تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 522-526

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ

صفحات 522-526
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6] قَالَ: «غَيْرُ مَحْسُوبٍ» وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَنْقُوصٍ، كَمَا كَانَ لَهُ أَيَّامَ صِحَّتِهِ وَشَبَابِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ مَنِينٌ: إِذَا كَانَ ضَعِيفًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط] أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ ... مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلَا سَرَفُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ، وَلَا خَطَأٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾ [التين: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا، بِالدِّينِ، يَعْنِي: بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا بَعَثَكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَأَنَّ اللَّهَ

يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ؟ قَالُوا: مَا فِي مَعْنَى مِنْ، لِأَنَّهُ عُنِيَ بِهِ ابْنُ آدَمَ، وَمَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: 7] أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ﴿بَعْدُ﴾ [البقرة: 27] هَذِهِ الْحُجَجِ ﴿بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: 9]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] عُنِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَمَّنْ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] قُلْتُ: يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْإِنْسَانَ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] أَعُنِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] : " إِنَّمَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ، يَقُولُ: خَلَقْتُكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بَعْدُ بِالدِّينِ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ لَهُ: اسْتَيْقِنْ مَعَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْبَيَانِ، أَنَّ اللَّهَ أَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] : أَيِ: اسْتَيْقِنْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ الْبَيَانُ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى مَا مَعْنَى مَنْ.
وَوَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى: فَمَنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ؟ يَعْنِي: بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَمُجَازَاتِهِ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى: فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ خَلْقُنَا الْإِنْسَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْحِسَابِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] قَالَ: «الْحِسَابُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: بِحُكْمِ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] يَقُولُ: «مَا يُكَذِّبُكَ بِحُكْمِ اللَّهِ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الدِّينُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي الدِّينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
وَلَا أَعْرِفُ مِنْ مَعَانِي الدِّينِ الْحُكْمَ فِي كَلَامِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِذَلِكَ: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْكَ أَنْ تُطِيعَهُ فِيهِ؟ فَيَكُونَ ذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ بِأَحْكَمِ مِنْ حَكَمَ فِي أَحْكَامِهَ، وَفَصْلِ قَضَائِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا قَالَ: بَلَى

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَهَا قَالَ: " بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبَلَى»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ إِذَا تَلَا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] قَالَ: «بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» أَحْسِبُهُ كَانَ يَرْفَعُ ذَلِكَ؛ وَإِذَا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] قَالَ: «بَلَى» ، وَإِذَا تَلَا: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50] قَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ»

جارٍ التحميل