تفسير الطبري = جامع البيانالْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 150]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَرْضِ إِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَطْرَهُ، وَاتَّ‍خِذُوهُ قِبْلَةً لَكُمْ، كَيْلًا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ سِوَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حُجَّةٌ، وَلِأُتِمَّ بِذَلِكَ مِنْ

هِدَايَتِي لَكُمْ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي جَعَلْتَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ نِعْمَتِي فَأَكْمَلَ لَكُمْ بِهِ فَضْلِي عَلَيْكُمْ، وَأَتْمَمَ بِهِ شَرَائِعَ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي وَصَّيْتُ بِهَا نُوحًا، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَهُمْ

وَذَلِكَ هُوَ نِعْمَتُهُ الَّتِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ مُتِمُّهَا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ

وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150] يَعْنِي: وَكَيْ تَرْشُدُوا لِلصَّوَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ.
﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ [البقرة: 150] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] , ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾

[البقرة: 150]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

[البقرة: 151]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: 151] وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِبَيَانِ شَرَائِعِ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَهْدِيَكُمْ لِدِينِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَجْعَلُ لَكُمْ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَانِي بِهَا وَمَسْأَلَتَهُ الَّتِي سَأَلْنِيهَا فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مَسْلَمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128] كَمَا جَعَلْتُ لَكُمْ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَانِي بِهَا وَمَسْأَلَتَهُ الَّتِي سَأَلْنِيهَا، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129] ، فَابْتَعَثْتُ مِنْكُمْ رَسُولِي الَّذِي سَأَلَنِي إِبْرَاهِيمُ خَلِيلِي وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ أَنْ أَبْعَثَهُ مِنْ ذُرِّيتِهِمَا.
فَـ «كَمَا» إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ صِلَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150] وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ

} [البقرة: 151] مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَاذْكُرُونِي كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ أَذْكُرْكُمْ.
وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، فَأَغْرَقُوا النَّزْعَ، وَبَعُدُوا مِنَ الْإِصَابَةِ، وَحَمَلُوا الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ وَسَوِيِّ وَجْهِهِ الْمَفْهُومِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْجَارِيَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ الْمَفْهُومِ فِي خِطَابِهِمْ بَيْنَهُمْ إِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «كَمَا أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ يَا فُلَانُ فَأَحْسِنْ» أَنْ لَا يَشْتَرِطُوا لِلْآخَرَ، لِأَنَّ الْكَافَ فِي «كَمَا» شَرْطٌ مَعْنَاهُ: افْعَلْ كَمَا فَعَلْتُ، فَفِي مَجِيءِ جَوَابِ: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: 152] بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [البقرة: 151] مِنْ صِلَةِ الْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ مِنْ سَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ [البقرة: 151] بِمَعْزَلٍ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: 152] إِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ [البقرة: 151] جَوَابًا لَهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] نَظِيرَ الْجَزَاءِ الَّذِي يُجَابُ بِجَوَابَيْنِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِذَا أَتَاكَ فُلَانٌ فَأْتِهِ تَرْضَهُ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ «فَأْتِهِ» وَ «تَرْضَهَ» جَوَابَيْنِ لِقَوْلِهِ: إِذَا أَتَاكَ، وَكَقَوْلِهِ: إِنْ تَأْتِنِي أُحْسِنْ إِلَيْكَ أُكْرِمْكَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ، فَلَيْسَ بِالْأَسْهَلِ الْأَفْصَحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنَ اللُّغَاتِ الْأَفْصَحِ الْأَعْرَفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ دُونَ الْأَنْكَرِ الْأَجْهَلِ مِنْ مَنْطِقِهَا هَذَا مَعَ بُعْدِ وَجْهِهِ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل