تفسير الطبري = جامع البيانوَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148] فَإِنَّهُ يَعْنِي: هُوَ مُوَلٍّ وَجْهَهُ إِلَيْهَا مُسْتَقْبِلُهَا

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148] فَإِنَّهُ يَعْنِي: هُوَ مُوَلٍّ وَجْهَهُ إِلَيْهَا مُسْتَقْبِلُهَا

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148] قَالَ: هُوَ مُسْتَقْبِلُهَا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ هَا هُنَا الْإِقْبَالُ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: انْصَرَفَ إِلَيَّ، بِمَعْنَى أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَالِانْصِرَافُ الْمُسْتَعْمَلُ إِنَّمَا هُوَ الِانْصِرَافُ عَنِ الشَّيْءِ، ثُمَّ يُقَالَ: انْصَرَفَ إِلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُنْصَرِفًا عَنْ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالَ: وَلَّيْتُ عَنْهُ: إِذَا

أَدْبَرْتَ عَنْهُ، ثُمَّ يُقَالَ: وَلَّيْتُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ مُوَلِّيًا عَنْ غَيْرِهِ.
وَالْفِعْلُ، أَعِنِّي التَّوْلِيَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148] لِلْكُلِّ «وَ» هُوَ «الَّتِي مَعَ» مُوَلِّيهَا «هُوَ» الْكَلُّ «وَحُدَّتْ لِلْفَظِ» الْكُلِّ ". فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ، الْكُلُّ مِنْهُمْ مُوَلُّوهَا وُجُوهَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَرَءُوا: «هُوَ مُوَلَّاهَا» بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوَجَّهٌ نَحْوَهَا وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُسَمًّى فَاعِلُهُ، وَلَوْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ لَكَانَ الْكَلَامُ: وَلِكُلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهَةٌ اللَّهُ مُوَلِّيِهِ إِيَّاهَا، بِمَعْنَى مُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضُهُمِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ» بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ.
وَذَلِكَ لَحْنٌ، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ الْخَبَرُ غَيْرَ تَامٍّ، وَكَانَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.

وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148] بِمَعْنَى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ وَقِبْلَةٌ ذَلِكَ الْكَلُّ مُوَلٍّ وَجْهَهُ نَحْوَهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَتَصْوِيبِهَا إِيَّاهَا، وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَمَا جَاءَ بِهِ النَّقْلُ مُسْتَفِيضًا فَحُجَّةٌ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ فَغَيْرُ جَائِزِ الِاعْتِرَاضِ بِهِ عَلَى الْحُجَّةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [البقرة: 148] فَبَادِرُوا وَسَارِعُوا مِنَ «الِاسْتِبَاقِ» ، وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ وَالْإِسْرَاعِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] يَعْنِي فَسَارِعُوا فِي الْخَيْرَاتِ " وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] أَيْ قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْحَقَّ وَهَدَيْتُكُمُ لِلْقِبْلَةِ الَّتِي ضَلَّتْ عَنْهَا الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ غَيْرُكُمْ، فَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ شُكْرًا لِرَبِّكُمْ، وَتَزَوَّدُوا فِي دُنْيَاكُمْ لِأُخَرَاكُمْ، فَإِنِّي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ سَبِيلَ النَّجَاةِ فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي التَّفْرِيطِ، وَحَافِظُوا عَلَى قِبْلَتِكُمْ، وَلَا تُضَيِّعُوهَا كَمَا ضَيَّعَهَا الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فَتَضِلُّوا كَمَا ضَلَّتْ

كَالَّذِي حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] يَقُولُ: لَا تُغْلَبُنَّ عَلَى قِبْلَتِكُمْ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ " ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ تَهْلَكُونَ فِيهِ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[البقرة: 20]

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ " يَقُولُ: «أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَإِنَّمَا حَضَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَالتَّزَوُّدِ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: " اسْتَبِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَلُزُومِ مَا هَدَاكُمْ لَهُ مِنْ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَأْتِي بِكُمْ وَبِمَنْ خَالَفَ قَبْلَكُمْ وَدِينَكُمْ

وَشَرِيعَتَكُمْ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حَيْثِ كُنْتُمْ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، حَتَّى يُوَفَّى الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ جَزَاءَهُ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ عِقَابَهُ بِإِسَاءَتِهِ، أَوْ يَتَفَضَّلُ فَيُصْفِحُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148] فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جَمْعِكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشَاءُ قَدِيرٌ، فَبَادِرُوا خُرُوجَ أَنْفُسِكُمْ بِالصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ لِيَوْمِ بَعْثِكُمْ وَحَشْرِكُمْ

جارٍ التحميل