وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32] يَقُولُ: وَاللَّهُ مُظْهِرٌ دِينَهُ، نَاصِرٌ رَسُولَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، يَعْنِي بِبَيَانِ الْحَقِّ وَدِينِ الْحَقِّ يَعْنِي: وَبِدِينِ اللَّهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] يَقُولُ: لِيُظْهِرَ دِينَهُ الْحَقَّ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ سِوَاهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَحِينَ تَصِيرُ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً، فَلَا يَكُونُ دِينٌ غَيْرَ الْإِسْلَامِ.
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ ثَابِتِ بْنِ هُرْمُزٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] قَالَ: خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا
الْمَوْضِعِ
وَقَدْ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا الْأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» . فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] الْآيَةَ، أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ تَامًّا، فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءُ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَيَتَوَفَّى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[الصف: 10] مُوجِعٍ، وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا تِلْكَ التِّجَارَةُ الَّتِي تُنْجِينَا مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَقَالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: 11] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ قِيلَ لَهُمْ: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104] بِوَصْفِهِمْ بِالْإِيمَانِ؟ فَإِنَّ الْجَوَابَ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ جَوَابِنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: 136] وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ ذَلِكَ، فِي مَوْضِعِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتُجَاهِدُونَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَطَرِيقِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 54] يَقُولُ: إِيمَانُكُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادُكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ تَضْيِيعِ ذَلِكَ وَالتَّفْرِيطِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 184] مَضَارَّ الْأَشْيَاءِ وَمَنَافِعَهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «آمِنُوا بِاللَّهِ» عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ، وَبُيِّنَتِ التِّجَارَةُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ [الصف: 10] وَفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: 59] وَلَمْ يَقُلْ: أَنْ تُؤْمِنُوا، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا فَسَّرَتِ الِاسْمَ بِفِعْلٍ تُثْبِتُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ أَحْيَانًا، وَتَطْرَحُهَا أَحْيَانًا، فَتَقُولُ لِلرَّجُلِ: هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ تَقُومُ بِنَا إِلَى فُلَانٍ فَنَعُودُهُ؟ هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ أَنْ تَقُومَ إِلَى فُلَانٍ فَنَعُودَهُ؟ بِأَنْ وَبِطَرْحِهَا.
وَمِمَّا جَاءَ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا﴾ [عبس: 25] وَإِنَّا؛ فَالْفَتْحُ فِي أَنَّا لُغَةُ مَنْ أَدْخَلَ فِي يَقُومَ أَنْ مِنَ قَوْلِهِمْ: هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ أَنْ تَقُومَ، وَالْكَسْرُ فِيهَا لُغَةُ مَنْ يُلْقِي أَنْ مِنَ تَقُومُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةَ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: 51] وَإِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ، عَلَى مَا بَيَّنَّا.
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ [الصف: 10] الْآيَةُ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَهَا، وَدَلَّ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنِينَ، لَتَلَهَّفَ عَلَيْهَا رِجَالٌ أَنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهَا، حَتَّى يَضِنُّوا بِهَا وَقَدْ دَلَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَأَعْلَمَكُمْ إِيَّاهَا فَقَالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 11]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: 11] قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّنَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَسْتُرُ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ ذُنُوبَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَيَصْفَحُ عَنْكُمْ وَيَعْفُو ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الصف: 12] يَقُولُ: وَيُدْخِلْكُمْ بَسَاتِينَ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة: 72] يَقُولُ: وَيُدْخِلْكُمْ أَيْضًا مَسَاكِنَ طَيِّبَةً.
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] يَعْنِي فِي بَسَاتِينَ إِقَامَةٍ، لَا ظَعْنَ عَنْهَا.