تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 468-478

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4] جَوَابُ الْقَسَمِ، وَالْكَلَامُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ

صفحات 468-478
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 9] وَكَذَّبَ الْكَافِرُ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الْحَسَنِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَكَذَّبَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 9] وَكَذَّبَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 9] بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَكَذَّبَ بِالْجَنَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 9] قَالَ: بِالْجَنَّةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَنُهَيِّئُهُ فِي الدُّنْيَا لِلْخَلَّةِ الْعُسْرَى، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ يَسَّرَتْ غَنَمُ فُلَانٍ: إِذَا وَلَدَتْ وَتَهَيَّأَتْ لِلْوِلَادَةِ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وَإِنَّمَا ... يَسُودَانِنَا أَنْ يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا وَقِيلَ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] وَلَا تَيَسُّرَ فِي الْعُسْرَى لِلَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 7] وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ كَلَامَيْنِ أَحَدُهُمَا ذِكْرُ الْخَيْرِ وَالْآخَرُ ذِكْرُ الشَّرِّ، جَازَ ذَلِكَ بِالتَّيْسِيرِ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ وَالْعُسْرَى الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُيَسِّرُهُ لَهَا: الْعَمَلُ بِمَا يَكْرَهُهُ وَلَا يَرْضَاهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذِكْرُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ

حَدَّثَنِي وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: ثنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَكَتَ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 6]

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي الْبَقِيعِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُهَا» فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ، فَقَالَ: «بَلِ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ؛ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِلشَّقَاءِ» ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 6] حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 6]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5] الْآيَتَيْنِ

قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا مَا هِيَ لَاقِيَتُهُ» وَأَعْرَابِيٌّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْتَادٌ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: فَمَا جَاءَ بِي

أَضْرِبُ مِنْ وَادِي كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ قَدْ فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ؟ فَنَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَسَّرَهُ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ، وَمَنْ يُرِدْ بِهِ شَرًّا يَسَّرَهُ لِسَبِيلِ الشَّرِّ» فَلَقِيتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَادَ فِيهِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 6]

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا حُصَيْنٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ أَفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ، أَوْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ: سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى "

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّائِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، قَالَ: ثنا الْجَرَّاحُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتِ يَوْمٍ جَالِسًا وَبِيَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِنَ النَّاسِ، إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَوَكَّلُ؟ قَالَ لَهُمْ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ثُمَّ قَالَ: " أَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ فِي كِتَابِهِ يَقُولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 6]

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] لِلشَّرِّ مِنَ اللَّهِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَعْمَلُ لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، أَوْ لِأَمْرٍ نَأْتَنِفُهُ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَعْمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَوْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ: «بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ» قَالَا: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذَنْ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ عَامِلٌ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ» قَالَا: فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: 12]

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ [الليل: 11] أَيُّ شَيْءٍ يَدْفَعُ عَنْ هَذَا الَّذِي بَخِلَ بِمَالِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ، مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِذَا﴾ [البقرة: 145] هُوَ ﴿تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] ؟ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ: أَيْ سَقَطَ فِيهَا فَهَوَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] قَالَ: فِي جَهَنَّمَ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَدْ سَمِعَ الْأَشْجَعِيُّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] قَالَ: إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا مَاتَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] قَالَ: إِذَا مَاتَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

قَوْلُهُ: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11] قَالَ: إِذَا مَاتَ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: إِذَا مَاتَ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ التَّرَدِّي؛ فَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ مَعْنَى الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يُقَالَ: رُدِّيَ فُلَانٌ، وَقَلَّمَا يُقَالُ: تَرَدَّى

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ عَلَيْنَا لَبَيَانَ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالطَّاعَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: 12] يَقُولُ: عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ، بَيَانُ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَطَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى: أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ الْهُدَى فَعَلَى اللَّهِ سَبِيلُهُ، وَيَقُولُ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: 9] وَيَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَنْ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ عَلَى السَّبِيلِ الْقَاصِدِ، وَقَالَ: يُقَالُ مَعْنَاهُ: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَالْإِضْلَالَ، كَمَا قَالَ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] وَهِيَ تَقِي الْحَرَّ

وَالْبَرْدَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: 13] يَقُولُ: وَإِنَّ لَنَا مُلْكَ مَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، نُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ أَرَدْنَا مِنْ خَلْقِنَا، وَنَحْرِمُهُ مَنْ شِئْنَا وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُوَفِّقُ لِطَاعَتِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، فَيُكْرِمُهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُهَيِّئُ لَهُ الْكَرَامَةَ وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ

خُذْلَانَهُ مِنْ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، فَيُهِينُهُ بِمَعْصِيَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُخْزِيهِ بِعُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ

ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْذَرْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نَارًا تَتَوَهَّجُ، وَهِيَ نَارُ جَهَنَّمَ، يَقُولُ: احْذَرُوا أَنْ تَعْصُوا رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَتَكْفُرُوا بِهِ، فَتَصْلَوْنَهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: تَلَظَّى، وَإِنَّمَا هِيَ تَتَلَظَّى، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبِلٌ، وَلَوْ كَانَ

فِعْلًا مَاضِيًا لَقِيلَ: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّتْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14] قَالَ: تَوَهَّجُ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: 15] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَا يَدْخُلُهَا فَيَصْلَى

بِسَعِيرِهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: 16] يَقُولُ: الَّذِي كَذَّبَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَأَعْرَضَ عَنْهَا، وَلَمْ يُصَدِّقْ بِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَتَدْخُلُنَّ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ يَأْبَى، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: وَمَنْ يَأْبَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: 16]

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَا: ثنا الْأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: 15] قَالَ مُعَاذٌ: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَلَمْ يَقُلْهُ الْحَسَنُ، قَالَ: الْمُشْرِكُ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظَاهِرٍ، وَلَكِنْ قَصَّرَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، فَجُعِلَ تَكْذِيبًا، كَمَا تَقُولُ: لَقِيَ فُلَانٌ الْعَدُوَّ، فَكَذَّبَ إِذَا نَكَلَ وَرَجَعَ.
وَذَكَرُ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ: لَيْسَ لِحَدِّهِمْ مَكْذُوبَةٌ، بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا صَدَقُوا الْقِتَالَ، وَلَمْ يَرْجِعُوا؛ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: 17] يَقُولُ: وَسَيُوَقَّى صِلِيَّ النَّارِ الَّتِي تَلَظَّى التَّقِيُّ، وَوُضِعَ أَفْعَلُ مَوْضِعَ فَعِيلٍ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: [البحر الطويل] تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: 18] يَقُولُ: الَّذِي يُعْطِي مَالَهُ فِي الدُّنْيَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي أَلْزَمَهُ إِيَّاهَا ﴿يَتَزَكَّى﴾ [فاطر: 18] يَعْنِي: يَتَطَهَّرُ بِإِعْطَائِهِ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 20] كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى: وَمَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عِنْدَ هَذَا الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَتَزَكَّى ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: 19] يَعْنِي: مِنْ يَدٍ يُكَافِئُهُ عَلَيْهَا، يَقُولُ: لَيْسَ يُنْفِقُ

مَا يُنْفِقُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُعْطِي مَا يُعْطِي، مُجَازَاةَ إِنْسَانٍ يُجَازِيهِ عَلَى يَدٍ لَهُ عِنْدَهُ، وَلَا مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى نِعْمَةٍ سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُؤْتِيهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ.
قَالَ: وَإِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى لَكِنْ؛ وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي الْمُكَافَأَةِ مُسْتَقْبِلًا، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَلَمْ يُرِدْ بِمَا أَنْفَقَ مُكَافَأَةً مِنْ أَحَدٍ، وَيَكُونُ مَوْقِعُ اللَّامِ الَّتِي فِي أَحَدٍ فِي الْهَاءِ الَّتِي خَفَضَتْهَا عِنْدَهُ، فَكَأَنَّكَ قُلْتُ: وَمَا لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ فِيمَا أَنْفَقَ مِنْ نِعْمَةٍ يَلْتَمِسُ ثَوَابَهَا، قَالَ: وَقَدْ تَضَعُ الْعَرَبُ الْحَرْفَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا، وَاسْتَشْهَدُوا لِذَلِكَ بِبَيْتِ النَّابِغَةِ: [البحر الطويل] وَقَدْ خِفْتُ حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي ... عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي الْمَطَارَةِ عَاقِلِ

جارٍ التحميل