تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 165-177

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9] فَقَدْ بَيَّنَا مَعْنَاهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

صفحات 165-177
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ أَحْمَدُ: سَقَطَ عَلَيَّ حَرْفٌ وَمَا أُرَاهُ إِلَّا الْخَذْفَ وَالنَّفْخَ وَالصَّفِيرَ مِنْهَا، وَأَرَانِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَيْثُ كَانُوا يَمْكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ أَبِي قُبَيْسٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: الْمُكَاءُ: كَانُوا يُشَبِّكُونَ بَيْنَ أَصَابِعِهِمْ وَيُصَفِّرُونَ بِهَا، فَذَلِكَ الْمُكَاءُ.
قَالَ: وَأَرَانِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْمَكَانَ الَّذِي كَانُوا يَمْكُونَ فِيهِ نَحْوَ أَبِي قُبَيْسٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: الْمُكَاءُ: النَّفْخُ، وَأَشَارَ بِكَفِّهِ قِبَلَ فِيهِ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْمُكَاءَ التَّصْفِيقُ بِالْأَيْدِي، وَالتَّصْدِيَةَ صِيَاحٌ كَانُوا يُعَارِضُونَ بِهِ الْقُرْآنَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: الْمُكَاءُ: التَّصْفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] وَالْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، عَلَى نَحْوِ طَيْرٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ الْمُكَاءُ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: الْمُكَاءُ: صَفِيرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْلِنُونَ بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ فِي الْمُكَاءِ أَيْضًا: صَفِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَعِبٌ " وَقَدْ قِيلَ فِي التَّصْدِيَةِ: إِنَّهَا الصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
وَذَلِكَ قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ التَّصْدِيَةَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَدَّيْتُ تَصْدِيَةً.
وَأَمَّا الصَّدُّ فَلَا يُقَالُ مِنْهُ: صَدَّيْتُ، إِنَّمَا يُقَالُ مِنْهُ صَدَدْتُ، فَإِنْ شَدَّدْتَ مِنْهَا الدَّالَ عَلَى مَعْنَى تَكْرِيرِ الْفِعْلِ، قِيلَ: صَدَّدْتُ تَصْدِيدًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ وَجَّهَ التَّصْدِيَةَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ صَدَّدْتُ، ثُمَّ قُلِبَتْ إِحْدَى دَالَيْهِ يَاءً، كَمَا يُقَالُ: تَظَنَّيْتُ مِنْ ظَنَّنْتُ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ يَعْنِي: تَقَضُّضَ الْبَازِي، فَقُلِبَ إِحْدَى ضَادَيْهِ يَاءً، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا يُوَجَّهُ إِلَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا فِي تَأْوِيلِ التَّصْدِيَةِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] صَدَّهُمْ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ: " ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: التَّصْدِيَةُ: صَدُّهُمُ النَّاسَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: التَّصْدِيَةُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَصَدُّهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنْ دِينِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] قَالَ: مَا كَانَ صَلَاتُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا يُدْرَأُ بِهَا عَنْهُمْ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً، وَذَلِكَ مَا لَا يَرْضَى اللَّهُ وَلَا يُحِبُّ، وَلَا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ وَلَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106] فَإِنَّهُ يَعْنِي الْعَذَابَ الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، يَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: 32] الْآيَةَ، حِينَ أَتَاهُمْ بِمَا اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ الْعَذَابِ: ذُوقُوا: أَيْ اطْعَمُوا، وَلَيْسَ بِذَوْقٍ

بِفَمٍ، وَلَكِنَّهُ ذَوْقٌ بِالْحِسِّ، وَوُجُودُ طَعْمِ أَلَمِهِ بِالْقُلُوبِ.
يَقُولُ لَهُمْ: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا

كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ أَنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُكُمْ بِهِ عَلَى جُحُودِكُمْ تَوْحِيدَ رَبِّكُمْ وَرِسَالَةَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106] أَيْ مَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْقَتْلِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106] قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَدْرٍ يَوْمَ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106] يَعْنِي أَهْلَ بَدْرٍ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَيُعْطُونَهَا

أَمَثَالَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِيَتَّقَوَّوْا بِهَا عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لِيَصُدُّوا الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَسَيُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ [الأنفال: 36] نَفَقَتُهُمْ تِلْكَ ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: 36] يَقُولُ: تَصِيرُ نَدَامَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ تَذْهَبُ، وَلَا يَظْفَرُونَ بِمَا يَأْمَلُونَ وَيَطْمَعُونَ فِيهِ مِنْ إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى كَلِمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُعْلِي كَلِمَتِهِ، وَجَاعِلٌ كَلِمَةَ الْكُفْرِ السُّفْلَى، ثُمَّ يَغْلِبُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيَحْشُرُ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَبِرَسُولِهِ إِلَى جَهَنَّمَ، فَيُعَذَّبُونَ فِيهَا، فَأَعْظِمْ بِهَا حَسْرَةً وَنَدَامَةً لِمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ وَمَنْ هَلَكَ، أَمَا الْحَيُّ فَحُرِبَ مَالُهُ وَذَهَبَ بَاطِلًا فِي غَيْرِ دَرَكٍ وَلَا نَفْعٍ وَرَجَعَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا مَحْزُونًا مَسْلُوبًا، وَأَمَّا الْهَالِكُ: فَقُتِلَ وَسُلِبَ وَعُجِّلَ بِهِ إِلَى نَارِ اللَّهِ يُخَلَّدُ فِيهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى النَّفَقَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَا ذُكِرَ أَبَا سُفْيَانَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 36] الْآيَةَ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ أَلْفَيْنِ مِنَ الْأَحَابِيشِ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَاتَلَ بِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُ فِيهِمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: [البحر الطويل]

وَجِئْنَا إِلَى مَوْجٍ مِنَ الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ... ثَلَاثُ مِئِينَ إِنْ كَثُرْنَا فَأَرْبَعُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة: الأنفال، آية رقم: 36] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ أَلْفَيْنِ لِيُقَاتِلَ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى مَنِ اسْتَجَاشَ مِنَ الْعَرَبِ "

قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ خَطَّابِ بْنِ عُثْمَانَ الْعُصْفُرِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ، أَنْفَقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَتِ الْأُوقِيَّةُ يَوْمَئِذٍ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِثْقَالًا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] الْآيَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ إِلَى مَكَّةَ، أَنْشَدَ النَّاسَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْقِتَالِ حَتَّى غَزَا نَبِيُّ اللَّهِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَكَانَتْ بَدْرٌ فِي رَمَضَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَابِعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَتْ أُحُدٌ فِي شَوَّالٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ فِي الْعَامِ الرَّابِعِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ فِيمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَمِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ يَسْتَأْجِرُونَ الرِّجَالَ يُقَاتِلُونَ مُحَمَّدًا بِهِمْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: 36] يَقُولُ: نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَيْلًا ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] الْآيَةَ، حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 27] قَالَ: فِي نَفَقَةِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْكُفَّارِ يَوْمَ أُحُدٍ ". حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالُوا: " لَمَّا أَصَابَتِ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ مِنْ أَصْحَابِ الْقَلِيبِ وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بَعِيرِهِ، مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ بِبَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتِرَكُمْ وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرًا بِمَنْ أُصِيبَ مِنَّا، فَفَعَلُوا.
قَالَ: فَفِيهِمْ كَمَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 36] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36] يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ مَشَوْا إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَإِلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلُوا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 36] الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36] الْآيَةَ، قَالَ: هُمْ أَهْلُ بَدْرٍ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ، لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَيِّ أُولَئِكَ عَنَى، غَيْرَ أَنَّهُ عَمَّ بِالْخَبَرِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِأُحُدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى الْمُنْفِقِينَ

مِنْهُمْ ذَلِكَ بِبَدْرٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى الْفَرِيقَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَحْشُرُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَيُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى جَهَنَّمَ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْخُبْثِ

كَمَا قَالَ وَسَمَّاهُمْ ﴿الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: 267] وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَهُمُ الطَّيِّبُونَ، كَمَا سَمَّاهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
فَمَيَّزَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْنَهُمْ بِأَنْ أَسْكَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ جَنَّاتِهِ، وَأَنْزَلَ أَهْلَ الْكُفْرِ نَارَهُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37] فَمَيَّزَ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " ثُمَّ ذَكَرَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَا يُصْنَعُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37] يَقُولُ: يَمِيزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ.
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 37] " وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 37] فَيَحْمِلُ الْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ [الأنفال: 37] يَقُولُ: فَنَجْعَلَهُمْ رُكَامًا، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَكْثُرُوا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي صِفَةِ السَّحَابِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: 43] أَيْ مُجْتَمِعًا كَثِيفًا

وَكَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ [الأنفال: 37] قَالَ: فَيَجْمَعُهُ جَمِيعًا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ " وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: 37] يَقُولُ: فَيُجْعَلُ الْخَبِيثَ جَمِيعًا فِي جَهَنَّمَ، فَوَحَّدَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ لِتَوْحِيدِ قَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ [الأنفال: 37] ثُمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 27] فَجَمَعَ وَلَمْ يَقُلْ: ذَلِكَ هُوَ الْخَاسِرُ، فَرَدَّهُ إِلَى أَوَّلِ الْخَبَرِ.
وَيَعْنِي بِـ «أُولَئِكَ» الَّذِينَ كَفَرُوا، وَتَأْوِيلُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: 37] الَّذِينَ غُبِنَتْ صَفْقَتُهُمْ وَخَسِرَتْ تِجَارَتُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَرَوْا بِأَمْوَالِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعَجَّلُوا بِإِنْفَاقِهِمْ إِيَّاهَا فِيمَا أَنْفَقُوا مِنْ قِتَالِ نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْخِزْيَ وَالذُّلَّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي

قَوْمِكَ: إِنْ يَنْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقِتَالِكَ وَقِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَيُنِيبُوا إِلَى الْإِيمَانِ، يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُمْ مَا قَدْ خَلَا وَمَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ إِيمَانِهِمْ وَإِنَابَتِهِمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بِإِيمَانِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ.
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ [الأنفال: 38] يَقُولُ: وَإِنْ يَعُدْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِقِتَالِكَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَوْقَعْتَهَا بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتِي فِي الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ وَمَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةِ إِذْ طَغَوْا وَكَذَّبُوا رُسُلِي وَلَمْ يَقْبَلُوا نُصْحَهُمْ مِنْ إِحْلَالِ عَاجِلِ النِّقَمِ بِهِمْ، فَأَحَلَّ بِهَؤُلَاءِ إِنْ عَادُوا لِحَرْبِكَ وَقِتَالِكَ مِثْلُ الَّذِينَ أَحْلَلْتُ بِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 38] فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَ ذَلِكَ ". حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

جارٍ التحميل