تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 28-42

سُورَةُ الْمَائِدَةِ

صفحات 28-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «إِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ مَكَّةَ , فَيُقِيمُ الرَّجُلُ بِمَكَانِهِ , حَتَّى إِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ قَلَّدَ نَفْسَهُ وَنَاقَتَهُ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ , فَيَأْمَنُ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: " الْقَلَائِدُ: كَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ لِحَاءَ شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيَتَقَلَّدَهَا , ثُمَّ يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ , فَيَأْمَنُ بِذَلِكَ , فَذَلِكَ الْقَلَائِدُ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] أَنْ يَنْزِعُوا شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيَتَقَلَّدُوهُ كَمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْخُذُونَ مِنْ شَجَرِ مَكَّةَ مِنْ لِحَاءِ السَّمُرِ , فَيَتَقَلَّدُونَهَا , فَيَأْمَنُونَ بِهَا مِنَ النَّاسِ , فَنَهَى اللَّهُ أَنْ يُنْزَعَ شَجَرُهَا فَيُتَقَلَّدَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ , وَعِنْدَهُ رَجُلٌ , فَحَدَّثَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْخُذُونَ مِنْ شَجَرِ مَكَّةَ مِنْ لِحَاءِ السَّمُرِ فَيَتَقَلَّدُونَ , فَيَأْمَنُونَ بِهَا فِي النَّاسِ , فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُنْزَعَ شَجَرُهَا فَيُتَقَلَّدَ» وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] إِذْ كَانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ , وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهَا عَنْ أَوَّلِهِ , وَلَا أَنَّهُ عَنَى بِهَا النَّهْيَ

عَنِ التَّقَلُّدِ أَوِ اتِّخَاذِ الْقَلَائِدَ مِنْ شَيْءٍ؛ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَلَا تُحِلُّوا الْقَلَائِدَ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ أَوْلَى , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ نَهْي مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنِ اسْتِحْلَالِ حُرْمَةِ الْمُقَلَّدِ هَدْيًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ إِنْسَانًا , دُونَ حُرْمَةِ الْقِلَادَةِ؛ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ إِنَّمَا دَلَّ بِتَحْرِيمِهِ حُرْمَةَ الْقِلَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُرْمَةِ الْمُقَلَّدِ , فَاجْتَزَأَ بِذِكْرِهِ الْقَلَائِدَ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَلَّدِ , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِهِ " فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ , وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ , وَلَا الْهَدْيَ , وَلَا الْمُقَلَّدَ بِقِسْمَيْهِ بِقَلَائِدِ الْحَرَمِ " وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي شِعْرِهِ مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ تَأَوَّلَ الْقَلَائِدَ أَنَّهَا قَلَائِدُ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَقَلَّدُونَهُ , فَقَالَ وَهُوَ يَعِيبُ رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلَيْنِ كَانَا تَقَلَّدَا ذَلِكَ: [البحر الطويل] أَلَمْ تَقْتُلَا الْحِرْجَيْنِ إِذْ أَعْوَرَاكُمَا ... يُمِرَّانِ بِالْأَيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا وَالْحِرْجَانِ: الْمَقْتُولَانِ كَذَلِكَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَعْوَرَاكَمَا: أَمْكَنَاكُمَا مِنْ عَوْرَتِهِمَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] وَلَا تُحِلُّوا قَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ الْعَامِدِيَّةَ , تَقُولُ مِنْهُ: أَمَّمْتُ كَذَا: إِذَا قَصَدْتُهُ وَعَمَدْتُهُ , وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَمَمْتُهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ: بَيْتُ اللَّهِ الَّذِي بِمَكَّةَ؛ وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى لِمَ قِيلَ لَهُ الْحَرَامُ.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي: يَلْتَمِسُونَ أَرْبَاحًا فِي تِجَارَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴿وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] يَقُولُ: " وَأَنْ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُمْ بِنُسُكِهِمْ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ يُقَالَ لَهُ الْحُطَمُ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: أَقْبَلَ الْحُطَمُ بْنُ هِنْدٍ الْبَكْرِيُّ , ثُمَّ أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ , حَتَّى أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ , وَخَلَّفَ خَيْلَهُ خَارِجَةً مِنَ الْمَدِينَةِ , فَدَعَاهُ فَقَالَ: إِلَامَ تَدْعُو؟ فَأَخْبَرَهُ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «يَدْخُلُ الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ رَبِيعَةَ , يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ» فَلَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: انْظُرُوا لَعَلِّي أُسْلِمُ , وَلِي مَنْ أُشَاوِرُهُ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ , وَخَرَجَ بِعَقِبِ غَادِرٍ» فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِنْ سَرْحِ الْمَدِينَةِ , فَسَاقَهُ , فَانْطَلَقَ بِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ: [البحر الرجز]

قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلَا غَنَمْ وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ الْوَضَمْ ... بَاتُوا نِيَامًا وَابْنُ هِنْدَ لَمْ يَنَمْ بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزَّلَمِ ... خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ ثُمَّ أَقْبَلَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ حَاجًّا قَدْ قَلَّدَ وَأَهْدَى , فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ

أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ , فَإِنَّهُ صَاحِبُنَا.
قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ قَلَّدَ» قَالُوا: إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كُنَّا نَصْنَعُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَأَبَى عَلَيْهِمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: قَدِمَ الْحَطْمُ أَخُو بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبَكْرِيُّ الْمَدِينَةَ فِي عِيرٍ لَهُ يَحْمِلُ طَعَامًا , فَبَاعَهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَبَايَعَهُ , وَأَسْلَمَ.
فَلَمَّا وَلَّى خَارِجًا نَظَرَ إِلَيْهِ , فَقَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ: «لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِ فَاجِرٍ وَوَلَّى بِقَفَا غَادِرٍ» فَلَمَّا قَدِمَ الْيَمَامَةَ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ , وَخَرَجَ فِي عِيرٍ لَهُ تَحْمِلُ الطَّعَامَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ , يُرِيدُ مَكَّةَ؛ فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لِيَقْتَطِعُوهُ فِي عِيرِهِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , فَانْتَهَى الْقَوْمُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: " يَنْهَى عَنِ الْحُجَّاجِ أَنْ تُقْطَعَ سُبُلُهُمْ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْحُطَمَ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرْتَادَ وَيَنْظُرَ , فَقَالَ: إِنِّي دَاعِيَةُ قَوْمِي , فَاعْرِضْ عَلَيَّ مَا تَقُولُ.
قَالَ لَهُ: «أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ أَنْ تَعْبُدَهُ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا , وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ , وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ , وَتَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ , وَتَحُجَّ الْبَيْتَ» قَالَ الْحُطَمُ: فِي أَمْرِكَ هَذَا غِلْظَةٌ , أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي

فَأَذْكُرُ لَهُمْ مَا ذَكَرْتَ , فَإِنْ قَبِلُوهُ أَقْبَلْتُ مَعَهُمْ , وَإِنْ أَدْبَرُوا كُنْتُ مَعَهُمْ.
قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ» فَلَمَّا خَرَجَ , قَالَ: «لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعَقِبَيْ غَادِرٍ , وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ» فَمَرَّ عَلَى سَرْحٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ , فَانْطَلَقَ بِهِ فَطَلَبَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَفَاتَهُمْ.
وقَدِمَ الْيَمَامَةَ , وَحَضَرَ الْحَجَّ , فَجَهَّزَ خَارِجًا , وَكَانَ عَظِيمَ التِّجَارَةِ , فَاسْتَأْذَنُوا أَنْ يَتَلَقَّوْهُ وَيَأْخُذُوا مَا مَعَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْفَتْحِ جَاءَ نَاسٌ يَأُمُّونَ الْبَيْتَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , يُهِلُّونَ بِعُمْرَةَ , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّمَا هَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ , فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ فَلَنْ نَدَعَهُمْ إِلَّا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ.
فَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] يَقُولُ: «مَنْ تَوَجَّهَ حَاجًّا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ جُوَيْبِرٍ ,

عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي: الْحَاجَّ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ , فَحَدَّثَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْبَيْتَ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مِنْهَا مَنْسُوخًا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُسِخَ جَمِيعُهَا "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ بَيَانٍ , عَنْ عَامِرٍ , قَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْمَائِدَةِ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] نَسَخَتْهَا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنْ بَيَانٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ غَيْرَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , قَالَ: مَنْسُوخٌ.
قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لَا يُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ , فَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ , فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: " نَسَخَتْهَا بَرَاءَةُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ نُهِيَ عَنْهُ , فَتُرِكَ كَمَا هُوَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «هَذَا كُلُّهُ مَنْسُوخٌ , نَسَخَ هَذَا أَمْرُهُ بِجِهَادِهِمْ كَافَّةً» وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ , فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ نُسِخَ مِنَ الْمَائِدَةِ: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] نَسَخَتْهَا بَرَاءَةُ , قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدَيْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَهُوَ الْعَامَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ , فَنَادَى فِيهِ بِالْأَذَانِ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , قَالَ: فَنُسِخَ مِنْهَا

: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] نَسَخَتْهَا بَرَاءَةُ , فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: نَزَلَ فِي شَأْنِ الْحُطَمِ: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ [المائدة: 2] جَمِيعًا , فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَعْرِضُوا لَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 17] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] فَنَفَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , قَالَ: مَنْسُوخٌ , كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ , تَقَلَّدَ مِنَ السَّمُرِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ , وَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلَادَةَ شَعْرٍ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ , وَكَانَ الْمُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لَا يُصَدُّ

عَنِ الْبَيْتِ , وَأُمِرُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَا عِنْدَ الْبَيْتِ , فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] " وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا الْقَلَائِدَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَقَلَّدُونَهَا مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] الْآيَةُ , قَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا كُلُّهُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ , فِعْلُهُ وَإِقَامَتُهُ , فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْإِسْلَامِ , إِلَّا لِحَاءَ الْقَلَائِدِ , فَتُرِكَ ذَلِكَ.
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِخَافَتَهُمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَسَخَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ قِتَالَ أَهْلِ الشِّرْكِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ كُلِّهَا , وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَوْ قَلَّدَ

عُنُقَهُ أَوْ ذِرَاعَيْهِ لِحَاءَ جَمِيعِ أَشْجَارِ الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْقَتْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَقْدُ ذِمَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَانٌ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْقَلَائِدِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] فَإِنَّهُ مُحْتَمَلُ ظَاهِرِهِ: وَلَا تُحِلُّوا حُرْمَةَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْإِسْلَامِ , لِعُمُومِ جَمِيعِ مَنْ أَمَّ الْبَيْتَ.
وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ , فَكَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ دَاخِلِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ , فَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] نَاسِخٌ لَهُ , لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِمْ وَتَرْكِ قَتْلِهِمْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُهُمْ , أَمُّوا الْبَيْتَ الْحَرَامَ أَوِ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا , مَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِهِمْ إِذَا أَمُّوا الْبَيْتَ الْحَرَامَ مَنْسُوخٌ , وَمُحْتَمِلٌ أَيْضًا: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ , وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ , فَهُوَ أَيْضًا لَا شَكَّ مَنْسُوخٌ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ظَاهِرٌ , وَكَانَ مَا كَانَ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ ظَاهِرَ الْحُجَّةِ , فَالْوَاجِبُ وَإِنِ احْتَمَلَ ذَلِكَ مَعْنَى غَيْرِ الَّذِي قَالُوا , التَّسْلِيمُ لِمَا اسْتَفَاضَ بِصِحَّتِهِ نَقْلُهُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ [المائدة: 2] يَطْلُبُونَ وَيَلْتَمِسُونَ.
وَالْفَضْلُ: الْأَرْبَاحُ فِي التِّجَارَةِ؛ وَالرِّضْوَانُ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ , فَلَا يُحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا مَا أَحَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ بِحَجِّهِمْ بَيْتَهُ " وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «هُمُ الْمُشْرِكُونَ يَلْتَمِسُونَ فَضْلَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ فِيمَا يُصْلِحُ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ , فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] وَالْفَضْلُ , وَالرِّضْوَانُ: اللَّذَانِ يَبْتَغُونَ أَنْ يُصْلِحَ مَعَايِشَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَأَنْ لَا يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَتَرَضَّوْنَ اللَّهَ بِحَجِّهِمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ , وَعِنْدَهُ رَجُلٌ , فَحَدَّثَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «التِّجَارَةُ فِي الْحَجِّ , وَالرِّضْوَانُ فِي الْحَجِّ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي أُمَيْمَةَ , قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الرَّجُلِ يَحُجُّ , وَيَحْمِلُ مَعَهُ مَتَاعًا , قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2]

جارٍ التحميل