تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 599-601

سُورَةُ السَّجْدَةِ

صفحات 599-601
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

جَعَلَ الْخَلْقَ نَصَبًا بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقًا مِنْهُ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَيُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَظَعْنِي إِلَيْكِ اللَّيْلَ حِضْنَيْهِ إِنَّنِي ... لِتِلْكَ إِذَا هَابَ الْهِدَانُ فَعُولُ يَعْنِي: وَظَعْنِي حِضْنَيِ اللَّيْلِ إِلَيْكِ؛ ونظيرُ قَوْلِ الْآخَرِ: [البحر البسيط] كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا ... يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى أَدْحَالِ دَبَّابِ أَيْ كَأَنَّ ثَنَايَا هِنْدٍ وَبَهْجَتَهَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَبَدَأَ خَلْقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة: 8] يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: 12] يَقُولُ: مِنَ الْمَاءِ الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَعْنِي مِنْ إِرَاقَةٍ مِنْ مَائِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] فَجَاءَتْ بِهِ عَضْبَ الْأَدِيمِ غَضَنْفَرًا ... سُلَالَةَ فَرْجٍ كَانَ غَيْرَ حَصِينِ وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] يَقُولُ: مَنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفَةٍ رَقِيقَةٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7] وَهُوَ خَلْقُ آدَمَ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ [السجدة: 8] : أَيْ ذُرِّيَّتَهُ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] وَالسُّلَالَةُ هِيَ الْمَاءُ الْمَهِينُ الضَّعِيفُ "

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [المؤمنون: 12] قَالَ: صَفْوُ الْمَاءِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: 8] قَالَ: ضَعِيفٌ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ ". وَمَهِينٌ: فَعِيلٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَهُنَ فُلَانٌ، وَذَلِكَ إِذَا زَلَّ وَضَعُفَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَانَ الَّذِي بَدَأَ خَلْقَهُ مِنْ طِينٍ خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: 9] فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 9] يَقُولُ: وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَبُّكُمْ بِأَنْ أَعْطَاكُمُ السَّمْعَ تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَاتَ، وَالْأَبْصَارَ تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاصَ، وَالْأَفْئِدَةَ تَعْقِلُونَ بِهَا الْخَيْرَ مِنَ السُّوءِ، لِتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا وَهَبَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ.

جارٍ التحميل