تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 156-168

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَقُولُ: وَلَكُمْ يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاشٌ تَمْتَهِدُونَهُ

صفحات 156-168
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] : «وَهُوَ الْوَدَكُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] " الَّذِي حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالَ: كَانُوا إِذَا حَجُّوا أَوِ اعْتَمَرُوا حَرَّمُوا الشَّاةَ عَلَيْهِمْ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا "

وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ مَرَّةً أُخْرَى قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 32] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: " كَانَ قَوْمٌ يُحَرِّمُونَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّاةِ لَبَنُهَا وَسَمْنُهَا وَلَحْمُهَا، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، قَالَ: وَالزِّينَةُ مِنَ الثِّيَابِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّدًا فَقَالَ: هَذَا نَبِيِّي هَذَا خِيَارِي، اسْتَنُّوا بِهِ خُذُوا فِي سُنَّتِهِ وَسَبِيلِهِ، لَمْ تُغْلَقْ دُونَهُ الْأَبْوَابُ، وَلَمْ تُقَمْ دُونَهُ الْحُجُبُ، وَلَمْ يُغْدَ عَلَيْهِ بِالْجِفَانِ وَلَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ بِهَا.
وَكَانَ يَجْلِسُ بِالْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ طَعَامَهُ بِالْأَرْضِ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ، وَيَلْبَسُ الْغَلِيظَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ عَبْدَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا أَكْثَرَ الرَّاغِبِينَ عَنْ سُنَّتِهِ

التَّارِكِينَ لَهَا، ثَمَّ عُلُوجًا فُسَّاقًا، أَكَلَةُ الرِّبَا وَالْغُلُولِ، قَدْ سَفَّهَهُمْ رَبِّي وَمَقَّتَهُمْ، زَعَمُوا أَنْ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا وَزَخْرَفُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ، يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ لِأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، قَدْ جَعَلَهَا مُلَاعِبٌ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ مِنْ كَلَامٍ لَمْ يَحْفَظْهُ سُفْيَانُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، " وَهُوَ مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ: الْبَحِيرَةُ، وَالسَّائِبَةُ، وَالْوَصِيلَةُ، وَالْحَامُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، قَالَ: " إِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ أَحَلَّهَا اللَّهُ مِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: 59] وَهُوَ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ أَنْ تَقُولَ لَهُمْ: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، إِذْ عَيُوا بِالْجَوَابِ فَلَمْ

يَدْرُوا مَا يُجِيبُونَكَ: زِينَةُ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَطَيِّبَاتُ رِزْقِهِ، لِلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ شَرَكَهُمْ فِي ذَلِكَ فِيهَا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَهِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَشْرِكُهُمْ فِي ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَفَرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة: الأعراف، آية رقم: 32] يَقُولُ: «شَارَكَ الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ فِي الطَّيِّبَاتِ، فَأَكَلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ طَعَامِهَا، وَلَبِسُوا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِهَا، وَنَكَحُوا مِنْ صَالِحِ نِسَائِهَا، وَخَلَصُوا بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

وَحَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى مَرَّةً أُخْرَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 32] يَعْنِي: «يُشَارِكُ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فِي الطَّيِّبَاتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَخْلُصُ اللَّهُ الطَّيِّبَاتِ فِي الْآخِرَةِ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَلَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِيهَا شَيْءٌ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] ، يَقُولُ: «قُلْ هِيَ فِي الْآخِرَةِ خَالِصَةً لِمَنْ آمَنَ بِي فِي الدُّنْيَا، لَا يشْرِكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الزِّينَةَ فِي الدُّنْيَا لِكُلِّ بَنِي آدَمَ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ خَالِصَةً لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْآخِرَةِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] قَالَ: «الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَشْرِكُونَكُمْ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة: الأعراف، آية رقم: 32] : «خَالِصَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا الْكُفَّارُ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ شَارَكُوهُمْ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة: الأعراف، آية رقم: 32] : «مَنْ عَمِلَ بِالْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا خَلَصَتْ لَهُ كَرَامَةُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ فِي الدُّنْيَا قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ لَا عُذْرَ لَهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 32] : " يَشْتَرِكُ فِيهَا مَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] : لِلَّذِينَ آمَنُوا "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] ، يَقُولُ: «الْمُشْرِكُونَ يُشَارِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْلُصُ اللِّبَاسُ وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «الدُّنْيَا يُصِيبُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَيَخْلُصُ خَيْرُ الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ فِيهَا نَصِيبٌ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32] قَالَ: «هَذِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلَّذِينَ آمَنُوا، لَا يَشْرِكُهُمْ فِيهَا أَهْلُ الْكُفْرِ وَيَشْرِكُونَهُمْ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي ذَلِكَ

بِمَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، وَحَيْوِيَةُ الرَّازِيُّ أَبُو يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ

آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] ، قَالَ: «يَنْتَفِعُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَتْبَعُهُمْ إِثْمُهَا» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (خَالِصَةً) ، فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (خَالِصَةٌ) بِرَفْعِهَا، بِمَعْنَى: قُلْ هِيَ خَالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
وَقَرَأَهُ سَائِرُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿خَالِصَةً﴾ [الأعراف: 32] بِنَصْبِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ لَهُمْ، وَقَدْ تُرِكَ ذِكْرُهَا مِنَ الْكَلَامِ اكْتِفَاءً مِنْهَا بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهَا، عَلَى مَا قَدْ وَصَفْتُ فِي تَأْوِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مُشْتَرَكَةٌ، وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ خَالِصَةٌ.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ جَعَلَ خَبَرَ (هِيَ) فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأعراف: 32] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ نَصْبًا، لِإِيثَارِ الْعَرَبِ النَّصْبَ فِي الْفِعْلِ إِذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَإِنْ كَانَ الرَّفْعُ جَائِزًا، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا بَيَّنْتُ لَكُمُ الْوَاجِبَ عَلَيْكُمْ فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ وَالْحَلَالِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْحَرَامِ مِنْهَا، وَمَيَّزْتُ بَيْنَ ذَلِكَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، كَذَلِكَ أُبَيِّنُ جَمِيعَ أَدِلَّتِي وَحُجَجِي وَأَعْلَامِ حَلَالِي وَحَرَامِي وَأَحْكَامِي لِقَوْمٍ

يَعْلَمُونَ مَا يُبَيَّنُ لَهُمْ وَيَفْقَهُونَ مَا يُمَيَّزُ لَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَجَرَّدُونَ مِنْ ثِيَابِهِمْ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَيُحَرِّمُونَ أَكْلَ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، أَيُّهَا الْقَوْمُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ مَا تُحَرِّمُونَهُ، بَلْ أَحَلَّ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَيَّبَهُ لَهُمْ.
وَإِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْقَبَائِحَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَهِيَ الْفَوَاحِشُ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا فَكَانَ عَلَانِيَةً، وَمَا بَطَنَ مِنْهَا فَكَانَ سِرًّا فِي خَفَاءٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33] ، قَالَ: " مَا ظَهَرَ مِنْهَا طَوَافُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا " وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالرِّوَايَاتِ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْتُ إِعَادَتَهُ.
وَأَمَّا الْإِثْمُ: فَإِنَّهُ الْمَعْصِيَةُ.
وَالْبَغْي: الِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَعَ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ عَلَى النَّاسِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف: 33] " أَمَّا الْإِثْمُ: فَالْمَعْصِيَةُ، وَالْبَغْي: أَنْ يَبْغِيَ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ "

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف: 33] قَالَ: «نَهَى عَنِ الْإِثْمِ وَهِيَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْبَاغِيَ بَغْيُهُ كَائِنٌ عَلَى نَفْسِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ وَالشِّرْكَ بِهِ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151] يَقُولُ: حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ شِرْكًا لِشَيْءٍ

لَمْ يَجْعَلْ لَكُمْ فِي إِشْرَاكِكُمْ إِيَّاهُ فِي عِبَادَتِهِ حُجَّةً وَلَا بُرْهَانًا، وَهُوَ السُّلْطَانُ.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169] يَقُولُ: وَأَنْ تَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالتَّعَرِّي وَالتَّجَرُّدِ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلَ هَذِهِ الْأَنْعَامِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوهَا وَسَيَّبْتُمُوهَا وَجَعَلْتُمُوهَا وَصَائِلَ وَحَوَامِيَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ أَبَاحَهُ، فَتُضِيفُوا إِلَى اللَّهِ تَحْرِيمَهُ وَحَظْرَهُ وَالْأَمْرَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ دُونَ مَا تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ أَوْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِهِ جَهْلًا مِنْكُمْ بِحَقِيقَةِ مَا تَقُولُونَ وَتُضِيفُونَهُ إِلَى اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُهَدِّدًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، وَوَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ عَلَى كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ بِهِ وَالْمُقَامِ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَمُذَكِّرًا لَهُمْ مَا أَحَلَّ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: 34] يَقُولُ: وَلِكُلِّ جَمَاعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ وَرَدِّ نَصَائِحِهِمْ، وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ مَعَ مُتَابَعَةِ رَبِّهِمْ حُجَجَهُ عَلَيْهِمْ، أَجَلٌ، يَعْنِي: وَقْتٌ لِحُلُولِ الْعُقُوبَاتِ بِسَاحَتِهِمْ، وَنُزُولِ الْمَثُلَاتِ بِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 34] يَقُولُ: فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي وَقَّتَهُ اللَّهُ لِهَلَاكِهِمْ وَحُلُولِ الْعِقَابِ بِهِمْ ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونُ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] يَقُولُ: لَا يَتَأَخَّرُونَ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَتَمَتَّعُونَ بِالْحَيَاةِ فِيهَا عَنْ وَقْتِ هَلَاكِهِمْ وَحِينِ حُلُولِ أَجَلِ فَنَائِهِمْ سَاعَةً مِنْ سَاعَاتِ الزَّمَانِ.
﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] يَقُولُ: وَلَا يَتَقَدَّمُونَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ وَقْتًا لِلْهَلَاكِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَرِّفًا خَلْقَهُ مَا أَعَدَّ لِحِزْبِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَا أَعَدَّ لِحِزْبِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ وَالْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: 35] يَقُولُ: إِنْ يَجِئْكُمْ رُسُلِي الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ بِدُعَائِكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِي وَنَهْيِي، ﴿مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 65] يَعْنِي: مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَمِنْ عَشَائِرِكُمْ وَقَبَائِلِكُمْ.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: 130] يَقُولُ: يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ كِتَابِي،

وَيُعَرِّفُونَكُمْ أَدِلَّتِي وَأَعْلَامِي عَلَى صِدْقِ مَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، وَحَقِيقَةِ مَا دَعَوْكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِي.
﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [الأعراف: 35] يَقُولُ: فَمَنْ آمَنَ مِنْكُمْ بِمَا أَتَاهُ بِهِ رُسُلِي مِمَّا قَصَّ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِي وَصَدَّقَ وَاتَّقَى اللَّهَ، فَخَافَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
﴿وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: 39] يَقُولُ: وَأَصْلَحَ أَعْمَالَهُ الَّتِي كَانَ لَهَا مُفْسِدًا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِالتَّحَوُّبِ مِنْهَا.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] يَقُولُ: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِذَا وَرَدُوا عَلَيْهِ.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ دُنْيَاهُمُ الَّتِي تَرَكُوهَا، وَشَهَوَاتِهُمُ الَّتِي تَجَنَّبُوهَا، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهَا إِذَا عَايَنُوا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا عَايَنُوا هُنَالِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا هَيَّاجٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي سَيَّارٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ فِي كَفِّهِ، فَقَالَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35] ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الرُّسُلِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 52] ، ثُمَّ بَثَّهُمْ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا جَوَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: 35] ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ: الْجَوَابِ مُضْمَرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [الأعراف: 35] ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [الأعراف: 35] كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَطِيعُوهُمْ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ: الْجَوَابُ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ [الأعراف: 35] ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنِ اتَّقَى مِنْكُمْ وَأَصْلَحَ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبْعِيضُهُ الْكَلَامَ، فَكَانَ فِي التَّبْعِيضِ اكْتِفَاءٌ مِنْ ذِكْرِ (مِنْكُمْ)

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: 36] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَمَّا مَنْ كَذَّبَ بِأَنْبَاءِ رُسُلِي الَّتِي أَرْسَلْتُهَا إِلَيْهِ، وَجَحَدَ تَوْحِيدِي، وَكَفَرَ بِمَا جَاءَ بِهِ رُسُلِي، وَاسْتَكْبَرَ عَنْ تَصْدِيقِ حُجَجِي وَأَدِلَّتِي، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81] ، يَقُولُ: هُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مَاكِثُونَ، لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا أَبَدًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَنْ أَخْطَأُ فِعْلًا،

وَأَجْهَلُ قَوْلًا، وَأَبْعَدُ ذِهَابًا عَنِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 21] يَقُولُ: مِمَّنِ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ زُورًا مِنَ الْقَوْلِ، فَقَالَ إِذَا فَعَلَ فَاحِشَةً: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِهَا.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام: 21] يَقُولُ: أَوْ كَذَّبَ بِأَدِلَّتِهِ وَأَعْلَامِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، فَجَحَدَ حَقِيقَتَهَا وَدَافَعَ صَحَّتَهَا.
﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] ، يَقُولُ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَذَّبَ بِآيَاتِهِ، ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: 37] ، يَقُولُ: يَصِلُ إِلَيْهِمْ حَظُّهُمْ مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ ذَلِكَ النَّصِيبِ الَّذِي لَهُمْ فِي الْكِتَابِ وَمَا هُوَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَذَابُ اللَّهِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا مَرْوَانٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: 37] : «أَيْ مِنَ الْعَذَابِ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، مِثْلَهُ

جارٍ التحميل