تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 200-218

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] فَقَدْ وُصِلَ بِالْأَبَدِ , وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهَا أَبَدًا

صفحات 200-218
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ , وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا , فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ.
فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ.
فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ , وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ , ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» فَذَلِكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ.
حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا.
فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ.
فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ

هَنْتَاهُ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي.
فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا.
فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَيْ أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا.
قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَ قَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا , وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ , وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ لِأُمِّي: مَا يُبْكِيهَا؟ قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ مَا قِيلَ لَهَا.
فَأَكَبَّ يَبْكِي، فَبَكَى سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: اسْكُتِي يَا بُنَيَّةُ فَبَكَيْتُ يَوْمِيَ ذَلِكَ , لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ , وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لِيَلِيَ الْمُقْبِلَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ , وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِيَ الْمُقْبِلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ , وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى ظَنَّ أَبَوَايَ أَنَّ الْبُكَاءَ سَيَفْلِقُ كَبِدِي.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيَ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ؛ قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ , وَبِالَّذِي فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ

أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا.
وَأَمَّا عَلِيُّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، يَعْنِي بَرِيرَةَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟» قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا , فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ , وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَعْذِرُنِي مِمَّنْ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟» يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيْضًا: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي» فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ.
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ

لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَثَارَ الْحَيَّانِ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا.
ثُمَّ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي بَيْتِ أَبَوَيَّ، فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي , وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي؛ قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ عِنْدِي، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ؛ قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ , فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنَبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ دَمْعَةً؛ قُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللَّهِ , لَقَدْ عَرَفْتُ أَنْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا، حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، حَتَّى كِدْتُمْ أَنْ تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي

بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18] , ثُمَّ تَوَلَّيْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا وَاللَّهِ، أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ , وَأَنَّ اللَّهَ سَيُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْي يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا.
قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ، كَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَكِ» فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قَوْمِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَاتِ بَرَاءَةً لِي.
قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا , بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ

: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] , فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي.
فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي , وَمَا رَأَتْ وَمَا سَمِعَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ إِلَّا خَيْرًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ , فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ بْنُ شِهَابٍ: هَذَا الَّذِي انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ: كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ كَانَ لَهُ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ قَالَ: وَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ كُلَّ الَّذِي قَدْ حَدَّثَنِي.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا سَلَمَةُ قَالَ: وَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا

يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ: ثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ؛ وَكُلٌّ قَدِ اجْتَمَعَ فِي حَدِيثِهِ قِصَّةُ خَبَرِ عَائِشَةَ عَنْ نَفْسَهَا، حِينَ قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِيهَا مَا قَالُوا، وَكُلُّهُ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِهَا عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَيُحَدِّثُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ، وَكُلٌّ كَانَ عَنْهَا ثِقَةً، وَكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ عَنْهَا مَا سَمِعَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ.
فَلَمَّا كَانَتْ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ، فَخَرَجَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ.
قَالَتْ: وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلَقَ , لَمْ يُهَيِّجْهُنَّ اللَّحْمُ فَيَثْقُلْنَ.
قَالَتْ: وَكُنْتُ إِذَا رَحَلَ بَعِيرِي جَلَسْتُ فِي هَوْدَجِي، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمُ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ بِي بَعِيرِي وَيَحْمِلُونِي، فَيَأْخُذُونَ بِأَسْفَلِ الْهَوْدَجِ , يَرْفَعُونَهُ فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ.
قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَجَّهَ قَافِلًا، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، نَزَلَ مَنْزِلًا فَبَاتَ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَذِنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ.
فَلَمَّا ارْتَحَلَ النَّاسُ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَفِي عُنُقِي عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ

ظَفَارِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ , انْسَلَّ مِنْ عُنُقِي وَمَا أَدْرِي؛ فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الرَّحْلِ ذَهَبْتُ أَلْتَمِسُهُ فِي عُنُقِي فَلَمْ أَجِدْهُ، وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِي الرَّحِيلِ.
قَالَتْ: فَرَجَعْتُ عَوْدِي إِلَى بَدْئِي، إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُهُ؛ وَجَاءَ الْقَوْمُ خِلَافِي الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي الْبَعِيرَ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ ثَوْرٍ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: " لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِيَ الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا وَمَا عَلِمْتُ، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ , أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِيَ , وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي سُوءًا قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ؟ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ سُوءًا قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِيَ قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا أَغِيبُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي» فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَانُوا مِنَ الْأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الْمَسْجِدِ شَرٌّ؛ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي , وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ،

فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ: عَلَامَ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ قُلْتُ: عَلَامَ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَسَكَتَتِ الثَّانِيَةَ.
ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَانْتَهَرْتُهَا، وَقُلْتُ: عَلَامَ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ، قُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي، فَبَقَرَتْ لِيَ الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَاللَّهِ.
قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي , فَكَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَمْ أَخْرُجْ لَهُ، وَلَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.
وَوعِكْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي فَأَرْسَلَ مَعِيَ الْغُلَامَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَإِذَا أَنَا بِأُمِّي أُمِّ رُومَانَ , قَالَتْ: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا حَسَدْنَهَا , وَقُلْنَ فِيهَا.
قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهَا أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَرَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
فَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهَا.
فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالَا عِنْدِي حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَدِ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ، عَنْ يَمِينِي , وَعَنْ شِمَالِي، فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ , وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ أَلْمَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ» . وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْهُ فَقَالَ: أَقُولُ مَاذَا؟ قُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِيهِ فَقَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ , وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ مَاذَا بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ؟ لَقَدْ تُكُلِّمَ بِهِ , وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ؛ وَإِنْ قُلْتُ: إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنَّ: قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَايْمُ اللَّهِ , مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمَا أَحْفَظُ اسْمَهُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18] . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَتَئِذٍ، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ , وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ يَقُولُ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ» فَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قَوْمِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُهُ , وَلَا أَحْمَدُكُمَا، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ , وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ، وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي.
وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْتِي، فَسَأَلَ الْجَارِيَةَ عَنِّي، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا عَيْبًا , إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَنَامُ حَتَّى كَانَتْ تَدْخُلُ الشَّاةُ فَتَأْكُلُ حَصِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا، فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ لَهَا: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُرْوَةُ: فَعَتَبَ عَلَى مَنْ قَالَهُ، فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ , مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ.
فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قَالَتْ

عَائِشَةُ: فَأَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا؛ وَأَمَّا حَمْنَةُ أُخْتُهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ: الْمُنَافِقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، وَكَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَمِسْطَحًا، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ . يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور: 22] يَعْنِي: مِسْطَحًا، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22] , قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنَا وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ لمِسْطَحٍ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ بِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، وَغَيْرِهِ، أَيْضًا , قَالَ: خَرَجَتْ عَائِشَةُ تُرِيدُ الْمَذْهَبَ، وَمَعَهَا أُمُّ مِسْطَحٍ.
وَكَانَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ مِمَّنْ قَالَ مَا قَالَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرَوْنَ فِيمَنْ يُؤْذِينِي فِي أَهْلِي وَيَجْمَعُ فِي بَيْتِهِ مَنْ يُؤْذِينِي؟» فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنَّا مَعْشَرَ الْأَوْسِ جَلَدْنَا رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ، أَمَرْتَنَا فَأَطَعْنَاكَ.
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا ابْنَ مُعَاذٍ، وَاللَّهِ مَا بِكَ نُصْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهَا قَدْ كَانَتْ ضَغَائِنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِحَنٌ لَمْ تَحْلِلْ لَنَا مِنْ صُدُورِكُمْ بَعْدُ

فَقَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: اللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَرَدْتُ.
فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُبَادَةَ، إِنَّ سَعْدًا لَيْسَ شَدِيدًا، وَلَكِنَّكَ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ وَتَدْفَعُ عَنْهُمْ.
وَكَثُرَ اللَّغَطُ فِي الْمَسْجِدِ , وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَمَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُومِئُ بِيَدِهِ إِلَى النَّاسِ هَاهُنَا , وَهَاهُنَا، حَتَّى هَدَأَ الصَّوْتُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَالَّذِي يَجْمَعُهُمْ فِي بَيْتِهِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ.
قَالَتْ: فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَذْهَبِ وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، أَتَقُولِينَ هَذَا لِابْنِكِ , وَلِصَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا شَعُرْتُ بِالَّذِي كَانَ.
فَحَدَّثَتْ، فَذَهَبَ عَنِّي الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، حَتَّى مَا أَجِدُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَرَجَعْتُ عَلَى أَبَوَيَّ أَبِي بَكْرٍ , وَأُمِّ رُومَانَ، فَقُلْتُ: أَمَا اتَّقَيْتُمَا اللَّهَ فِيَّ , وَمَا وَصَلْتُمَا رَحِمِي؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِالَّذِي تَحَدَّثُوا بِهِ , وَلَمْ تُعْلِمَانِي فَأُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، وَاللَّهِ لَقَلَّمَا أَحَبَّ رَجُلٌ قَطُّ امْرَأَتَهُ إِلَّا قَالُوا لَهَا نَحْوَ الَّذِي قَالُوا لَكِ أَيْ بُنَيَّةُ ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ حَتَّى نَأْتِيَكِ فِيهِ فَرَجَعْتُ , وَارْتَكَبَنِي صَالِبٌ مِنْ حُمَّى، فَجَاءَ أَبَوَايَ فَدَخَلَا، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى سَرِيرِي وِجَاهِي، فَقَالَا: أَيْ بَيِّنَةُ، إِنْ كُنْتِ صَنَعْتِ مَا قَالَ النَّاسُ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَإِنْ لَمْ تَكُونِي صَنَعْتِيهِ فَأَخْبِرِي رَسُولَ اللَّهِ بِعُذْرِكِ قُلْتُ: مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ إِلَّا كَأَبِي يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18] . قَالَتْ: فَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ، فَمَا قَدَرْتُ، أَوْ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ.
فَشَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى السَّقْفِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ وَجَدَ , قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5] , فَوَالَّذِي هُوَ أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، مَا زَالَ يَضْحَكُ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى نَوَاجِذِهِ سُرُورًا، ثُمَّ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَبْشِرِي، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَكِ» قُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ , لَا بِحَمْدِكَ , وَلَا بِحَمْدِ أَصْحَابِكَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.
حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ , وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ . حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، أَيْ رَبِّ فَعَادَ إِلَى الَّذِي كَانَ لمِسْطَحٍ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 23] . حَتَّى بَلَغَ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ كِتَابٌ , وَلَا أَطْمَعُ بِهِ، وَلَكِنْ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا تُذْهِبُ مَا فِي نَفْسِهِ.
قَالَتْ: وَسَأَلَ الْجَارِيَةَ الْحَبَشِيَّةَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَعَائِشَةُ أَطْيَبُ مِنْ طَيِّبِ الذَّهَبِ، وَمَا بِهَا عَيْبٌ إِلَّا أَنَّهَا تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا، وَلَئِنْ كَانَتْ صَنَعَتْ مَا قَالَ النَّاسُ لَيُخْبِرَنَّكَ اللَّهُ قَالَ: فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ فِقْهِهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12] وَهَذَا عِتَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ فِيمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ إِرْجَافِ مَنْ أَرْجَفَ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ بِمَا أَرْجَفَ بِهِ.
يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَلَّا أَيُّهَا النَّاسُ إِذْ سَمِعْتُمْ مَا قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِي عَائِشَةَ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْكُمْ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا يَقُولُ: ظَنَنْتُمْ بِمَنْ قُرِفَ بِذَلِكَ مِنْكُمْ خَيْرًا، وَلَمْ تَظُنُّوا بِهِ أَنَّهُ أَتَى الْفَاحِشَةَ.
وَقَالَ ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: 123] لِأَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ كُلَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْضِ، رِجَالِ بَنِي النَّجَّارِ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ، خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ أَيُّوبَ: " أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِبُ، أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ , مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَهُ.
قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْكِ.
قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ، ذَكَرَ اللَّهُ مَنْ قَالَ فِي الْفَاحِشَةِ مَا قَالَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وَذَلِكَ حَسَّانُ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: 12] الْآيَةَ: أَيْ: كَمَا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ وَصَاحِبَتُهُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونِ، وَالْمُؤْمِنَاتُ، بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] مَا هَذَا الْخَيْرُ؟ ظَنَّ الْمُؤْمِنُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَكُنْ لِيَفْجُرَ بِأُمِّهِ، وَأَنَّ الْأُمَّ لَمْ تَكُنْ لِتَفْجُرَ بِابْنِهَا، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْجُرَ فَجَرَ بِغَيْرِ أُمِّهِ يَقُولُ: " إِنَّمَا كَانَتْ عَائِشَةُ أُمًّا، وَالْمُؤْمِنُونَ بَنُونَ لَهَا، مُحَرَّمًا عَلَيْهَا، وَقَرَأَ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] قَالَ لَهُمْ خَيْرًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] . يَقُولُ: بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ قَالَ: يُسَلِّمُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونِ، وَالْمُؤْمِنَاتُ، بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12] يَقُولُ: وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ: هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ عَائِشَةُ مِنَ الْفَاحِشَةِ: كَذِبٌ وَإِثْمٌ، يَبِينُ لِمَنْ عَقِلَ وَفَكَّرَ فِيهِ أَنَّهُ كَذِبٌ , وَإِثْمٌ , وَبُهْتَانٌ

كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿ وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12] قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةً مِنَ الشُّهُودِ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَلَّا جَاءَ هَؤُلَاءِ الْعُصْبَةُ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ، وَرَمَوْا عَائِشَةَ بِالْبُهْتَانِ، بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ فِيهَا , وَمَا رَمَوْهَا بِهِ فَإِذَا لَمْ

يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا رَمَوْهَا بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] يَقُولُ: فَالْعُصْبَةُ الَّذِينَ رَمَوْهَا بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْإِفْكِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 83] أَيُّهَا الْخَائِضُونَ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ، الْمُشِيعُونَ فِيهَا الْكَذِبَ وَالْإِثْمَ، بِتَرْكِهِ تَعْجِيلَ عُقُوبَتِكُمْ ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: 64] إِيَّاكُمْ، لِعَفْوِهِ عَنْكُمْ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] بِقَبُولِ تَوْبَتِكُمْ مِمَّا كَانَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا﴾ [الأنفال: 68] خُضْتُمْ فِيهِ مِنْ أَمْرِهَا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: 10] هَذَا لِلَّذِينَ تَكَلَّمُوا فَنَشَرُوا ذَلِكَ الْكَلَامَ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 14] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ عَذَابٌ عَظِيمٌ، حِينَ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ.
وَ ﴿إِذْ﴾ [البقرة: 131] مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: 68] . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] تَتَلَقَّوْنَ

الْإِفْكَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْعُصْبَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَتَقْبَلُونَهُ، وَيَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ؛ يُقَالُ: تَلَقَّيْتُ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ فُلَانٍ، بِمَعْنَى أَخَذْتُهُ مِنْهُ؛ وَقِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فِيمَا ذُكِرَ يَلْقَى آخَرَ فَيَقُولُ: أَوَ مَا بَلَغَكَ كَذَا وَكَذَا عَنْ عَائِشَةَ؟ لِيُشِيعَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْفَاحِشَةَ.
وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «إِذْ تَتَلَقَّوْنَهُ» بِتَاءَيْنِ، وَعَلَيْهَا قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَرَءُوهَا: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: «إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» تَقُولُ: " إِنَّمَا هُوَ وَلْقُ الْكَذِبِ،

وَتَقُولُ: إِنَّمَا كَانُوا يَلِقُونَ الْكَذِبَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَهِيَ أَعْلَمُ بِمَا فِيهَا أُنْزِلَتْ.
قَالَ نَافِعٌ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ: اللَّيْقُ: الْكَذِبُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ: ثنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا " كانَتْ تَقْرَأُ: «إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» وَهِيَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ , وَفِيهَا أُنْزِلَتْ , قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هُوَ مِنْ وَلْقِ الْكَذِبِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَأَنَّ عَائِشَةَ وَجَّهَتْ مَعْنَى ذَلِكَ بِقِرَاءَتِهَا «تَلِقُونَهُ» بِكَسْرِ اللَّامِ , وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، إِلَى: إِذْ تَسْتَمِرُّونَ فِي كَذِبِكُمْ عَلَيْهَا , وَإِفْكِكِهَا بِأَلْسِنَتِكُمْ، كَمَا يُقَالُ: وَلِقَ فُلَانٌ فِي السَّيْرِ فَهُوَ يَلِقُ: إِذَا اسْتَمَرَّ فِيهِ؛ وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] إِنَّ الْجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَّلِقْ ... جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأْمِ تَلِقْ مُجَوَّعُ الْبَطْنِ كِلَابِيُّ الْخُلُقْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْعَرَبِ فِي الْوَلْقُ: الْكَذِبُ: الْأَلْقُ، وَالْإِلْقُ: بِفَتْحِ الْأَلِفِ

وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ فِي فَعَلْتُ مِنْهُ: أَلِقْتُ، فَأَنَا أَلِقُ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [البحر الرجز] مِنْ لِيَ بِالْمُزَرَّرِ ... الْيَلَامِقِ صَاحِبِ أَدْهَانٍ وَأَلْقٍ آلِقِ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: 15] قَالَ: تَرْوُونَهُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: 15] قَالَ: «تَرْوُونَهُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ»

قَوْلُهُ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي تَرْوُونَهُ، فَتَقُولُونَ: سَمِعْنَا أَنَّ عَائِشَةَ فَعَلَتْ كَذَا وَكَذَا، وَلَا تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ , وَلَا صِحَّتَهُ.
وَتَظُنُّونَ أَنَّ قَوْلَكُمْ ذَلِكَ وَرُوَايَتَكُمُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ , وَتَلَقِّيَكُمُوهُ بَعْضُكُمْ عَنْ

بَعْضٍ، هَيِّنٌ سَهْلٌ، لَا إِثْمَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلَا حَرَجٌ.
﴿وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيم﴾ [النور: 15] يَقُولُ: وَتَلَقِّيكُمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَقَوْلُكُمُوهُ بِأَفْوَاهِكُمْ، عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ مِنَ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ تُؤْذُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَلِيلَتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَوْلَا﴾ [البقرة: 64] أَيُّهَا الْخَائِضُونَ فِي الْإِفْكِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: 12] مِمَّنْ جَاءَ بِهِ، ﴿قُلْتُمْ﴾ [البقرة: 55] مَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، وَمَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَفَوَّهَ بِهِ

﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16] تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبِّ , وَبَرَاءَةٌ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ؛ ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16] يَقُولُ: هَذَا الْقَوْلُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُذَكِّرُكُمُ اللَّهُ , وَيَنْهَاكُمْ بِآيِ كِتَابِهِ، لِئَلَّا تَعُودُوا لِمِثْلِ فِعْلِكُمُ الَّذِي فَعَلْتُمُوهُ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ مِنْ تَلَقِّيكُمُ الْإِفْكَ الَّذِي رُوِيَ عَلَيْهَا بِأَلْسِنَتِكُمْ،

وَقَوْلِكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فِيهَا أَبَدًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] . يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ

تَتَّعِظُونَ بِعِظَاتِ اللَّهِ , وَتَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِهِ , وَتَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل