وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6] يَقُولُ: وَصَيَّرْنَاكُمْ أَكْثَرَ عَدَدٍ نَافِرٍ مِنْهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْصِيُّ أَبُو الصَّلْتِ الطَّائِيُّ، قَالَ: ثنا سَلَامَةُ بْنُ حَوَّاسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الْمَازِنِيِّ، قَالَ: وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: «سَيَعِيشُ هَذَا الْغُلَامُ قَرْنًا» قُلْتُ: كَمِ الْقَرْنُ؟ قَالَ: «مِائَةُ سَنَةٍ» حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا سَلَامَةُ بْنُ حَوَّاسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: مَا زِلْنَا نَعُدُّ لَهُ حَتَّى تَمَّتْ مِائَةُ سَنَةٍ ثُمَّ مَاتَ قَالَ أَبُو الصَّلْتٍ: أَخْبَرَنِي سَلَامَةُ
أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ هَذَا كَانَ خَتَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ [الإسراء: 17] أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ [الإسراء: 17] وَهُوَ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَكَفَاكَ رَبُّكَ، وَحَسْبُكَ رَبُّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا، دَلَالَةٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ كَلَامٍ كَانَ بِمَعْنَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ، تُدْخِلُ فِي الِاسْمِ الْبَاءَ وَالِاسْمُ الْمُدْخَلَةُ عَلَيْهِ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ
لِتَدُلَّ بِدُخُولِهَا عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ كَقَوْلِهِمْ: أَكْرِمْ بِهِ رَجُلًا، وَنَاهِيكَ بِهِ رَجُلًا، وَجَادَ بِثَوْبِكَ ثَوْبًا، وَطَابَ بِطَعَامِكُمْ طَعَامًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَوْ أُسْقِطَتِ الْبَاءُ مِمَّا دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ رُفِعَتْ، لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَيُخْبِرُنِي عَنْ غَائِبِ الْمَرْءِ هَدْيُهُ ... كَفَى الْهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ الْمَرْءُ مُخْبِرَا فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَدْحٌ أَوْ ذَمٌّ فَلَا يُدْخِلُونَ فِي الِاسْمِ الْبَاءَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَامَ بِأَخِيكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: قَامَ أَخُوكَ، إِلَّا أَنْ تُرِيدَ: قَامَ رَجُلٌ آخَرُ بِهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ كَانَ طَلَبُهُ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةَ وَلَهَا يَعْمَلُ وَيَسْعَى، وَإِيَّاهَا
يَبْتَغِي، لَا يُوقِنُ بِمَعَادٍ وَلَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا مِنْ رَبِّهِ عَلَى عَمَلِهِ ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18] يَقُولُ: يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا مَا يَشَاءُ مِنْ بَسْطِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ، أَوْ تَقْتِيرُهَا لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَوْ إِهْلَاكَهُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ عُقُوبَاتِهِ.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ [الإسراء: 18] يَقُولُ: ثُمَّ أَصْلَيْنَاهُ عِنْدَ مَقْدَمِهِ عَلَيْنَا فِي الْآخِرَةِ جَهَنَّمَ ﴿مَذْمُومًا﴾ [الإسراء: 18] عَلَى قِلَّةِ شُكْرِهِ إِيَّانَا وَسُوءِ صَنِيعِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ أَيَادِينَا عِنْدَهُ فِي الدُّنْيَا ﴿مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: 18] يَقُولُ: مُبْعَدًا: مُقْصًى فِي النَّارِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18] يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَسَدَمَهُ وَطِلْبَتَهُ وَنِيَّتَهُ عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، ثُمَّ اضْطَرَّهُ إِلَى جَهَنَّمَ.
قَالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18] مَذْمُومًا فِي نِعْمَةِ اللَّهِ مَدْحُورًا فِي نِقْمَةِ اللَّهِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني أَبُو طَيْبَةَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَصِيصَةِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ، يَقُولُ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18] قَالَ: لِمَنْ نُرِيدُ هَلَكَتَهُ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿مَذْمُومًا﴾ [الإسراء: 18] يَقُولُ: مَلُومًا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18] قَالَ: الْعَاجِلَةُ: الدُّنْيَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَإِيَّاهَا طَلَبَ، وَلَهَا عَمِلَ عَمِلَهَا الَّذِي هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَمَا يُرْضِيهِ عَنْهُ، وَأَضَافَ السَّعْيَ إِلَى الْهَاءِ وَالْأَلِفِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْآخِرَةِ، فَقَالَ: وَسَعَى
لِلْآخِرَةِ سَعْيَ الْآخِرَةِ، وَمَعْنَاهُ: وَعَمِلَ لَهَا عَمَلَهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهُ لَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، يَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِثَوَابِ اللَّهِ، وَعَظِيمِ جَزَائِهِ عَلَى سَعْيِهِ لَهَا، غَيْرُ مُكَذِّبٍ بِهِ تَكْذَيبَ مَنْ أَرَادَ الْعَاجِلَةَ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ [البقرة: 81] يَعْنِي: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ﴾ [الإسراء: 19] يَعْنِي عَمَلَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﴿مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19] وَشُكْرُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى سَعْيِهِمْ ذَلِكَ حُسْنُ جَزَائِهِ لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَتَجَاوُزُهُ لَهُمْ عَنْ سَيِّئِهَا بِرَحْمَتِهِ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19] شَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَمُدُّ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ مُرِيدِي الْعَاجِلَةِ وَمُرِيدِي
الْآخِرَةِ، السَّاعِي لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ عَطَائِهِ فَيَرْزُقُهُمَا جَمِيعًا مِنْ رِزْقِهِ إِلَى بُلُوغِهِمَا الْأَمَدَ وَاسْتِيفَائِهِمَا الْأَجَلَ مَا كَتَبَ لَهُمَا، ثُمَّ تَخْتَلِفُ بِهِمَا الْأَحْوَالُ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَتَفْتَرِقُ بِهِمَا بَعْدَ الْوُرُودِ الْمَصَادِرُ، فَفَرِيقُ مُرِيدِي الْعَاجِلَةِ إِلَى جَهَنَّمَ مَصْدَرُهُمْ، وَفَرِيقُ مُرِيدِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ مَآبُهُمْ ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] يَقُولُ: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ الَّذِي يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا مَمْنُوعًا عَمَّنْ بَسَطَهُ عَلَيْهِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] أَيْ مَنْقُوصًا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمَ الدُّنْيَا بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْآخِرَةُ خُصُوصًا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] قَالَ: مَنْقُوصًا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سَهْلُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ السَّرَّاجُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20] قَالَ: كُلًّا نُعْطِي مِنَ الدُّنْيَا الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: 18] . . الْآيَةَ ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ [الإسراء: 19] . . ثُمَّ قَالَ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَيَرْزُقُ مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا، وَيَرْزُقُ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] قَالَ: مَمْنُوعًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ [الإسراء: 20] أَهْلُ الدُّنْيَا وَأَهْلُ الْآخِرَةِ ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] قَالَ: مَمْنُوعًا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ [الإسراء: 20] أَهْلُ الدُّنْيَا وَأَهْلُ الْآخِرَةِ ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] مِنْ بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ، قَالَ: وَالْمَحْظُورُ: الْمَمْنُوعُ، وَقَرَأَ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ إِلَى هَذَيْنِ
الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ هَمُّ أَحَدِهِمَا الدَّارُ الْعَاجِلَةُ، وَإِيَّاهَا يَطْلُبُ وَلَهَا يَعْمَلُ، وَالْآخَرُ الَّذِي يُرِيدُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَهَا يَسْعَى مُوقِنًا بِثَوَابِ اللَّهِ عَلَى سَعْيِهِ، كَيْفَ فَضَّلْنَا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، بِأَنْ بَصَّرْنَا هَذَا رُشْدَهُ، وَهَدَيْنَاهُ لِلسَّبِيلِ الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيَسَّرْنَاهُ لِلَّذِي هُوَ أَهْدَى وَأَرْشَدُ، وَخَذَلَنَا هَذَا الْآخَرُ، فَأَضْلَلْنَاهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَأَغْشَيْنَا بَصَرَهُ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ [الإسراء: 21] يَقُولُ: وَفَرِيقٌ مُرِيدٌ الْآخِرَةَ أَكْبَرُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ دَرَجَاتٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِتَفَاوُتِ مَنَازِلِهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا بِتَفْضِيلِ اللَّهِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفَرِيقِ الْآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا فِيمَا بَسَطْنَا لَهُمْ فِيهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 21] أَيْ فِي الدُّنْيَا ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21] وَإِنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ مَنَازِلَ، وَإِنَّ لَهُمْ فَضَائِلَ بِأَعْمَالِهِمْ.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كَالنَّجْمِ يُرَى فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَجْعَلْ يَا مُحَمَّدُ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي أُلُوهَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَكِنْ أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدْ لَهُ الْأُلُوهَةَ، فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَجْعَلْ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ، وَتَعْبَدُ مَعَهُ سِوَاهُ، تَقْعُدُ مَذْمُومًا، يَقُولُ: تَصِيرُ مَلُومًا عَلَى مَا ضَيَّعْتَ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ، وَتَصْيِيرِكَ الشُّكْرَ لِغَيْرِ مَنْ أَوْلَاكَ الْمَعْرُوفَ، وَفِي إِشْرَاكِكَ فِي الْحَمْدِ مَنْ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي النِّعْمَةِ عَلَيْكَ غَيْرُهُ، مَخْذُولًا قَدْ أَسْلَمَكَ رَبُّكَ لِمَنْ بَغَاكَ سُوءًا، وَإِذَا أَسْلَمَكَ رَبُّكَ الَّذِي هُوَ نَاصِرُ أَوْلِيَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْ دُونِهِ وَلِيٍّ يَنْصُرُكَ وَيَدْفَعُ عَنْكَ كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22] يَقُولُ: مَذْمُومًا فِي نِعْمَةِ اللَّهِ وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ خِطَابِ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ مَعْنِيُّ بِهِ جَمِيعَ مَنْ لَزِمَهُ التَّكْلِيفُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ حُكْمَ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ
غَيْرُهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ أَلْفَاظُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: 23] وَإِنْ كَانَ
مَعْنَى جَمِيعِهِمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا
ذِكْرُ مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] يَقُولُ: أَمَرَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ، فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: إِنَّكَ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيَّ، قَالَ الْحَسَنُ، وَكَانَ فَصِيحًا: مَا قَضَى اللَّهُ: أَيْ مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] فَقَالَ النَّاسُ: تَكَلَّمَ الْحَسَنُ فِي الْقَدَرِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] أَيْ أَمَرَ رَبُّكَ فِي أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، فَهَذَا قَضَاءُ اللَّهِ الْعَاجِلِ، وَكَانَ يُقَالُ فِي بَعْضِ الْحِكْمَةِ: مَنْ أَرْضَى وَالِدَيْهِ: أَرْضَى خَالِقَهُ، وَمَنْ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ، فَقَدْ أَسْخَطَ رَبَّهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] قَالَ: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا نُصَيْرُ بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ،
قَالَ: ثني ابْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَعْطَانِي ابْنُ عَبَّاسٍ مُصْحَفًا، فَقَالَ: هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ يَحْيَى: رَأَيْتُ الْمُصْحَفَ عِنْدَ نُصَيْرٍ فِيهِ: «وَوَصَّى رَبُّكَ» يَعْنِي: وَقَضَى رَبُّكَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] قَالَ: وَأَوْصَى رَبُّكَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] قَالَ: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: «وَوَصَّى رَبُّكَ» وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَلْصَقُوا الْوَاوَ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] يَقُولُ: وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمَا وَتَبَرُّوهُمَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَأَمَرَكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَلَمَّا حُذِفَتْ «أَنْ» تَعَلَّقَ الْقَضَاءُ بِالْإِحْسَانِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: آمُرُكَ بِهِ خَيْرًا، وَأُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا، بِمَعْنَى: آمُرُكَ أَنْ تَفْعَلَ بِهِ خَيْرًا،
ثُمَّ تُحْذَفُ «أَنْ» فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْخَيْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز]
عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا
وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا
خَيْرًا بِهَا كَأَنَّنَا جَافُونَا
وَعَمِلَ يُوصِينَا فِي الْخَيْرِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَبَعْضِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ [الإسراء: 23] عَلَى التَّوْحِيدِ عَلَى تَوْجِيهِ ذَلِكَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَاحِدٌ، فَوَحَّدُوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ [الإسراء: 23] لِتَوْحِيدِهِ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23] مَعْطُوفًا عَلَى الْأَحَدِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ (إِمَّا يَبْلُغَانِ) عَلَى التَّثْنِيَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا، وَقَالُوا: قَدْ ذُكِرَ الْوَالِدَانِ قَبْلَ، وَقَوْلُهُ: «يَبْلُغَانِ» خَبَرٌ عَنْهُمَا بَعْدَ مَا قَدَّمَ أَسْمَاءَهُمَا.
قَالُوا: وَالْفِعْلُ إِذَا جَاءَ بَعْدَ الِاسْمِ كَانَ الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ.
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اثْنَيْنِ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ.
قَالُوا: وَقَوْلُهُ ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَمَا قِيلَ: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] وَكَقَوْلِهِ ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: 62] ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 59]
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ [الإسراء: 23] عَلَى التَّوْحِيدِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنِ الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ فِي الْوَالِدَيْنِ، قَدْ تَنَاهَى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] ثُمَّ ابْتَدَأَ قَوْلُهُ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23]