تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 38-47

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24] يَقُولُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ اللَّهُ مُغْرُقُهُمْ فِي الْبَحْرِ

صفحات 38-47
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 26] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمْ تَرَكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ وَتَغْرِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ بَسَاتِينَ وَأَشْجَارٍ، وَهِيَ الْجَنَّاتُ، وَعُيُونٍ، يَعْنِي: وَمَنَابِعَ مَا كَانَ

يَنْفَجِرُ فِي جِنَانِهِمْ وَزُرُوعٍ قَائِمَةٍ فِي مَزَارِعِهِمْ ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 58] يَقُولُ: وَمَوْضِعٍ كَانُوا يَقُومُونَهُ شَرِيفٌ كَرِيمٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى وَصْفِ اللَّهِ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِالْكَرْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِشَرَفِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَقَامُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَنَابِرُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ ابْنُ بِنْتِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ قَالَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 26] قَالَ: «الْمَنَابِرُ»

حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 26] قَالَ: «الْمَنَابِرُ» وَقَالَ آخَرُونَ: وَصَفَ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِالْكَرَمِ لِحُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: 26] «أَيْ حَسَنٍ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُخْرِجُوا مِنْ نِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ نَاعِمِينَ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: 27] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ خَلَا أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ ﴿فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: 27] عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ وَقَرَأَهُ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو جَعْفَرٍ

الْمَدَنِيُّ (فَكِهِينَ) بِمَعْنَى: أَشِرِينَ بَطِرِينَ

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ ﴿فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: 27] بِالْأَلْفِ بِمَعْنَى نَاعِمِينَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَنِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: 27] «نَاعِمِينَ» قَالَ: «إِي وَاللَّهِ، أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ جَنَّاتِهِ وَعُيُونِهِ وَزُرُوعِهِ حَتَّى وَرَّطَهُ فِي الْبَحْرِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا كَمَا وَصَفْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ، الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَنَا مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَأَوْرَثْنَا جَنَّاتِهِمْ وَعُيُونَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَمَا كَانُوا

فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ عَنْهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْقَوْمِ الْآخَرِينَ بَنُو إِسْرَائِيلَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 28] «يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا بَكَتْ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِي الْبَحْرِ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَقِيلَ: إِنَّ بُكَاءَ السَّمَاءِ حُمْرَةُ أَطْرَافِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ ظَهِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: «لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِ، وَبُكَاؤُهَا حُمْرَتُهَا»

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] قَالَ: «بُكَاؤُهَا حُمْرَةُ أَطْرَافِهَا» وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَلَمْ تَبْكِيَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ صَالِحٌ، فَتَبْكِي عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ، وَلَا مَسْجِدٌ فِي الْأَرْضِ، فَتَبْكِي عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] فَهَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا لَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ مِنْهُ يَنْزِلُ رِزْقُهُ، وَفِيهِ يَصْعَدُ عَمَلُهُ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَأُغْلِقَ بَابُهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، بَكَى عَلَيْهِ؛ وَإِذَا فَقَدَهُ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا بَكَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ صَالِحَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَيْرٌ قَالَ: فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى قَالَا: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «تَبْكِي الْأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ قَالَ: حُدِّثْتُ «أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: ثَنَا بُكَيْرُ بْنُ أَبِي السُّمَيْطِ قَالَ: ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ بِقَاعَ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَ يَصْعَدُ عَمَلُهُ مِنْهَا إِلَى السَّمَاءِ تَبْكِي عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَعْنِي الْمُؤْمِنَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ يَنْزِلُ فِيهِ رِزْقُهُ وَيَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، فَإِذَا فُقِدَ بَكَتْ عَلَيْهِ مَوَاضِعُهُ الَّتِي كَانَ يَسْجُدُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُقْبَلُ مِنْهُمْ، فَيَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» فَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَبْكِي الْأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدِ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا»

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، أَلَا لَا غُرْبَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ» ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمَا لَا يَبْكِيَانِ عَلَى الْكَافِرِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] الْآيَةَ قَالَ: " ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ يَمُوتُ إِلَّا بَكَى عَلَيْهِ مَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ حِينَ يَفْقِدُهُ، وَإِلَّا بَكَى عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ يُرْفَعُ مِنْهُ كَلَامُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] «لِأَنَّهُمَا يَبْكِيَانِ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] يَقُولُ: «لَا تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى الْكَافِرِ، وَتَبْكِي عَلَى الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ مَعَالِمُهُ مِنَ الْأَرْضِ وَمَقَرُّ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29] قَالَ: «بِقَاعُ الْمُؤْمِنِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا مِنَ الْأَرْضِ تَبْكِي عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، وَبِقَاعُهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي كَانَ يُرْفَعُ فِيهَا عَمَلُهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَبْكِي السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ، مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا لَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مَكَانُهُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ وَيُصَلِّي فِيهِ، وَبَكَى عَلَيْهِ بَابُهُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ وَأَمَّا قَوْمٌ فِرْعَوْنَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آثَارٌ صَالِحَةٌ، وَلَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَيْرٌ، فَلَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] يَقُولُ: وَمَا كَانُوا مُؤَخَّرِينَ بِالْعُقُوبَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ عُوجِلُوا بِهَا إِذْ أَسْخَطُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يُعَذِّبُونَهُمْ بِهِ، الْمُهِينُ

يَعْنِي الْمُذِلُّ لَهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان: 30] «بِقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ، وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: 83] مُكَرَّرَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان: 30] مُبْدَلَةٌ مِنَ الْأُولَى وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31] إِنَّهُ كَانَ جَبَّارًا مُسْتَعْلِيًا

مُسْتَكْبِرًا عَلَى رَبِّهِ، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31] يَعْنِي: مِنَ الْمُتَجَاوِزِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ تَجَاوُزُهُ وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ كَانَ ذَا اعْتِدَاءٍ فِي كُفْرِهِ، وَاسْتِكْبَارٍ عَلَى رَبِّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدِ اخْتَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِهِمْ عَلَى عَالَمِي أَهْلِ زَمَانِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَذَلِكَ زَمَانُ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32] «أَيِ اخْتِيرُوا عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ ذَلِكَ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32] قَالَ: «عَالَمُ ذَلِكَ الزَّمَانِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: 32] قَالَ: «عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ»

قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ مَا فِيهِ اخْتِبَارٌ يُبَيِّنُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَنَّهُ اخْتِبَارٌ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: ابْتَلَاهُمْ بِنِعَمِهِ عِنْدَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: 33] «أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ أَقْطَعَهُمُ الْبَحْرَ، وَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ ابْتَلَاهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ

جارٍ التحميل