سُورَةُ السَّجْدَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
جَعَلَ الْخَلْقَ نَصَبًا بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقًا مِنْهُ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
وَظَعْنِي إِلَيْكِ اللَّيْلَ حِضْنَيْهِ إِنَّنِي ... لِتِلْكَ إِذَا هَابَ الْهِدَانُ فَعُولُ
يَعْنِي: وَظَعْنِي حِضْنَيِ اللَّيْلِ إِلَيْكِ؛ ونظيرُ قَوْلِ الْآخَرِ:
[البحر البسيط]
كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى أَدْحَالِ دَبَّابِ
أَيْ كَأَنَّ ثَنَايَا هِنْدٍ وَبَهْجَتَهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَبَدَأَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة: 8] يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: 12] يَقُولُ: مِنَ الْمَاءِ الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَعْنِي مِنْ إِرَاقَةٍ مِنْ مَائِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كَانَ غَيْرَ حَصِينِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] يَقُولُ: مَنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ رَقِيقَةٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] وَهُوَ خَلْقُ آدَمَ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة: 8] : أَيْ ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] وَالسُّلَالَةُ هِيَ الْمَاءُ الْمَهِينُ الضَّعِيفُ "
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: 12] قَالَ: صَفْوُ الْمَاءِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] قَالَ: ضَعِيفٌ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ ". وَمَهِينٌ: فَعِيلٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَهُنَ فُلَانٌ، وَذَلِكَ إِذَا زَلَّ وَضَعُفَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَانَ الَّذِي بَدَأَ خَلْقَهُ مِنْ طِينٍ خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: 9] فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9] يَقُولُ: وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَبُّكُمْ بِأَنْ أَعْطَاكُمُ السَّمْعَ تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَاتَ، وَالْأَبْصَارَ تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاصَ، وَالْأَفْئِدَةَ تَعْقِلُونَ بِهَا الْخَيْرَ مِنَ السُّوءِ، لِتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا وَهَبَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ.