وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9] فَقَدْ بَيَّنَا مَعْنَاهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً حَتَّى سَالَ الْوَادِي، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَمَلَئُوا الْأَسْقِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ وَاغْتَسَلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ طَهُورًا، وَثَبَّتَ الْأَقْدَامَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ رَمْلَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ.
فَضَرَبَهَا حَتَّى اشْتَدَّتْ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَسَبَقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ تِلْقَاءَ الْبَحْرِ، فَانْطَلَقُوا.
قَالَ: فَنَزَلُوا عَلَى أَعْلَى الْوَادِي، وَنَزَلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْفَلِهِ.
فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُجْنِبُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَيُصَلِّي جُنُبًا، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرْجُونَ أَنْ تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَحَدُكُمْ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ جُنُبًا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، فَاغْتَسَلُوا وَتَوَضَّئُوا وَشَرِبُوا، وَاشْتَدَّتْ لَهُمُ الْأَرْضُ، وَكَانَتْ بَطْحَاءَ تَدْخُلُ فِيهَا أَرْجُلُهُمْ، فَاشْتَدَّتْ لَهُمْ مِنَ الْمَطَرِ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْمَاءِ فَظَمِئَ الْمُسْلِمُونَ، وَصَلُّوا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ رِمَالٌ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْحُزْنَ، فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّ فِيكُمْ نَبِيًّا وَأَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَقَدْ غُلِبْتُمْ عَلَى الْمَاءِ وَتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَاءً مِنَ السَّمَاءِ، فَسَالَ كُلُّ وَادٍ،
فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا، وَثَبَتَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَذَهَبَتْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] قَالَ: الْمَطَرُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعَاسِ.
﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11] قَالَ: وَسْوَسَتَهُ.
قَالَ: فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارَ، وَالْتَبَدَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَطَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّعَاسِ، طَبَّقَ الْمَطَرُ الْغُبَارَ، وَلَبَّدَ بِهِ الْأَرْضَ، وَطَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَثَبَتَتْ بِهِ الْأَقْدَامُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] قَالَ: الْقَطْرُ ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11] وَسَاوِسَهُ.
أَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارَ، وَلَبَّدَ بِهِ الْأَرْضَ، وَطَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " رِجْزُ الشَّيْطَانِ: وَسْوَسَتُهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] قَالَ: هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْقَطْرَ.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: 11] الَّذِي أَلْقَى فِي قُلُوبِكُمْ لَيْسَ لَكُمْ بِهَؤُلَاءِ
طَاقَةٌ.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " (إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11] إِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِالْمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَغَلَبُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ الظَّمَأُ، وَصَلُّوا مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْحُزْنَ، وَوَسْوَسَ فِيهَا: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ اللَّهِ، وَقَدْ غُلِبْتُمْ عَلَى الْمَاءِ وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ، فَأَمْطَرَ اللَّهُ السَّمَاءَ حَتَّى سَالَ كُلُّ وَادٍ، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَمَلَئُوا أَسْقِيَتَهُمْ وَسَقَوْا دَوَابَّهُمْ وَاغْتَسَلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ، وَثَبَّتَ اللَّهُ بِهِ الْأَقْدَامَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ رَمْلَةٌ لَا تَجُوزُهَا الدَّوَابُّ، وَلَا يَمْشِي فِيهَا الْمَاشِي إِلَّا بِجَهْدٍ، فَضَرَبَهَا اللَّهُ بِالْمَطَرِ حَتَّى اشْتَدَّتْ وَثَبَتَتْ فِيهَا الْأَقْدَامُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " (إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ) : أَيْ: أُنْزِلَتْ عَلَيْكُمُ الْأَمَنَةُ حَتَّى نِمْتُمْ لَا تَخَافُونَ، وَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ الْمَطَرُ الَّذِي أَصَابَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَحُبِسَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَسْبِقُوا إِلَى الْمَاءِ، وَخُلِّيَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ.
﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11] لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ شَكَّ الشَّيْطَانِ بِتَخْوِيفِهِ إِيَّاهُمْ
عَدُوَّهُمْ، وَاسْتِجْلَادِ الْأَرْضِ لَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِهِمُ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ عَدُوُّهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَأْنِ الْجَنَابَةِ وَقِيَامِهِمْ يُصَلُّونَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَقَالَ: (إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) حَتَّى تَشْتَدُّونَ عَلَى الرَّمْلِ، وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْأَرْضِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ مَرَّةً قَرَأَ: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا هِيَ: ﴿وَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطْهِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] "
قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «كَانَ ذَلِكَ طَشًّا يَوْمَ بَدْرٍ» وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْغَرِيبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، أَنَّ مَجَازَ قَوْلِهِ: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11] وَيُفْرِغُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ وَيُنَزِّلُهُ عَلَيْهِمْ، فَيَثْبُتُونَ لِعَدُوِّهِمْ.
وَذَلِكَ قَوْلٌ
خِلَافٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَحَسْبُ قَوْلٍ خَطَأً أَنْ يَكُونَ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَالَهُمْ فِيهِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَلْبِيدِ الْمَطَرِ الرَّمْلَ حَتَّى لَا تَسُوخَ فِيهِ أَقْدَامُهُمْ وَحَوَافِرُ دَوَابِّهِمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: 12] أَنْصُرُكُمْ، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12] يَقُولُ: قَوُّوا عَزْمَهُمْ، وَصَحِّحُوا نِيَّاتَهُمْ فِي قِتَالِ عَدُوِّهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَثْبِيتَ الْمَلَائِكَةِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ حُضُورَهُمْ حَرْبَهُمْ مَعَهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ مَعُونَتَهُمْ إِيَّاهُمْ بِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، وَقِيلَ: كَانَ
ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَلَكَ يَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنَا لَنَنْكَشِفَنَّ، فَيُحَدِّثُ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ، فَتَقْوَى أَنْفُسُهُمْ.
قَالُوا: وَذَلِكَ كَانَ وَحْيَ اللَّهِ إِلَى مَلَائِكَتِهِ.
وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ
بِمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12] أَيْ: فَآزِرُوا الَّذِينَ آمَنُوا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَأُرْعِبُ قُلُوبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْكُمْ، وَأَمْلَؤُهَا فَرَقًا حَتَّى يَنْهَزِمُوا عَنْكُمْ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ:
﴿فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
مَعْنَاهُ: فَاضْرِبُوا الْأَعناقَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ: " ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: اضْرِبُوا الْأَعناقَ "
قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ، إِنَّمَا بُعِثْتُ لِضَرْبِ الْأَعناقِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] يَقُولُ: اضْرِبُوا الرِّقَابَ " وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: رَأَيْتُ نَفْسَ فُلَانٍ، بِمَعْنَى رَأَيْتُهُ، قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَاضْرِبُوا الْأَعناقَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَاضْرِبُوا الرُّءُوسَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ،
عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: الرُّءُوسَ " وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ الَّذِي فَوْقَ الْأَعناقِ الرُّءُوسُ، وَقَالُوا: وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَقُولَ: فَوْقَ الْأَعناقِ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ الْأَعناقَ.
قَالُوا: وَلَوْ جَازَ كَانَ أَنْ يُقَالَ تَحْتَ الْأَعناقِ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ الْأَعناقَ.
قَالُوا: وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ مِنَ الْخَطَّابِ، وَقَلْبُ مَعَانِي الْكَلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَاضْرِبُوا عَلَى الْأَعناقِ.
وَقَالُوا: «عَلَى» و «فَوْقَ» مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَجَازَ أَنْ يُوضَعَ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَلِّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَضَرْبِهِمْ بِالسَّيْفِ أَنْ يَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعناقِ مِنْهُمْ وَالْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ الْأَعناقِ﴾ [الأنفال: 12] مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الرُّءُوسُ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ فَوْقَ جِلْدَةِ الْأَعناقِ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ: عَلَى الْأَعناقِ وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ صَحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ الْأَعناقُ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ، لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نُوَجِّهَهُ إِلَى بَعْضِ مَعَانِيهِ دُونَ بَعْضٍ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، وَلَا حُجَّةَ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِضَرْبِ رُءُوسِ الْمُشْرِكِينَ وَأَعناقِهِمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ أَصْحَابَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعَهُ بَدْرًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَاضْرِبُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَدُوِّكُمْ كُلَّ طَرَفٍ وَمِفْصَلٍ مِنْ أَطْرَافِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ.
وَالْبَنَانُ: جَمْعُ بَنَانَةٍ، وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
أَلَا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنِّي بَنَانَةً ... وَلَاقَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ يَقْظَانَ حَاذِرَا
يَعني بِالْبَنَانَةِ وَاحِدَةَ الْبَنَانِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: كُلَّ مِفْصَلٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: الْمَفَاصِلَ "
قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: كُلَّ مَفْصِلٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: الْأَطْرَافَ، وَيُقَالُ: كُلَّ مَفْصِلٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] يَعْنِي بِالْبَنَانِ الْأَطْرَافَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] قَالَ: الْأَطْرَافُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12] يَعْنِي الْأَطْرَافَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ [البقرة: 61] هَذَا الْفِعْلُ مِنْ ضَرْبِ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ فَوْقَ الْأَعناقِ، وَضَرْبِ كُلِّ بَنَانٍ مِنْهُمْ، جَزَاءٌ لَهُمْ بِشِقَاقِهِمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَعِقَابٌ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى
قَوْلِهِ: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 13] فَارَقُوا أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَصَوْهُمَا، وَأَطَاعُوا أَمْرَ الشَّيْطَانِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 13] وَمَنْ يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، وَفَارَقَ طَاعَتَهُمَا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211] لَهُ، وَشِدَّةُ عِقَابِهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا: إِحْلَالُهُ بِهِ مَا كَانَ يَحِلُّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ النِّقَمِ، وَفِي الْآخِرَةِ الْخُلُودُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
وَحَذَفَ «لَهُ» مِنَ الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْعِقَابُ الَّذِي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ الْمُشَاقُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا، مِنَ الضَّرْبِ فَوْقَ الْأَعناقِ مِنْكُمْ، وَضَرْبِ كُلِّ بَنَانٍ بِأَيْدِي أَوْلِيَائِي الْمُؤْمِنِينَ، فَذُوقُوهُ عَاجِلًا، وَاعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ فِي
الْآجِلِ وَالْمَعَادِ عَذَابَ النَّارِ.
وَلِفَتْحِ «أَنَّ» مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 14] مِنَ الْإِعْرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ، وَالْآخَرُ النَّصْبُ.
فَأَمَّا الرَّفْعُ فَبِمَعْنَى: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ بُنَيَّةِ تَكْرِيرِ «ذَلِكُمْ» ، كَأَنَّهُ قِيلَ: ذَلِكُمُ الْأَمْرُ وَهَذَا.
وَأَمَّا النَّصْبُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ، وَاعْلَمُوا، أَوْ وَأَيْقِنُوا أَنَّ لِلْكَافِرِينَ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ بُنَيَّةِ فَعْلٍ مُضْمَرٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
بِمَعْنَى: وَحَامِلًا رُمْحًا.
وَالْآخَرُ بِمَعْنَى: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ، وَبِأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْبَاءُ فَنُصِبَتْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 15] فِي الْقِتَالِ ﴿زَحْفًا﴾ [الأنفال: 15] يَقُولُ: مُتَزَاحِفًا بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالتَّزَاحُفُ التَّدَانِي وَالتَّقَارُبُ.
﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] يَقُولُ: فَلَا تُوَلُّوهُمْ ظُهُورَكُمْ فَتَنْهَزِمُوا عَنْهُمْ، وَلَكِنِ اثْبُتُوا لَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ عَلَيْهِمْ.
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] يَقُولُ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ مِنْكُمْ ظَهْرَهَ ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: 16] يَقُولُ: إِلَّا مُسْتَطْرِدًا لِقِتَالِ عَدُوِّهِ بِطَلَبِ عَوْرَةٍ لَهُ يُمْكِنُهُ إِصَابَتُهَا فَيَكِرُّ عَلَيْهِ ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] أَوْ إِلَّا أَنْ يُوَلِّيَهُمْ ظَهْرَهُ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَقُولُ: صَائِرًا إِلَى حَيِّزِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَفِيئُونَ بِهِ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ لِقِتَالِهِمْ وَيَرْجِعُونَ بِهِ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ