تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20] يَقُولُ: ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ مَعْشَرَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْنَاهُ مِنْ تُرَابٍ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، يَقُولُ: تَتَصَرَّفُونَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20] يَقُولُ: ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ مَعْشَرَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْنَاهُ مِنْ تُرَابٍ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، يَقُولُ: تَتَصَرَّفُونَ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ وَأَدَلَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا خَلْقُهُ لِأَبِيكُمْ آدَمَ مِنْ نَفْسِهِ زَوْجَةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: 21] خَلَقَهَا لَكُمْ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] يَقُولُ: جَعَلَ بَيْنَكُمْ بِالْمُصَاهَرَةِ وَالْخُتُونَةِ مَوَدَّةً تَتَوَادُّونَ بِهَا، وَتَتَوَاصَلُونَ مِنْ أَجْلِهَا، وَرَحْمَةً رَحِمَكُمْ بِهَا، فَعَطَفَ بَعْضُكُمْ بِذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ لَعِبَرًا وَعِظَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ فِي حِجَجِ اللَّهِ وَأَدِلَّتِهِ،

فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ

شَاءَهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ وَأَدِلَّتِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْجِزَهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَمَاتَ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ وَأَعَادَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ إِمَاتَتِهِ إِيَّاهُ، خَلْقُهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَحْدَثَ ذَلِكَ مِنْهُ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ مَعَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: 22] يَقُولُ: وَاخْتِلَافُ مَنْطِقِ أَلْسِنَتِكُمْ وَلُغَاتِهَا ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22] يَقُولُ: وَاخْتِلَافُ أَلْوَانِ أَجْسَامِكُمْ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22] يَقُولُ: إِنَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَعِبَرًا وَأَدِلَّةً لِخَلْقِهِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ أَنَّهُ لَا يَعْيِيهُ إِعَادَتُهُمْ لِهَيْئَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْلَ مَمَاتِهِمْ مِنْ بَعْدِ فَنَائِهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْعَالِمِينَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ تَقْدِيرُهُ السَّاعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ، وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَجَعَلَ اللَّيْلَ لَكُمْ سَكَنًا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وَتَنَامُونَ فِيهِ، وَجَعَلَ النَّهَارَ مُضِيئًا لِتَصَرُّفِكُمْ فِي

مَعَايِشِكُمْ وَالْتِمَاسِكُمْ فِيهِ مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَعِبَرًا وَذِكْرِي وَأَدِلَّةً عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ

لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ مَوَاعِظَ اللَّهِ، فَيَتَّعِظُونَ بِهَا، وَيَعْتَبِرُونَ فَيَفْهَمُونَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ [الرعد: 12] لَكُمْ إِذَا كُنْتُمْ سَفَرًا، أَنْ تُمْطَرُوا فَتَتَأَذَّوْا بِهِ ﴿وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56] لَكُمْ، إِذَا كُنْتُمْ فِي إِقَامَةٍ أَنْ تُمْطَرُوا، فَتَحْيَوْا وَتَخْصَبُوا

﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الروم: 24] يَقُولُ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا.
فَيُحْيِي بِذَلِكَ الْمَاءِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ، فَتُنْبِتُ وَيَخْرُجُ زَرْعُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا.
يَعْنِي جُدُوبِهَا وَدُرُوسِهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: 12] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: 24] قَالَ: خَوْفًا لِلْمُسَافِرِ، وَطَمَعًا لِلْمُقِيمِ ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ سُقُوطِ أَنْ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: 12] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا «أَنْ» ؛ لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى؛ وَقَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل]

أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي قَالَ: وَقَالَ: [البحر الرجز] لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ ... يَفْضُلُهَا فِي حَسَبٍ وَمَيْسَمِ وَقَالَ: يُرِيدُ: مَا فِي قَوْمِهَا أَحَدٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: إِذَا أُظْهِرَتْ «أَنْ» فَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ﴾ فَإِذَا حُذِفَتْ جُعِلَتْ «وَمِنْ» ، مُؤَدِّيَةً عَنِ اسْمٍ مَتْرُوكٍ، يَكُونُ الْفِعْلُ صِلَةً، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ كَأَنَّهُ أَرَادَ: فِمِنْهُمَا سَاعَةٌ أَمُوتُهَا، وَسَاعَةٌ أَعِيشُهَا، وَكَذَلِكَ: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ آيَةَ الْبَرْقِ، وَآيَةً لِكَذَا، وَإِنْ شِئْتَ أَرَدْتَ: وَيُرِيكُمْ مِنْ آيَاتِهِ الْبَرْقَ، فَلَا تُضْمَرُ «وَأَنْ» ، وَلَا غَيْرَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ قَوْلَ الْبَصْرِيِّ: إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْذَفَ «وَأَنْ» مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى حَذْفِهَا، فَأَمَّا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلَا، فَأَمَّا مَعَ أَحْضُرَ الْوَغَى فَلَمَّا

كَانَ زَجَرْتُكَ أَنْ تَقُومَ، وَزَجَرْتُكَ لِأَنْ تَقُومَ، يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ جَازَ حَذْفُ أَنْ، لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَعْرُوفٌ لَا يَقَعُ فِي كُلِّ الْكَلَامِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ قَائِمٌ، وَأَنَّكَ تَقُومُ، وَأَنْ تَقُومَ، فَهَذَا الْمَوْضِعُ لَا يُحْذَفُ، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ «وَمِنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم: 24] تَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ.
وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَعْضَ، فَلِذَلِكَ تَحْذِفُ الْعَرَبُ مَعَهَا الِاسْمَ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ.

جارٍ التحميل