وَقَوْلُهُ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82] يَقُولُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، فَتَنْجَحُ طَلِبَاتُهُمْ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ إِلَى مَكَّةَ» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَرَادُّكَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجْتَ مِنْهُ، وَهُوَ مَكَّةُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الْعُصْفُرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] قَالَ: إِلَى مَكَّةَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] قَالَ: يَقُولُ: لَرَادُّكَ إِلَى مَكَّةَ، كَمَا أَخْرَجَكَ مِنْهَا "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ ثنا أَبِي، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: " ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] قَالَ: إِلَى مَوْلِدِكَ بِمَكَّةَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] قَالَ: إِلَى مَوْلِدِكَ بِمَكَّةَ "
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] قَالَ: إِلَى مَوْلِدِهِ بِمَكَّةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «إِلَى مَوْلِدِكَ بِمَكَّةَ» . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَرَادُّكَ إِلَى عَادَتِكَ مِنَ الْمَوْتِ، أَوْ إِلَى عَادَتِكَ حَيْثُ وُلِدْتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَادَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَفْعَلُ مِنَ الْعَادَةِ، لَيْسَ مِنَ الْعَوْدِ، إِلَّا أَنْ يُوَجَّهَ مُوَجَّهَ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ﴾ [القصص: 85] لَمُصَيِّرُكَ، فَيَتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] إِلَى مَعْنَى الْعَوْدِ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَمُصَيِّرُكَ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَى مَكَّةَ مَفْتُوحَةً لَكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَذِهِ الْوجُوهُ الَّتِي وَصَفْتَ فِي ذَلِكَ قَدْ فَهِمْنَاهَا، فَمَا وَجْهُ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى: لَرَادُّكَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَجْهُ تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَهُوَ لَمُصَيِّرُكَ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَى الْجَنَّةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَكَانَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: نَحْنُ نُعِيدُكَ إِلَيْهَا؟ قِيلَ: لِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَبُوهُ آدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا أُخْرِجَ مِنْهَا، فَكَأَنَّ وَلَدَهُ بِإِخْرَاجِ اللَّهِ إِيَّاهُ مِنْهَا، قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا، فَمَنْ دَخَلَهَا فَكَأَنَّمَا يُرَدُّ إِلَيْهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رُدَّ إِلَى الْأَرْضِ، فَيُقَالُ لَهُ: {إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ} [القصص: 85] لَمُصَيِّرُكَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجْتَ مِنْهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [القصص: 85] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [القصص: 85] الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ نَجَا، وَمَنْ هُوَ فِي جَوْرٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٍ﴾ [البقرة: 168] يَعْنِي أَنَّهُ يَبِينُ لِلْمُفَكِّرِ الْفَهْمِ إِذَا تَأَمَّلَهُ وَتَدَبَّرَهُ،
أَنَّهُ ضَلَالٌ وَجَوْرٌ عَنِ الْهُدَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: 86] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو يَا مُحَمَّدُ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنُ، فَتَعْلَمَ الْأَنْبَاءَ وَالْأَخْبَارَ عَنِ الْمَاضِينَ قَبْلَكَ وَالْحَادِثَةِ بَعْدَكَ، مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، مِمَّا لَمْ تَشْهَدْهُ
وَلَا تَشْهَدُهُ، ثُمَّ تَتْلُو ذَلِكَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ، إِلَّا أَنَّ رَبَّكَ رَحِمَكَ، فَأَنْزَلَهُ عَلَيْكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 87] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: 86] يَقُولُ: فَاحْمَدْ رَبَّكَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ رَحْمَتِهِ إِيَّاكَ، بِإِنْزَالِهِ عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ، وَلَا تَكُونَنَّ عَوْنًا لِمَنْ كَفَرَ بِرَبِّكَ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَإِنَّ مَعْنَى اللَّامِ: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، فَأَنْزَلَهُ عَلَيْكَ
وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكَ، فَتَكُونَ نَبِيًّا قَبْلَ
ذَلِكَ، لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ، وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ، وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: 87] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَصْرِفُنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِ آيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ بَعْدَ أَنْ أَنْزَلَهَا إِلَيْكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: 48] وَادْعُ إِلَى
رَبِّكَ وَبَلِّغْ رِسَالَتَهُ إِلَى مَنْ أَرْسَلَكَ إِلَيْهِ بِهَا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 14] يَقُولُ: وَلَا تَتْرُكَنَّ الدُّعَاءَ إِلَى رَبِّكَ، وَتَبْلِيغَ الْمُشْرِكِينَ رِسَالَتَهُ، فَتَكُونَ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَ الْمُشْرِكِينَ بِمَعْصِيَتِهِ رَبَّهِ، وَخِلَافِهِ أَمْرَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَعْبُدْ يَا مُحَمَّدُ مَعَ مَعْبُودِكَ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ مَعْبُودًا آخَرَ سِوَاهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا هُوَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَاسْتَشْهَدُوا لِتَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: 62] يَقُولُ: لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَ خَلْقِهِ دُونَ غَيْرِهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرُهُ مَعَهُ فِيهِمْ حُكْمٌ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] يَقُولُ: وَإِلَيْهِ تُرَدُّونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، فَيَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْعَدْلِ، فَيُجَازِي مُؤْمِنِيكُمْ جَزَاءَهُمْ، وَكُفَّارَكُمْ مَا وَعْدَهُمْ.