تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 531-542

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ

صفحات 531-542
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ [الأنعام: 121] يَقُولُ: «وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فِي أَكْلِ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ [الأنعام: 121] «فَأَكَلْتُمُ الْمَيْتَةَ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] يَعْنِي: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلَهُمْ، إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ اسْتِحْلَالًا، فَإِذَا أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهَا كَذَلِكَ فَقَدْ صِرْتُمْ مِثْلَهُمْ مُشْرِكِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ نُسِخَ مِنْ حُكْمِهَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهِيَ مُحْكَمَةٌ فِيمَا عُنِيَتْ بِهِ،

وَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ

مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ

: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118] ، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] ، فَنَسَخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ فِيمَا أُنْزِلَتْ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ، وَذَبَائِحَهُمْ ذَكِيَّةٌ.
وَذَلِكَ مِمَّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَكْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] بِمَعْزِلٍ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الْآيَةَ الْمَيْتَةَ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ، وَذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ ذَكِيَّةٌ سَمَّوْا عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَمُّوا، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ تَوْحِيدٍ وَأَصْحَابُ كُتُبٍ لِلَّهِ يَدِينُونَ بِأَحْكَامِهَا، يَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ بِأَدْيَانِهِمْ كَمَا ذَبَحَ الْمُسْلِمُ بِدِينِهِ، سَمَّى اللَّهَ عَلَى ذَبِيحَتِهِ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَ مِنْ ذِكْرِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ عَلَى ذَبِيحَتِهِ عَلَى الدَّيْنُونَةِ بِالتَّعْطِيلِ، أَوْ بِعِبَادَةِ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ، فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ سَمَّى اللَّهَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَمِّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا الْكَلَامُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَدُلُّ عَلَى نَهْيِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِهِ يَوْمَئِذٍ عَنْ طَاعَةِ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوهُمْ فِي

أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ مِنْ جِدَالِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِطَاعَةِ مُؤْمِنٍ مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِرُشْدِهِ وَوَفَّقَهُ لِلْإِيمَانِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِطَاعَةُ مَنْ كَانَ مَيْتًا يَقُولُ: مَنْ كَانَ كَافِرًا.
فَجَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِانْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَجَهْلِهِ بِتَوْحِيدِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ، وَتَرْكِهِ الْأَخْذَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْعَمَلِ لِلَّهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى نَجَاتِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا

مِنْ مَكْرُوهِ نَازِلَةٍ، ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122] يَقُولُ: فَهَدَيْنَاهُ لِلْإِسْلَامِ، فَأَنْعَشْنَاهُ، فَصَارَ يَعْرِفُ مَضَارَّ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهَا، وَيَعْمَلُ فِي خَلَاصِهَا مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ فِي مَعَادِهِ، فَجَعَلَ إِبْصَارَهُ الْحَقَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْدَ عَمَاهُ عَنْهُ، وَمَعْرِفَتَهُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِذَلِكَ، حَيَاةً وَضِيَاءً يَسْتَضِيءُ بِهِ، فَيَمْشِي عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ وَمَنْهَجِ الطَّرِيقِ فِي النَّاسِ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] لَا يَدْرِي كَيْفَ يَتَوَجَّهُ وَأَيَّ طَرِيقٍ يَأْخُذُ لِشِدَّةِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وِإِضْلَالِهِ الطَّرِيقَ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْكَافِرُ الضَّالُّ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ لَا يُبْصِرُ رُشْدًا وَلَا يَعْرِفُ حَقًّا، يَعْنِي فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ.
يَقُولُ: أَفَطَاعَةُ هَذَا الَّذِي هَدَيْنَاهُ لِلْحَقِّ، وَبَصَّرْنَاهُ الرَّشَادَ كَطَاعَةِ مَنْ مَثَلُهُ مَثَلُ مَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ مُتَرَدِّدٌ لَا يَعْرِفُ الْمَخْرَجَ مِنْهَا، فِي دُعَاءِ هَذَا إِلَى تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْلِيلِ مَا أَحَلَّ، وَتَحْلِيلِ هَذَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِهِ مَا أَحَلَّ؟ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا مَعْرُوفَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَاهُ اللَّهُ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا: فَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي هَوْذَةَ، عَنْ شُعَيْبٍ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ ، قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] قَالَ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمَيْتُ الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا: فَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ تَيْمٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ تَيْمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ : عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] : أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي الْآيَةِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قَالَ: ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122] قَالَ: هُدًى، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122] قَالَ: فِي الضَّلَالَةِ أَبَدًا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ : هَدَيْنَاهُ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] : «فِي الضَّلَالَةِ أَبَدًا»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ قَالَ: «ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ يَعْنِي: مَنْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122] يَعْنِي بِالنُّورِ: الْقُرْآنَ، مَنْ صَدَّقَ بِهِ وَعَمِلَ بِهِ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] يَعْنِي بِالظُّلُمَاتِ: الْكُفْرَ وَالضَّلَالَةَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يَقُولُ: " الْهُدَى يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يَقُولُ: فَهُوَ الْكَافِرُ يَهْدِيهِ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ يَقُولُ: كَانَ مُشْرِكًا فَهَدَيْنَاهُ، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ : " هَذَا الْمُؤْمِنُ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَبَيِّنَةٌ يَعْمَلُ بِهَا وَيَأْخُذُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي: كِتَابُ اللَّهِ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122] : وَهَذَا مَثَلُ الْكَافِرِ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا مُتَسَكِّعٌ، لَا يَجِدُ مَخْرَجًا وَلَا مَنْفَذًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يَقُولُ: " مَنْ كَانَ كَافِرًا فَجَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، يَقُولُ: هَذَا كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ، يَعْنِي الشِّرْكَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122] قَالَ: " الْإِسْلَامُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] : لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَرَأَ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257] ، قَالَ: وَالنُّورُ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَا فِي بَيْتِهِ وَيُبْصِرُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ هَذَا النُّورَ يَسْتَضِيءُ بِهِ فِي دِينِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ فِي نُورِهِ كَمَا يَسْتَضِيءُ صَاحِبُ هَذَا السِّرَاجِ.
قَالَ: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: 122] لَا يَدْرِي مَا يَأْتِي، وَلَا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا خَذَلْتُ هَذَا الْكَافِرَ الَّذِي يُجَادِلُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَكْلِ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ عَنِ الْحَقِّ، فَزَيَّنْتُ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، فَرَآهُ حَسَنًا لِيَسْتَحِقَّ بِهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ،

كَذَلِكَ زَيَّنْتُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، لِيَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَا لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِنَ النَّكَالِ

وَفِي هَذَا أَوْضَحُ الْبَيَانِ عَلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ الْأُمُورَ إِلَى خَلْقِهِ فِي أَعْمَالِهِمْ فَلَا صُنْعَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَأَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا، لَكَانَ قَدْ زَيَّنَ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ نَظِيرَ مَا زَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ.
وَزَيَّنَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ نَظِيرَ الَّذِي زَيَّنَ مِنْهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
وَفِي إِخْبَارِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ زَيَّنَ لِكُلِّ عَامِلٍ مِنْهُمْ عَمَلَهُ مَا يُنْبِئُ عَنْ تَزْيِينِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَخَصَّ أَعْدَاءَهُ وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِتَزْيِينِ الْكُفْرِ لَهُمْ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَالطَّاعَةَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِميِهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: 123] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا بِكُلِّ قَرْيَةٍ عُظَمَاءَهَا مُجْرِميِهَا، يَعْنِي: أَهْلَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْمَعْصِيَةِ لَهُ، ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾

[الأنعام: 123] بِغُرُورٍ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ بِبَاطِلٍ مِنَ الْفِعْلِ بِدِينِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 123] : أَيْ مَا يَحِيقُ مَكْرُهُمْ ذَلِكَ ﴿إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: 123] ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ وَرَاءِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِهِ.
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَقُولُ: لَا يَدْرُونَ مَا قَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهِ، فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَلَى اللَّهِ يَتَمَادَوْنَ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي

نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 123] قَالَ: «عُظَمَاءَهَا» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 123] قَالَ: «عُظَمَاءَهَا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ» . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 123] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124] «بِدِينِ اللَّهِ وَبِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ» وَالْأَكَابِرُ: جَمْعُ أَكْبَرَ، كَمَا الْأَفَاضِلُ: جَمْعُ أَفْضَلَ.
وَلَوْ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ كَبِيرٍ، فَجَمْعُ أَكَابِرَ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ أَكْبَرُ، كَمَا قِيلَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: 103] ، وَاحِدُهُمُ الْخَاسِرُ لَكَانَ صَوَابًا.
وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: الْأَكَابِرَةُ وَالْأَصَاغِرَةُ، وَالْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ بِغَيْرِ الْهَاءِ عَلَى نِيَّةِ النَّعْتِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ أَفْضَلُ مِنْكَ.
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِمَا جَاءَ مِنَ النُّعُوتِ عَلَى (أَفْعَلَ) إِذَا أَخْرَجُوهَا إِلَى الْأَسْمَاءِ، مِثْلُ جَمْعِهِمُ الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ: الْأَحَامِرَ وَالْأَحَامِرَةَ، وَالْأَسَاوِدَ وَالْأَسَاوِدَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل]

إِنَّ الْأَحَامِرَةَ الثَّلَاثَةَ أَهْلَكَتْ ... مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعَا الْخَمْرُ وَاللَّحْمُ السَّمِينُ أُدِيمُهُ ... وَالزَّعْفَرَانُ فَلَنْ أَزَالَ مُبَقَّعَا وَأَمَّا الْمَكْرُ: فَإِنَّهُ الْخَدِيعَةُ وَالِاحْتِيَالُ لِلْمَمْكُورِ بِهِ بِالْقَدَرِ لِيُوَرِّطَهُ الْمَاكِرُ بِهِ مَكْرُوهًا مِنَ الْأَمْرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ

فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿آيَةٌ﴾ [البقرة: 106] يَعْنِي: حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَحَقِيقَتِهِ، قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ [البقرة: 55] يَقُولُ: يَقُولُونَ: لَنْ نُصَدِّقَ بِمَا دَعَانَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْنَا، ﴿حَتَّى نُؤْتَى﴾ [الأنعام: 124] يَعْنُونَ: حَتَّى يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مِثْلَ الَّذِي أَعْطَى مُوسَى مِنْ فَلْقِ الْبَحْرِ، وَعِيسَى مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لَمْ يُعْطَهَا مِنَ الْبَشَرِ إِلَّا رَسُولٌ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ مِنْهُمْ فَيُعْطَوْهَا.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَنَا أَعْلَمُ بِمَوَاضِعِ رِسَالَاتِي وَمَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ، فَلَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا

الْمُشْرِكُونَ أَنْ تَتَخَيَّرُوا ذَلِكَ عَلَيَّ أَنْتُمْ، لِأَنَّ تَخَيُّرَ الرَّسُولِ إِلَى الْمُرْسِلِ دُونَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا أَرْسَلَ رِسَالَةً بِمَوْضِعِ رِسَالَاتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُعَلِّمَهُ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهَؤُلَاءِ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِ: سَيُصِيبُ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي اكْتَسَبُوا الْإِثْمَ بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ ﴿صَغَارٌ﴾ [الأنعام: 124] يَعْنِي: ذِلَّةٌ

وَهَوَانٌ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124] قَالَ: الصَّغَارُ: الذِّلَّةُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَغِرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وَصَغَرًا، وَهُوَ أَشَدُّ الذُّلِّ "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 124] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: سَيَأْتِينِي رِزْقِي عِنْدَ اللَّهِ، بِمَعْنَى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُرَادُ بِذَلِكَ: سَيَأْتِينِي الَّذِي لِي عِنْدَ اللَّهِ.
وَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) أَنْ يَقُولَ: (جِئْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) بِمَعْنَى: جِئْتُ

مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ مَعْنَى (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) : سَيُصِيبُهُمُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الذُّلِّ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَظِيرِ (جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ) . وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124] يَقُولُ: يُصِيبُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُسْتَحِلِّينَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَيْتَةِ مَعَ

الصَّغَارِ، عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْجِدَالِ بِالْبَاطِلِ وَالزُّخْرُفِ مِنَ الْقَوْلِ غُرُورًا لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: 125] لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ فَيُوَفِّقُهُ

لَهُ، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125] يَقُولُ: فَسَّحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَهَوَّنَهُ عَلَيْهِ وَسَهَّلَهُ لَهُ بِلُطْفِهِ وَمَعُونَتِهِ، حَتَّى يَسْتَنِيرَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ، فَيُضِيءُ لَهُ وَيَتَّسِعُ لَهُ صَدْرُهُ بِالْقَبُولِ.
كَالَّذِي جَاءَ الْأَثَرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الَّذِي حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125] قَالُوا: كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟ قَالَ: «إِذَا نَزَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ وَانْفَسَحَ» . قَالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ آيَةٌ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْفَوْتِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا» . قَالَ: وَسُئِلَ

النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125] قَالُوا: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ» ، قَالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: «الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ كَانَ يَسْكُنُ الْمَدَائِنَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125] قَالَ: «نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَنْشَرِحُ وَيَنْفَسِحُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَهُ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ " ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثَ مِثْلَهُ

جارٍ التحميل