وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6] قَالَ: «غَيْرُ مَحْسُوبٍ» وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَنْقُوصٍ، كَمَا كَانَ لَهُ أَيَّامَ صِحَّتِهِ وَشَبَابِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَنِينٌ: إِذَا كَانَ ضَعِيفًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ
يَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ، وَلَا خَطَأٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾ [التين: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا، بِالدِّينِ، يَعْنِي: بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا بَعَثَكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَأَنَّ اللَّهَ
يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ؟ قَالُوا: مَا فِي مَعْنَى مِنْ، لِأَنَّهُ عُنِيَ بِهِ ابْنُ آدَمَ، وَمَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: 7] أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ﴿بَعْدُ﴾ [البقرة: 27] هَذِهِ الْحُجَجِ ﴿بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: 9]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] عُنِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَمَّنْ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] قُلْتُ: يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْإِنْسَانَ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] أَعُنِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] : " إِنَّمَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ، يَقُولُ: خَلَقْتُكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بَعْدُ بِالدِّينِ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ لَهُ: اسْتَيْقِنْ مَعَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْبَيَانِ، أَنَّ اللَّهَ أَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] : أَيِ: اسْتَيْقِنْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ الْبَيَانُ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى مَا مَعْنَى مَنْ.
وَوَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى: فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ؟ يَعْنِي: بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَمُجَازَاتِهِ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى: فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ خَلْقُنَا الْإِنْسَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْحِسَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] قَالَ: «الْحِسَابُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: بِحُكْمِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] يَقُولُ: «مَا يُكَذِّبُكَ بِحُكْمِ اللَّهِ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الدِّينُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي الدِّينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
وَلَا أَعْرِفُ مِنْ مَعَانِي الدِّينِ الْحُكْمَ فِي كَلَامِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِذَلِكَ: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ أَنْ تُطِيعَهُ فِيهِ؟ فَيَكُونَ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِأَحْكَمِ مِنْ حَكَمَ فِي أَحْكَامِهَ، وَفَصْلِ قَضَائِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا قَالَ: بَلَى
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ: " بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبَلَى»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ إِذَا تَلَا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] قَالَ: «بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» أَحْسِبُهُ كَانَ يَرْفَعُ ذَلِكَ؛ وَإِذَا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] قَالَ: «بَلَى» ، وَإِذَا تَلَا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50] قَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ»