وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: الْمُسْتَطْعِمِينَ الطَّالِبِينَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ «إِنَّمَا ذَلِكَ فِي قِتَالِ عِمِّيَّةٍ إِذَا أُصِيبَ مِنْ هَؤُلَاءِ عَبْدٌ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ عَبْدٌ تَكَافَأَ، وَفِي الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ، وَفِي الْحُرَّيْنِ كَذَلِكَ، هَذَا مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ " دَخَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ «وَقَالَ عَطَاءٌ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي فَرِيقَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بِأَنْ يَجْعَلَ دِيَاتِ النِّسَاءِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ قِصَاصًا بِدِيَاتِ النِّسَاءِ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَدِيَاتِ الرِّجَالِ بِالرِّجَالِ، وَدِيَاتِ الْعَبِيدِ بِالْعَبِيدِ؛ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ «اقْتَتَلَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ مُعَاهَدٌ فِي بَعْضِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ مِنَ الْأَمْرِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانُوا قَتَلُوا الْأَحْرَارَ، وَالْعَبِيدَ، وَالنِّسَاءَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحُرُّ دِيَةَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدُ دِيَةَ الْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى دِيَةَ الْأُنْثَى، فَقَاصَّهُمْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ " كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ قِتَالٌ، كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ الطَّوْلُ، فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْفَضْلَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُرَّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ «نَزَلَتْ فِي قِتَالِ عِمِّيَّةٍ» قَالَ شُعْبَةُ: كَأَنَّهُ فِي صُلْحٍ قَالَ: اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ " نَزَلَتْ فِي قِتَالِ عِمِّيَّةٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمُقَاصَّةِ دِيَةِ الْحُرِّ، وَدِيَةِ الْعَبْدِ، وَدِيَةِ الذَّكَرِ، وَدِيَةِ الْأُنْثَى فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إِنِ اقْتُصَّ لِلْقَتِيلِ مِنَ الْقَاتِلِ، وَالتَّرَاجُعِ بِالْفَضْلِ وَالزِّيَادَةِ بَيْنَ دِيَتَيِ الْقَتِيلِ وَالْمُقْتَصِّ مِنْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ , حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] قَالَ: حُدِّثْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَيُّمَا حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا فَهُوَ قَوَدٌ بِهِ، فَإِنْ شَاءَ مَوَالِي الْعَبْدِ أَنْ يَقْتُلُوا الْحُرَّ قَتَلُوهُ، وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْدِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ، وَأَدُّوا إِلَى أَوْلِيَاءِ الْحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ.
وَإِنَّ عَبْدٌ قَتَلَ حُرًّا فَهُوَ بِهِ قَوَدٌ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ قَتَلُوا الْعَبْدَ وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْدِ وَأَخَذُوا بَقِيَّةَ دِيَةِ الْحُرِّ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ كُلَّهَا وَاسْتَحْيُوا الْعَبْدَ.
وَأَيُّ حُرٍّ قَتَلَ امْرَأَةً فَهُوَ بِهَا قَوَدٌ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ قَتَلُوهُ وَأَدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْحُرِّ.
وَإِنِ امْرَأَةٌ قَتَلَتْ حُرًّا فَهِيَ بِهِ قَوَدٌ، فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْحُرِّ قَتَلَوهَا وَأَخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ كُلَّهَا وَاسْتَحْيَوْهَا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ «فِي رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأَتَهُ، قَالَ» إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ وَغَرِمُوا نِصْفَ الدِّيَةِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَا «لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ حَتَّى يُعْطُوا نِصْفَ الدِّيَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ فِي رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأَتَهُ عَمْدًا، فَأَتَوْا بِهِ عَلِيًّا، فَقَالَ «إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَرُدُّوا فَضْلَ دِيَةِ الرَّجُلِ عَلَى دِيَةِ الْمَرْأَةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَالِ مَا نَزَلَتْ وَالْقَوْمُ لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ حَتَّى سَوَّى اللَّهُ بَيْنَ حُكْمِ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فَجَعَلَ جَمِيعَهُمْ قَوَدَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّفْسُ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، رِجَالُهُمْ، وَنِسَاؤُهُمْ " فَإِذْ كَانَ مُخْتَلِفًا الِاخْتِلَافَ الَّذِي وَصَفْتُ فِيمَا نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحُكْمِ بِالْخَبَرِ الْقَاطِعِ الْعُذْرِ.
وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّقْلِ الْعَامِّ أَنَّ نَفْسَ الرَّجُلِ الْحُرِّ قَوَدٌ قِصَاصًا
بِنَفْسِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ، فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الْأَمَةُ مُخْتَلِفَةً فِي التَّرَاجُعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَكَانَ وَاضِحًا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ وَالتَّرَاجُعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُتْلِفَ مِنْ جَسَدِهِ عُضْوًا بِعُوضٍ يَأْخُذُهُ عَلَى إِتْلَافِهِ فَدَعْ جَمِيعَهُ، وَعَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى غَيْرِهِ إِتْلَافُ شَيْءٍ مِنْهُ مِثْلِ الَّذِي حُرِّمَ مِنْ ذَلِكَ بِعُوضٍ يُعْطِيهُ عَلَيْهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الرَّجُلِ الْحُرِّ بِنَفْسِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ قَوَدًا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيَّنَّا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] أَنْ لَا يُقَادَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَأَنْ لَا تُقْتَلُ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، وَلَا الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْآيَةَ مَعْنِيُّ بِهَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرِينَ: إِمَّا قَوْلُنَا مِنْ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِالْقِصَاصِ إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ وَالْجَانِي، فَيُؤْخَذُ بِالْأُنْثَى الذَّكَرُ، وَبِالْعَبْدِ الْحُرُّ.
وَإِمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ خَاصَّةً أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ دِيَاتِ قَتْلَاهُمْ قِصَاصًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، كَمَا قَالَهُ السُّدِّيُّ وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُقَاصَّةَ فِي الْحُقُوقِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ فِي ذَلِكَ قَضَاءً ثُمَّ نَسَخَهُ، وَإِذَا كَانَ
كَذَلِكَ، وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُ فَرْضٌ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْقَوْلَ خِلَافُ مَا قَالَهُ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، لِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى أَهْلِ الْحُقُوقِ أَنْ يَفْعَلُوهَ فَلَا خِيَارَ لَهُمْ فِيهِ، وَالْجَمِيعُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ لِأَهْلِ الْحُقُوقِ الْخِيَارَ فِي مُقَاصَّتِهِمْ حُقُوقَهُمْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِذْ ذَكَرْتَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] بِمَعْنَى: فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ: لَا يُعْرَفُ لِقَوْلِ الْقَائِلِ «كُتِبَ» مَعْنًى إِلَّا مَعْنَى خُطَّ ذَلِكَ فَرَسَمَ خَطًّا وَكِتَابًا، فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ «كُتِبَ» فَرْضٌ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ، وَفِي أَشْعَارِهِمْ مُسْتَفِيضٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الخفيف]
كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الْمُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَقَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: [البحر البسيط]
يَا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللَّهِ أَخْرَجَنِي ... عَنْكُمْ فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللَّهَ مَا فَعَلَا
وَذَلِكَ أَكْثَرُ فِي أَشْعَارِهِمْ وَكَلَامِهِمْ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى فُرِضَ، فَإِنَّهُ عِنْدِي مَأْخُوذٌ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ رَسْمٌ وَخَطٌّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَتَبَ جَمِيعَ مَا فُرِضَ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا هُمْ عَامِلُوهُ
فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 22] وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77] فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا فَرَضَهُ عَلَيْنَا فَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَكْتُوبٌ، فَمَعْنَى قَوْلِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى فَرْضًا أَنْ لَا تَقْتُلُوا بِالْمَقْتُولِ غَيْرَ قَاتِلِهِ.
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَاصَصْتُ فُلَانًا حَقِّي قِبَلَهُ مِنْ حَقِّهِ قِبَلِي قِصَاصًا، وَمُقَاصَّةً، فَقَتْلُ الْقَاتِلِ بِالَّذِي قَتَلَهُ قِصَاصٌ، لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُ الَّذِي فَعَلَ بِمَنْ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ عُدْوَانًا وَالْآخَرُ حَقًّا فَهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ صَاحِبُهُ بِهِ، وَجَعَلَ فِعْلَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ إِذَا قَتَلَ قَاتِلَ وَلِيِّهِ قِصَاصًا، إِذْ كَانَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ اسْتَحَقَّ قَتْلَ مَنْ قَتَلَهُ، فَكَأَنَّ وَلِيَّهُ الْمَقْتُولَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ قَتْلَ قَاتِلِهِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْقَتْلَى فَإِنَّهَا جَمْعُ قَتِيلٍ، كَمَا الصَّرْعَى جَمْعُ صَرِيعٍ، وَالْجَرْحَى جَمْعُ جَرِيحٍ.
وَإِنَّمَا يُجْمَعُ الْفَعِيلُ عَلَى الْفَعْلَى، إِذَا كَانَ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ بِهِ بِمَعْنَى الزَّمَانَةِ، وَالضَّرَرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ صَاحِبُهُ عَلَى الْبَرَاحِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَمَصْرَعِهِ، نَحْوَ الْقَتْلَى فِي
مَعَارِكِهِمْ، وَالصَّرْعَى فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَالْجَرْحَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: فَرْضٌ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى أَنْ يَقْتَصَّ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى.
ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ أَنْ يَقْتَصَّ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنَ الْقَتْلِ ظُلْمًا مِنَ الْوَاجِبِ كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْقِصَاصِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
فَاتِّبَاعٌ مِنَ الْعَافِي لِلْقَاتِلِ بِالْوَاجِبِ لَهُ قِبَلَهُ مِنَ الدِّيَةِ وَأَدَاءٌ مِنَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولَابِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] «فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَطْلُبَ هَذَا بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّي هَذَا بِإِحْسَانٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] فَقَالَ " هُوَ الْعَمْدُ يَرْضَى أَهْلُهُ بِالدِّيَةِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] أَمَرَ بِهِ الطَّالِبَ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] مِنَ الْمَطْلُوبِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا أَبِي، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «الَّذِي يَقْبَلُ الدِّيَةَ ذَلِكَ مِنْهُ عَفُوٌّ، وَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ الَّذِي عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ بِإِحْسَانٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وَهِيَ الدِّيَةُ أَنْ يُحْسِنَ الطَّالِبُ الطَّلَبَ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وَهُوَ أَنْ يُحْسِنَ الْمَطْلُوبُ الْأَدَاءَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ
أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وَالْعَفْوُ الَّذِي يَعْفُو عَنِ الدَّمِ، وَيَأْخُذُ الدِّيَةَ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] قَالَ: الدِّيَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قَالَ عَلَى هَذَا الطَّالِبِ أَنْ يَطْلُبَ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] وَالْعَفُوُّ: الَّذِي يَعْفُو عَنِ الدَّمِ، وَيَأْخُذُ الدِّيَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قَالَ «هُوَ الْعَمْدُ يَرْضَى أَهْلُهُ بِالدِّيَةِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] يَقُولُ " قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ، وَقُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ، يَقُولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] فَأَمَرَ الْمُتَّبِعَ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمُؤَدِّيَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ وَالْعَمْدُ قَوَدٌ إِلَيْهِ قِصَاصٌ، لَا عَقْلَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ، فَإِنْ رَضُوا بِالدِّيَةِ فَمِائَةُ خَلِفَةٍ، فَإِنْ قَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِكَذَا وَكَذَا؛ فَذَاكَ لَهُمْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قَالَ «يَتَّبِعُ بِهِ الطَّالِبُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُؤَدِّي الْمَطْلُوبَ بِإِحْسَانٍ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] يَقُولُ " فَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ، يَقُولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] أَمَرَ صَاحِبَ الدِّيَةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَرَ الْمُؤَدِّيَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلِهِ " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قَالَ: ذَلِكَ إِذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَهُوَ عَفْوٌ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ " إِذَا قِبَلَ الدِّيَةَ فَقَدْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الْأَعْرَجُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِيهِ «فَإِذَا قَبِلَ الدِّيَةَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَى الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ أَنْ يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: ثنا أَبُو عَقِيلٍ؛ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ، «أَخْذُ الدِّيَةِ عَفْوٌ حَسَنٌ»
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، " ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قَالَ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمَعْفُوُّ عَنْهُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وَهُوَ الدِّيَةُ أَنْ يُحْسِنَ الطَّالِبُ، وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ: هُوَ أَنْ يُحْسِنَ الْمَطْلُوبُ الْأَدَاءَ " وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ [البقرة: 178] فَمَنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ.
وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] مِنْ دِيَةِ أَخِيهِ شَيْءٌ، أَوْ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ فَاتِّبَاعٌ مِنْهُ الْقَاتِلَ أَوِ الْجَارِحَ الَّذِي بَقِيَ ذَلِكَ قِبَلَهُ بِمَعْرُوفٍ وَأَدَاءٌ مِنَ الْقَاتِلِ أَوِ الْجَارِحِ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ قِبَلَهُ هُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ، أَعِنِّي قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] فِي الَّذِينَ تَحَارَبُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَيُقَاصُّ دِيَاتِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَرُدُّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِفَضْلٍ إِنْ بَقِيَ لَهُمْ قِبَلَ الْآخَرِينَ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْعَفْوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الْكَثْرَةِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: 95] فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ: فَمَنْ كَثُرَ لَهُ قِبَلَ أَخِيهِ الْقَاتِلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] يَقُولُ «بَقِيَ لَهُ مِنْ دِيَةِ أَخِيهِ شَيْءٌ أَوْ مِنْ أَرْشِ جِرَاحَتِهِ، فَلْيَتَّبِعْ بِمَعْرُوفٍ وَلْيُؤَدِ الْآخَرَ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ» وَالْوَاجِبُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] أَنَّهُ بِمَعْنَى مُقَاصَّةِ دِيَةِ النَّفْسِ الذَّكَرِ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ الْأُنْثَى، وَالْعَبْدُ مِنَ الْحُرِّ، وَالتَّرَاجُعِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ دِيَتَيْ أَنْفُسِهِمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ الْوَاجِبِ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصِ دِيَةِ أَحَدِهِمَا بِدِيَةِ نَفْسِ الْآخَرِ إِلَى الرِّضَا بِدِيَةِ نَفْسِ الْمَقْتُولِ، فَاتِّبَاعٌ مِنَ الْوَلِيِّ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَدَاءٌ مِنَ الْقَاتِلِ إِلَيْهِ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] فَمَنْ صُفِحَ لَهُ مِنَ الْوَاجِبِ كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوَدِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى دِيَةٍ