وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 35] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِي بَسَاتِينَ مُكْرَمُونَ يُكْرِمُهُمُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنَ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا شَأْنُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ قِبَلَكَ يَا مُحَمَّدُ مُهْطِعِينَ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِهْطَاعِ، وَمَا قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَالِكَ.
فَقَالَ قَتَادَةُ فِيهِ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: 36] يَقُولُ: عَامِدِينَ
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِيهِ مَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: 36] قَالَ: الْمُهْطِعُ: الَّذِي لَا يَطْرِفُ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: مُسْرِعَيْنِ
وَرُوِيَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ مَا: حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: 36] قَالَ: مُنْطَلِقِينَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] يَقُولُ: عَنْ يَمِينِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَنْ شِمَالِكَ مُتَفَرِّقِينَ حِلَقًا وَمَجَالِسَ، جَمَاعَةً جَمَاعَةً، مُعْرِضِينَ عَنْكَ وَعَنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: 36] قَالَ: قِبَلَكَ يَنْظُرُونَ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: الْعِزِينَ: الْعَصَبُ مِنَ النَّاسِ عَنْ يَمِينٍ
وَشِمَالٍ، مُعْرِضِينَ عَنْهُ، يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: مَجَالِسَ مُجَنِّبِينَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: 36] يَقُولُ: عَامِدِينَ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] أَيْ فِرَقًا حَوْلَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْغَبُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي نَبِيِّهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: الْعِزِينَ: الْحِلَقُ الْمَجَالِسُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمَعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: حِلَقًا وَرُفَقَاءَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: الْعِزِينَ: الْمَجْلِسُ الَّذِي فِيهِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَالْمَجَالِسُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ أُولَئِكَ الْعُزُونَ
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» . وَالْعِزِينَ:
الْحِلَقُ الْمُتَفَرِّقَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ حِلَقٌ حِلَقٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ»
حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ، قَالَ: ثنا عَبْثَرٌ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الطَّائِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ مُتَفَرِّقُونَ، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ عِزِينَ»
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْغَزِّيُّ، قَالَ: ثنا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ حِلَقًا»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ حِلَقًا»
حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيِّبِ
بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الطَّائِيِّ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ حِلَقٌ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» . يَقُولُ: حِلَقًا، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: 37] قَالَ: عِزِينَ: مُتَفَرِّقِينَ، يَأْخُذُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَقُولُونَ: مَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ وَوَاحِدُ الْعِزِينَ: عِزْوَةٌ، كَمَا وَاحِدُ الثِّبِينَ ثُبَةٌ، وَوَاحِدُ الْكُرِينَ كُرَةٌ.
وَمِنَ الْعِزِينَ قَوْلُ رَاعِي الْإِبِلِ:
[البحر الكامل]
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّ عَشِيرَتِي ... أَمْسَى سَوَامُهُمُ عِزِينَ فُلُولَا
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 38] يَقُولُ: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ جَنَّةَ نَعِيمٍ: أَيْ بَسَاتِينَ نَعِيمٍ يَنْعَمُ فِيهَا.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: 38] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: يُدْخُلَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ مَا
لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، غَيْرَ الْحَسَنِ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، بِمَعْنَى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ جَنَّةَ نَعِيمٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ ضَمُّ الْيَاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 39] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَطْمَعُ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ جَنَّةَ نَعِيمٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 39] يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ مَنِيٍّ قَذِرٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ مَنْ يَسْتَوْجِبُهُ مِنْهُمْ بِالطَّاعَةِ، لَا بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَهُمْ عُصَاةٌ كَفَرَةٌ.
وَقَدْ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: 39] إِنَّمَا خُلِقْتَ مِنْ قَذَرٍ يَا ابْنَ آدَمَ، فَاتَّقِ اللَّهَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج: 40] يَقُولُ:
إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُهْلِكَهُمْ، وَنَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهُمْ مِنَ الْخَلْقِ يُطِيعُونَنِي وَلَا يَعْصُونَنِي ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَفُوتُنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ بِأَمْرٍ نُرِيدُهُ مِنْهُ، فَيُعْجِزَنَا هَرَبًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ سَنَةٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةٍ، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ فِي كُوَّةٍ، لَا تَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْكُوَّةِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَلَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ، تَقُولُ: رَبِّ لَا تُطْلِعُنِي عَلَى عِبَادِكَ، فَإِنِّي أَرَاهُمْ يَعْصُونَكَ، يَعْمَلُونَ بِمَعَاصِيكَ أَرَاهُمْ، قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: [البحر الكامل]
حَتَّى تَجُرَّ وَتُجْلَدَ قُلْتُ: يَا مَوْلَاهُ وَتُجْلَدُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: عَضَضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إِنَّمَا اضَّطَرَّهُ الرَّوِيُّ إِلَى الْجَلْدِ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني ابْنُ عُمَارَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40] قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَطْلَعًا، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَطْلَعٍ لَا تَعُودُ فِيهِ إِلَى قَابِلٍ، وَلَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
حَتَّى تُجَرَّ وَتُجْلَدَ
قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَضَضْتَ بِهَنِ أَبِيكَ، إِنَّمَا اضَّطَرَّهُ الرَّوِيُّ
حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةً،
فَإِذَا طَلَعَتْ فِي كُوَّةٍ لَمْ تَطْلُعْ مِنْهَا حَتَّى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَلَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40] قَالَ: هُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِهَا، وَمَطْلَعُ الْقَمَرِ وَمَغْرِبُهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: 83] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ، يَخُوضُوا فِي بَاطِلِهِمْ، وَيَلْعَبُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.
﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: 83] يَقُولُ: حَتَّى يُلَاقُوا عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي يُوعَدُونَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: 44] وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ [المعارج: 43] بَيَانٌ وَتَوْجِيهٌ عَنِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: 83] وتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَهُ
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ وَهِيَ الْقُبُورُ: وَاحِدُهَا جَدَثٌ ﴿سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43] .
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43] أَيْ مِنَ الْقُبُورِ سِرَاعًا.
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا الْجَدَثَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ، وَمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43] يَقُولُ: كَأَنَّهُمْ إِلَى عَلَمٍ قَدْ نُصِبَ لَهُمْ يَسْتَبِقُونَ.
وَأَجْمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى فَتْحِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ: (نَصْبٍ) غَيْرَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَضُمُّهَا مَعَ الصَّادِ؛ وَكَأَنَّ مَنْ فَتَحَهَا يُوَجِّهُ النَّصْبَ إِلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: نَصَبْتُ الشَّيْءَ أَنْصُبُهُ نَصْبًا.
وَكَأْنَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ: كَأَنَّهُمْ إِلَى صَنَمٍ مَنْصُوبٍ يُسْرِعُونَ سَعْيًا.
وَأَمَّا مَنْ ضَمَّهَا مَعَ الصَّادِ فَإِنَّهُ يُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ وَاحِدُ الْأَنْصَابِ، وَهِيَ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43] فَإِنَّ الْإِيفَاضَ: هُوَ الْإِسْرَاعُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الرجز] لَأَنْعَتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضَا ... خَرْجَاءَ تَغْدُو تَطْلُبُ الْإِضَاضَا يَقُولُ: تَطْلُبُ مَلْجَأً تَلْجَأُ إِلَيْهِ؛ وَالْإِيفَاضُ: السُّرْعَةُ؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ: تَمْشِي بِنَا الْجِدَّ عَلَى أَوْفَاضِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43] قَالَ: إِلَى عَلَامَاتٍ يَسْتَبِقُونَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43] قَالَ: إِلَى