قَوْلُهُ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِسُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] قَالَ: " يَعْنِي بِالصَّلَوَاتِ: الْكَنَائِسَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلَوَاتٌ "﴾ [التوبة: 99] كَنَائِسُ الْيَهُودِ، وَيُسَمَّوْنَ الْكَنِيسَةَ صَلُوتَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] كَنَائِسُ الْيَهُودِ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِالصَّلَوَاتِ مَسَاجِدَ الصَّابِئِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ الصَّلَوَاتِ، , قَالَ: «هِيَ مَسَاجِدُ الصَّابِئِينَ» قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ رُفَيْعٍ، نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ , وَلِأَهْلِ الْكِتَابِ بِالطُّرُقِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] قَالَ: «مَسَاجِدُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ , وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالطُّرُقِ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] قَالَ: «الصَّلَوَاتُ صَلَوَاتُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، تَنْقَطِعُ إِذَا دَخَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ، انْقَطَعَتِ الْعِبَادَةُ، وَالْمَسَاجِدُ تُهَدَّمُ، كَمَا صَنَعَ بُخْتُنَصَّرُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40] اخْتُلِفَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي أُرِيدَتْ بِهَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ بِذَلِكَ مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ رُفَيْعٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40] قَالَ: «مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40] قَالَ: " الْمَسَاجِدُ: مَسَاجِدُ
الْمُسْلِمِينَ , يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40] الصَوَامِعُ وَالْبِيَعُ وَالصَّلَوَاتُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40] «يَقُولُ فِي كُلِّ هَذَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَمْ يَخُصَّ الْمَسَاجِدَ» وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ لَا تُهَدَّمُ، وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى فِعْلٍ آخَرَ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَتُرِكَتْ صَلَوَاتٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَعْنِي: مَوَاضِعَ الصَّلَوَاتِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هِيَ صَلَوَاتٌ، وَهِيَ كَنَائِسُ الْيَهُودِ، تُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ: صَلُوتَا.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ الرُّهْبَانِ , وَبِيَعُ النَّصَارَى، وَصَلَوَاتُ الْيَهُودِ، وَهِيَ كَنَائِسُهُمْ، وَمَسَاجُدُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْلَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمْ، وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَغَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيمَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِ مَنْ وَجَّهَهُ إِلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَيُعِينَنَّ اللَّهُ مَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا عَلَى عَدُوِّهِ؛ فَنَصْرُ اللَّهِ عَبْدَهُ: مَعُونَتُهُ إِيَّاهُ، وَنَصْرُ الْعَبْدِ رَبَّهُ: جِهَادُهُ فِي سَبِيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَلَى نَصْرِ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ، عَزِيزٌ فِي مُلْكِهِ، يَقُولُ: مَنِيعٌ فِي سُلْطَانِهِ، لَا يَقْهَرَهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ.
وَ ﴿الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: 7] هَاهُنَا رَدٌّ عَلَى ﴿الَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾
[الصف: 4]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: 41] إِنْ وَطَّنَّا لَهُمْ فِي الْبِلَادِ، فَقَهَرُوا الْمُشْرِكِينَ , وَغَلَبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَقُولُ: إِنْ نَصَرْنَاهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ , وَقَهَرُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ، أَطَاعُوا اللَّهَ، فَأَقَامُوا الصَّلَاةَ بِحُدُودِهَا.
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] يَقُولُ: وَأَعْطُوا زَكَاةَ
أَمْوَالِهِمْ مَنْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ.
﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الحج: 41] يَقُولُ: وَدَعُوا النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] يَقُولُ: وَنَهُوا عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِمَعَاصِيهِ، الَّذِي يُنْكِرْهُ أَهْلُ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ.
﴿وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
يَقُولُ: وَلِلَّهِ آخِرُ أُمُورِ الْخَلْقِ، يَعْنِي: أَنَّ إِلَيْهِ مَصِيرَهَا فِي الثَّوَابِ عَلَيْهَا , وَالْعِقَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ الْأَشْيَبُ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] قَالَ: «كَانَ أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أَنَّهُمْ دَعُوا إِلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنَّهُمْ نَهُوا عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ , وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ» قَالَ: «فَمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَقَدْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَنْ نَهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ , وَعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ , فَقَدْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَنَالُهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَحَاضًّا لَهُ
عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا يَلْحَقُهُ مِنْهُمْ مِنَ السَّبِّ وَالتَّكْذِيبِ: وَإِنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى مَا آتَيْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْبُرْهَانِ، وَمَا تَعِدُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، فَذَلِكَ سُنَّةُ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَ اللَّهِ الْمُشْرِكَةِ بِاللَّهِ , وَمِنْهَاجُهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّكَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَذَابَ الْمُهِينَ مِنْ
وَرَائِهِمْ , وَنَصْرِيَ إِيَّاكَ وَأَتْبَاعَكَ عَلَيْهِمْ آتِيهُمْ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، كَمَا أَتَى عَذَابِي عَلَى أَسْلَافِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بَعْدَ الْإِمْهَالِ إِلَى بُلُوغِ الْآجَالِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ [الحج: 42] يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ؛ قَوْمُ نُوحٍ، وَقَوْمُ عَادٍ , وَثَمُودٍ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ , وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ.
يَقُولُ: كَذَّبَ كُلُّ هَؤُلَاءِ رُسُلَهُمْ فَقِيلَ: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج: 44] وَلَمْ يَقُلْ: (وَقَوْمُ مُوسَى) ، لِأَنَّ قَوْمَ مُوسَى بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتْ قَدِ اسْتَجَابَتْ لَهُ , وَلَمْ تُكَذِّبْهُ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ , كَمَا وُلِدَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج: 44] يَقُولُ: فَأَمْهَلْتُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ، فَلَمْ أُعَاجِلْهُمْ بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ [الرعد: 32] يَقُولُ: ثُمَّ أَحْلَلْتُ بِهِمُ الْعِقَابَ بَعْدَ الْإِمْلَاءِ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 44] يَقُولُ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ تَغْيِيرِي مَا كَانَ بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ , وَتَنَكُّرِي لَهُمْ عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ
إِلَيْهِمْ، أَلَمْ أُبْدِلْهُمْ بِالْكَثْرَةِ قِلَّةً؟ وَبِالْحَيَاةِ مَوْتًا وَهَلَاكًا؟ وَبِالْعِمَارَةِ خَرَابًا؟ يَقُولُ: فَكَذَلِكَ فِعْلِي بِمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنْ أَمْلَيْتُ لَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، فَإِنِّي مُنْجِزُكَ وَعَدِي فِيهِمْ , كَمَا أَنْجَزْتُ غَيْرَكَ مِنْ رُسُلِي وَعَدِي فِي أُمَمِهِمْ، فَأَهْلَكْنَاهُمْ , وَأَنْجَيْتُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُ أَهْلَهَا وَهُمْ ظَالِمُونَ؛ يَقُولُ: وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ، وَيَعْصُونَ مَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: 45] يَقُولُ: فَبَادَ أَهْلُهَا وَخَلَتْ، وَخَوَتْ مِنْ سُكَّانِهَا، فَخَرِبَتْ وَتَدَاعَتْ، وَتَسَاقَطَتْ عَلَى عُرُوشِهَا؛ يَعْنِي عَلَى بِنَائِهَا وَسُقُوفِهَا
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: 45] قَالَ: " خَوَاؤُهَا: خَرَابُهَا، وَعُرُوشُهَا: سُقُوفُهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿خَاوِيَةٌ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: 45] يَقُولُ تَعَالَى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، وَمِنْ بِئْرٍ عَطَّلْنَاهَا، بِإِفْنَاءِ أَهْلِهَا , وَهَلَاكِ وَارِدِيهَا، فَانْدَفَنَتْ وَتَعَطَّلَتْ، فَلَا وَارِدَةَ لَهَا , وَلَا شَارِبَةَ مِنْهَا , وَمِنْ ﴿قَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] رَفِيعٍ بِالصُّخُورِ وَالْجَصِّ، قَدْ خَلَا مِنْ سُكَّانِهِ، بِمَا أَذَقْنَا أَهْلَهُ مِنْ عَذَابِنَا بِسُوءِ فِعَالِهِمْ، فَبَادُوا
, وَبَقِيَ قُصُورهُمُ الْمُشَيَّدَةُ خَالِيَةً مِنْهُمْ.
وَالْبِئْرُ وَالْقَصْرُ مَخْفُوضَانِ بِالْعَطْفِ عَلَى الْقَرْيَةِ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: هُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى الْعُرُوشِ بِالْعَطْفِ
عَلَيْهَا خَفْضًا، وَإِنْ لَمْ يَحْسُنْ فِيهِمَا، عَلَى أَنَّ الْعُرُوشَ أَعَالِي الْبُيُوتِ , وَالْبِئْرَ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ لَمْ تَخْوِ عَلَى الْقَصْرِ، وَلَكِنَّهُ أَتْبَعَ بَعْضَهُ بَعْضًا , كَمَا قَالَ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ [الواقعة: 23] , فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ، فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَلَهَا بِئْرٌ مُعَطَّلَةٌ , وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْبِئْرِ رَافِعٌ , وَلَا عَامِلَ فِيهَا، أَتْبَعَهَا فِي الْإِعْرَابِ الْعُرُوشَ , وَالْمَعْنَى مَا وَصَفْتُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: " الَّتِي قَدْ تُرِكَتْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا أَهْلَ لَهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «عَطَّلَهَا أَهْلُهَا، تَرَكُوهَا» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ
الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «لَا أَهْلَ لَهَا» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَقَصْرٍ مُجَصَّصٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مَطَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «مُجَصَّصٍ» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ قَالَ: ثني غَالِبُ بْنُ فَائِدٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «مُجَصَّصٍ»
حَدَّثَنِي مَطَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عِكْرِمَةَ فَرَأَى حَائِطَ آجُرٍّ مُصَهْرَجٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا الْمَشِيدُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «الْمُجَصَّصُ» قَالَ عِكْرِمَةُ: «وَالْجَصُّ بِالْمَدِينَةِ يُسَمَّى الْمَشِيدَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «بِالْقِصَّةِ أَوِ الْفِضَّةِ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: " بِالْقِصَّةِ , يَعْنِي: بِالْجَصِّ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ.
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «مُجَصَّصٍ»