْتَوِي بِرَأْسِ أَحَدِهِمْ» حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: ثنا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: «قَالَ شُجَاعٌ أَسْوَدُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " يَجِيءُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُعْبَانًا، فَيَنْقَرَ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ، فَيَنْطَوِي عَلَى عُنُقِهِ "
حُدِّثْتُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: ثنا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا مُثِّلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ يُطَوِّقُهُ» ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: 180] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: أَمَّا ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: 180] «فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يُطَوَّقُهُ، فَيَأْخُذُ بِعُنُقِهِ، فَيَتْبَعُهُ حَتَّى يَقْذِفَهُ فِي النَّارِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: " هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا، فَيَمْنَعُ قَرَابَتَهُ الْحَقَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ فِي مَالِهِ، فَيُجْعَلُ حَيَّةً فَيُطَوَّقُهَا، فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] قَالَ: «يُطَوَّقُونَ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَنْهَشُ رَأْسَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] «فَيُجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ طَوْقًا مِنْ نَارٍ»
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] قَالَ: «طَوْقًا مِنَ النَّارِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: «طَوْقًا مِنْ نَارٍ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: 180] قَالَ: «طَوْقًا مِنْ نَارٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: «طَوْقٌ مِنْ نَارٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَيَحْمِلُ الَّذِينَ كَتَمُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ مَا كَتَمُوا مِنْ ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [آل عمران: 180] " يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، يَقُولُ: يَكْتُمُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْكِتْمَانِ " قَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَيُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180] قَالَ: «سَيُكَلَّفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ» إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: 180] «سَيُكَلَّفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا بَخِلُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي مَبْدَأِ قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ [آل عمران: 180] لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَحَدَ أَعْلَمُ بِمَا عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِتَنْزِيلِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: أَنَّهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ جَمِيعِ خَلْقِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَالْمِيرَاثُ الْمَعْرُوفُ: هُوَ مَا انْتَقَلَ مِنْ مِلْكِ مَالِكٍ إِلَى وَارِثِهِ بِمَوْتِهِ وَلِلَّهِ الدُّنْيَا قَبْلَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَبَعْدَهُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا مِنْ وَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ، وَإِعْلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَاءَ وَذَلِكُ أَنُّ مِلْكَ الْمَالِكِ إِنَّمَا يَصِيرُ مِيرَاثًا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِعْلَامًا بِذَلِكَ مِنْهُ عِبَادَهُ أَنَّ أَمْلَاكَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُنْتَقِلَةٌ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ إِلَّا وَهُوَ فَانٍ سَوَاءً، فَإِنَّهُ الَّذِي إِذَا هَلَكَ جَمِيعُ خَلْقِهِ، فَزَالَتْ أَمْلَاكُهُمْ عَنْهُمْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَكُونُ لَهُ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهَ غَيْرُهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِي يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَعْدَ مَا يَهْلِكُونَ، وَتَزُولُ عَنْهُمْ أَمْلَاكُهُمْ فِي الْحِينِ الَّذِي لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وَصَارَ لِلَّهِ مِيرَاثُهُ وَمِيرَاثُ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءَ عَلَى مَا يَرَى تَعَالَى ذِكْرُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182] ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَآيَاتٍ بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْيَهُودِ، الَّذِينَ كَانُوا
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذِكْرُ الْآثَارِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْتَ الْمُدَارَسِ، فَوَجَدَ مِنْ يَهُودَ نَاسًا كَثِيرًا قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصٌ، كَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ، وَمَعَهُ حَبْرٌ يُقَالُ لَهُ أشيعُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِفِنْحَاصٍ: وَيْحَكَ يَا فِنْحَاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وَأَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ فِنْحَاصٌ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ، وَمَا نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَاهُ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا عَنَّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصٍ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، فَأَكْذِبُونَا مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَذَهَبَ فِنْحَاصٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ انْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: «وَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَأَنَّهُمْ عَنْهُ أَغْنِيَاءُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمَّا قَالَ، فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصٌ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصٌ رَدًّا عَلَيْهِ وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181] وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَضَبِ: ﴿لَتَسْمَعَنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، وَمَا هُوَ عَنَّا بِغَنِيٍّ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا؛ ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ نَحْوَهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] " قَالَهَا فِنْحَاصٌ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي مَرْثَدٍ، لَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا فِنْحَاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وَآمِنْ وَصَدَّقْ، وَأقَرْضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقَالَ فِنْحَاصٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ، تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّنَا فَقِيرٌ، يَسْتَقْرِضُنَا أَمْوَالَنَا، وَمَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا الْفَقِيرُ مِنَ الْغَنِيِّ، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَإِنَّ اللَّهَ إِذًا لَفَقِيرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَلَوْلَا هُدْنَةٌ كَانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ بَنِي مَرْثَدٍ لَقَتَلْتُهُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " صَكَّ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْهُمُ ﴿الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] لِمَ يَسْتَقْرِضُنَا وَهُوَ غَنِيُّ وَهُمْ يَهُودُ؟ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] " لِمَ يَسْتَقْرِضُنَا وَهُوَ غَنِيُّ؟ قَالَ شِبْلٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ فِنْحَاصٌ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثني يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] ، " قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ رَبَّكُمْ يَسْتَقْرِضُ مِنْكُمْ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] قَالَ: " عَجِبَتِ الْيَهُودُ فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يَسْتَقْرِضُ " فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] " ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] قَالَ: يَسْتَقْرِضُنَا رَبُّنَا، إِنَّمَا يَسْتَقْرِضُ الْفَقِيرُ الْغَنِيُّ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] " قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّمَا يَسْتَقْرِضُ الْفَقِيرُ مِنَ الْغَنِيِّ " قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ، قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] قَالَ: " هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا مِنَ الْيَهُودِ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ إِلَيْنَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ عَنْهُ، سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى رَبِّهِمْ وَقَتْلَهُمْ أَنْبِيَاءَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ﴾ [آل عمران: 181] فَقَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: 181] بِالنُّونِ ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 181] بِنَصْبِ الْقَتْلِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) بِالْيَاءِ مِنْ (سَيُكْتَبُ) وَبِضَمِّهَا وَرَفْعِ الْقَتْلِ عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةٍ يُذْكَرُ أَنَّهَا مِنْ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا﴾ [آل عمران: 181] ، يُذْكَرُ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَيُقَالُ» فَأَغْفَلَ قَارِئُ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيمَا قَصَدَ إِلَيْهِ مِنْ تَأْوِيلِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالَفَ الْحُجَّةَ مِنْ قُرَّاءِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ
: (سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ) عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَنْ يَقْرَأَ: «وَيُقَالُ» ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَنَقُولُ﴾ [آل عمران: 181] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ [آل عمران: 181] . فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى بِأَنْ يَقْرَأَ جَمِيعًا عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ مَا يُسَمَّى فَاعِلُهُ، فَأَمَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدَهُمَا عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْآخَرَ عَلَى وَجْهِ مَا قَدْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى أَلْجَأَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَاخْتِيَارٌ خَارِجٌ عَنِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ [آل عمران: 181] بِالنُّونِ ﴿وَقَتْلَهُمْ﴾ [آل عمران: 181] بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَنَقُولُ﴾ [آل عمران: 181] ، وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي (سَيُكْتَبُ) بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا، لَقِيلَ: «وَيُقَالُ» ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قِيلَ: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 181] وَقَدْ ذَكَرَتِ الْآثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ أَنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: 181] بَعْضُ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أُولَئِكَ أَحَدٌ قَتَلَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَيَقْتُلُوهُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا رَاضِينَ بِمَا فَعَلَ أَوَائِلُهُمْ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانُوا مِنْهُمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ، مِنَ اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ وَاسْتِجَازَتِهِ،
فَأَضَافَ جَلَّ ثناؤُهُ فِعْلَ مَا فَعَلَهُ مَنْ كَانُوا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقَتِهِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، إِذْ كَانُوا أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَنِحِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِالرِّضَا مِنْ جَمِيعِهِمْ، فِعْلَ مَا فَعَلَ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِرِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَنَقُولُ لِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، الْقَاتِلِينَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، يَعْنِي بِذَلِكَ: عَذَابَ نَارٍ مُحْرِقَةٍ مُلْتَهِبَةٍ،
وَالنَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْمُلْتَهِبَةِ مِنْهَا وَغَيْرِ الْمُلْتَهِبَةَ، وَإِنَّمَا الْحَرِيقُ صِفَةٌ لَهَا، يُرَادُ أَنَّهَا مُحْرَقَةٌ، كَمَا قِيلَ: «عَذَابٌ أَلِيمٌ» يَعْنِي: مُؤْلِمٌ، وَ «وَجِيعٌ» يَعْنِي: مُوجِعٌ.
وَأَمَّا قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: 182] أَيْ قَوْلُنَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ بِمَا أَسْلَفَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاكْتَسَبْتَهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَبِأَنْ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَجُورُ، فَيُعَاقِبُ عَبْدًا لَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ الْعُقُوبَةَ، وَلَكِنَّهُ يُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَيُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ جَزَاءَ مَا عَمِلَ، فَجَازَى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ، فَأُخْبِرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، بِمَا جَازَاهُمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَرِيقِ، بِمَا اكْتَسَبُوا مِنَ الْآثَامِ، وَاجْتَرَحُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَكَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ، فَلَمْ يَكُنْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ مِنْ إِذَاقَتِهِمِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ظَالِمًا وَلَا وَاضِعًا عُقُوبَتَهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ جَلَّ ثناؤُهُ غَيْرُ ظَلَّامٍ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُ الْعَادِلُ بَيْنَهُمْ، وَالْمُتَفَضِّلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِمَا
أَحَبَّ مِنْ فَوَاضِلِهِ وَنِعَمِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ
لِرَسُولٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: 181] فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: 181] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ أَوْصَانَا وَتَقَدَّمَ إِلَيْنَا فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسُنِ أَنْبِيَائِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، يَقُولُ: أَنْ لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا فِيمَا يَقُولُ إِنَّهُ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مِنْ أَمْرٍ وَنَهْي وَغَيْرِ ذَلِكَ ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183] يَقُولُ: حَتَّى يَجِيئَنَا بِقُرْبَانٍ، وَهُوَ مَا تَقَرَّبَ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ مِنْ صَدَقَةٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِثْلَ الْعُدْوَانِ وَالْخُسْرَانِ مِنْ قَوْلِكَ: قَرَّبْتُ قُرْبَانًا، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183] ؛ لِأَنَّ أَكْلَ النَّارِ مَا قَرَّبَهُ أَحَدُهُمْ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ اللَّهِ مِنْهُ مَا قَرَّبَ لَهُ، وَدِلَالَةً عَلَى صِدْقِ الْمُقَرِّبِ فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ مُحِقٌّ فِيمَا نَازَعَ أَوْ قَالَ