تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 135-145

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 135-145
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: " تَقْتُلُونَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] فَإِنَّهُ يَعْنِي: بِحُكْمِي وَقَضَائِي لَكُمْ بِذَلِكَ وَتَسْلِيطِي إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 152] «بِإِذْنِي وَتَسْلِيطِي أَيْدِيكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَفِّي أَيْدِيهِمْ عَنْكُمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] حَتَّى إِذَا جَبُنْتُمْ وَضَعُفْتُمْ، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرُ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: وَاخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ؛ يَقُولُ: وَعَصَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ نَبِيَّكُمْ، فَتَرَكْتُمْ أَمْرَهُ، وَمَا عَهِدَ

إِلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الرُّمَاةَ الَّذِينَ كَانَ أَمَرَهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُزُومِ مَرْكَزِهِمْ وَمَقْعَدِهِمْ مِنْ فَمِ الشِّعْبِ بِأُحُدٍ، بِإِزَاءِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ فُرْسَانِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَمَرَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ بَعْدِ الَّذِي أَرَاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ هُوَ الْهَزِيمَةُ الَّتِي كَانُوا هَزَمُوهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ تَرْكِ الرُّمَاةِ مَقَاعِدَهُمُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْعَدَهُمْ فِيهَا، وَقَبْلَ خُرُوجِ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ، وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ فِيمَا مَضَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 152] «أَيِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْأَمْرِ» ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «وَذَاكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ، فَنَسُوا الْعَهْدَ وَجَاوَزُوا وَخَالَفُوا مَا أَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْصَرَفَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ بَعْدَ مَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ مَا يُحِبُّونَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ نَاسًا مِنَ النَّاسِ - يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ - فَكَانُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُونُوا هَاهُنَا فَرُدُّوا وَجْهَ مَنْ قَدِمَنَا، وَكُونُوا حَرَسًا لَنَا مِنْ قِبَلِ ظُهُورِنَا» وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَزَمَ الْقَوْمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، اخْتَلَفَ الَّذِينَ كَانُوا جُعِلُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَمَّا رَأَوُا النِّسَاءَ مُصْعِدَاتٍ فِي الْجَبَلِ، وَرَأَوُا الْغَنَائِمَ، قَالُوا: انْطَلِقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى فَأَدْرِكُوا الْغَنِيمَةَ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَثْبُتُ مَكَانَنَا " فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152] «لِلَّذِينَ أَرَادُوا الْغَنِيمَةَ» ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] لِلَّذِينَ قَالُوا: " نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ وَنَثْبُتُ مَكَانَنَا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ فَشَلًا حِينَ تَنَازَعُوا بَيْنَهُمْ؛ يَقُولُ: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «كَانُوا قَدْ رَأَوُا الْفَتْحَ وَالْغَنِيمَةَ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: «جَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكُمْ» ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: «اخْتَلَفْتُمْ وَعَصَيْتُمْ» ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] " وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ غَنَائِمِهِمْ شَيْئًا حَتَّى تَفْرُغُوا» فَتَرَكُوا أَمْرَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَصَوْا، وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ، وَنَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ، وَخَالَفُوا إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَانْصَرَفَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاهُمْ فِيهِمْ

مَا يُحِبُّونَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْفَشَلُ: الْجُبْنُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «مِنَ الْفَتْحِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] «أَيْ تَخَاذَلْتُمْ» ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 152] «أَيِ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِي» ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152] «أَيْ تَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَهِدَ إِلَيْكُمْ، يَعْنِي الرُّمَاةَ» ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «أَيِ الْفَتْحَ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَزِيمَةَ الْقَوْمِ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] «يَعْنِي مِنَ الْفَتْحِ» وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152] حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ فَشِلْتُمْ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ، إِنَّهُ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَإِنَّ الْوَاوَ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ،

وَمَعْنَاهَا: السَّقُوطُ كَمَا قُلْنَا فِي: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: 104] ، مَعْنَاهُ: نَادَيْنَاهُ، وَهَذَا مَقُولٌ فِي «حَتَّى إِذَا» وَفِي «فَلَمَّا أَنْ» ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: 96] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 97] وَمَعْنَاهُ: اقْتَرَبَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] حَتَّى إِذَا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... وَرَأَيْتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ لَنَا ... إِنَّ اللَّئِيمَ الْعَاجِزُ الْخِبُّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152] الَّذِينَ تَرَكُوا مَقْعَدَهُمُ الَّذِي أَقْعَدَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ لِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَحِقُوا بِمُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ طَلَبَ النَّهْبِ إِذْ رَأَوْا هَزِيمَةَ

الْمُشْرِكِينَ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي بِذَلِكَ: الَّذِينَ ثَبَتُوا مِنَ الرُّمَاةِ فِي مَقَاعِدِهِمُ الَّتِي أَقْعَدَهُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ، مُحَافَظَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ،

عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكِمُ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] " فَالَّذِينَ انْطَلَقُوا يُرِيدُونَ الْغَنِيمَةَ، هُمْ أَصْحَابُ الدُّنْيَا وَالَّذِينَ بَقُوا، وَقَالُوا: لَا نُخَالِفُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادُوا الْآخِرَةَ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] " فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ طَائِفَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «كُونُوا مَسْلَحَةً لِلنَّاسِ» بِمَنْزِلَةٍ أَمَرَهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا بِهَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مَكَانَهُمْ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَلَمَّا لَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هَزَمَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَمَّا رَأَى الْمَسْلَحَةُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هَزَمَ الْمُشْرِكِينَ، انْطَلَقَ بَعْضُهُمْ وَهُمْ يَتَنَادَوْنَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ لَا تَفُتْكُمْ وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ مَكَانَهُمْ، وَقَالُوا: لَا نُرِيمُ مَوْضِعَنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]

فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «مَا شَعُرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَعَرَضَهَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ

ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ الرُّمَاةُ: أَدْرِكُوا النَّاسَ وَنَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسْبِقُوكُمْ إِلَى الْغَنَائِمِ فَتَكُونَ لَهُمْ دُونَكُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُرِيمُ حَتَّى يَأْذَنَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَعَرَضَهَا حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152] «هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحُوزُونَ الْغَنَائِمَ» ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ»

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى نَزَلَ فِينَا يَوْمَ أُحُدٍ» : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ مِنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أَحَدًا يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى قَالَ اللَّهُ مَا قَالَ»

حُدِّثْتُ عَنِ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ

بْنُ مَسْعُودٍ " لَمَّا رَآهُمْ وَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ الْيَوْمُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «مَا شَعُرْتُ أَنَّ أَحَدًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَعَرَضَهَا حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 152] «أَيِ الَّذِينَ أَرَادُوا النَّهْبَ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَتَرَكَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي عَلَيْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ» ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] «أَيِ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي اللَّهِ لَمْ يُخَالِفُوا إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا رَغْبَةً فِي رَجَاءِ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ فِيهِمْ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ هَزِيمَتِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَظُهُورِكُمْ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ وُجُوهَكُمْ عَنْهُمْ لِمَعْصِيَتِكُمْ أَمْرَ رَسُولِي، وَمُخَالَفَتِكُمْ طَاعَتَهُ، وَإِيثَارَكُمُ الدُّنْيَا

عَلَى الْآخِرَةِ؛ عُقُوبَةً لَكُمْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ، لِيَبْتَلِيَكُمْ، يَقُولُ: لِيَخْتَبِرَكُمْ، فَيَتَمَيَّزَ الْمُنَافِقُ مِنْكُمْ مِنَ الْمُخْلِصِ، الصَّادِقُ فِي إِيمَانِهِ مِنْكُمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ثُمَّ ذَكَرَ حِينَ مَالَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: " صَرَفَ الْقَوْمَ عَنْهُمْ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِعِدَّةِ مَنْ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ؟» ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128] الْآيَةَ، فَقَالُوا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَنَا النَّصْرَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: 152] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152] «أَيْ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَذَلِكَ بِبَعْضِ ذُنُوبَكُمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152] وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ أَيُّهَا الْمُخَالِفُونَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّارِكُونَ طَاعَتَهُ، فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ مِنْ لُزُومِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِلُزُومِهِ عَنْكُمْ، فَصَفَحَ لَكُمْ مِنْ

عُقُوبَةِ ذَنْبِكُمُ الَّذِي أَتَيْتُمُوهُ عَمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا عَاقَبَكُمْ بِهِ مِنْ هَزِيمَةِ أَعْدَائِكُمْ إِيَّاكُمْ، وَصَرَفَ وُجُوهَكُمْ عَنْهُمْ إِذْ لَمْ يْسَتَأْصِلْ جَمْعَكُمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ: " وَكَيْفَ عَفَا عَنْهُمْ وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، وَقُتِلَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ؟ قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ إِذْ عَصَيْتُمُونِي أَنْ لَا أَكُونَ اسْتَأْصَلْتُكُمْ.
قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ: هَؤُلَاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ غِضَابٌ لِلَّهِ، يُقَاتِلُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَصَنَعُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا تُرِكُوا حَتَّى غُمُّوا بِهَذَا الْغَمِّ، فَأَفْسَقُ الْفَاسِقِينَ الْيَوْمَ يَتَجَرَّأُ عَلَى كُلِّ كَبِيرَةٍ، وَيَرْكَبُ كُلَّ دَاهِيَةٍ، وَيَسْحَبُ عَلَيْهَا ثِيَابَهُ، وَيَزْعُمُ أَنْ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152] قَالَ: «لَمْ يَسْتَأْصِلْكُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152] «وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ لَمْ يُهْلِكُّمْ بِمَا أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ نَبِيِّكُمْ، وَلَكِنْ عُدْتُ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ ذُو طَوْلٍ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْ كَثِيرِ مَا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَإِنْ عَاقَبَهُمْ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، فَذُو إِحْسَانٍ إِلَيْهِمْ بِجَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152] يَقُولُ: «وَكَذَلِكَ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ عَاقَبَهُمْ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا أَدَبًا وَمَوْعِظَةً، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْصِلٍ لِكُلِ مَا فِيهِمْ مِنَ الْحَقِّ لَهُ عَلَيْهِمْ، لِمَا أَصَابُوا مِنْ مَعْصِيَتِهِ؛ رَحْمَةً لَهُمْ، وَعَائِدَةً عَلَيْهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِذْ لَمْ يَسَتَأْصِلْكُمْ، إِهْلَاكًا مِنْهُ جَمْعَكُمْ بِذُنُوبِكُمْ،

وَهَرَبِكُمْ؛ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: 153] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ سِوَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: 153] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَبِهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ، وَاسْتِنْكَارِهِمْ مَا خَالَفَهُ

وَرُوِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: (إِذْ تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ

فَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: 153] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ انْهَزَمُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ أَخَذُوا فِي الْوَادِي هَارِبِينَ.
وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي»

جارٍ التحميل