تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا تَشِيبُ الْوِلْدَانُ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَرْبِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا تَشِيبُ الْوِلْدَانُ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَرْبِهِ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حُدِّثْتُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمَعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَعَا رَبُّنَا الْمَلِكُ آدَمَ، فَيَقُولُ: يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ آدَمُ: أَيْ رَبِّ لَا عِلْمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمْتَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَيُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ سُودًا مُقَرَّنِينَ، زُرْقًا كَالِحِينَ، فَيَشِيبُ هُنَالِكَ كُلُّ وَلِيدٍ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17] قَالَ: تَشِيبُ الصِّغَارُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ

وَقَوْلُهُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: السَّمَاءُ مُثَقَّلَةٌ بِذَلِكَ الْيَوْمِ مُتَصَدِّعَةٌ مُتَشَقِّقَةٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] يَعْنِي: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ حِينَ يَنْزِلُ الرَّحْمَنُ جَلَّ وَعَزَّ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُثَقَّلَةٌ بِهِ

حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْحِيرِيُّ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا أَبُو مَوْدُودٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُثَقَّلَةٌ مَحْزُونَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا أَبُو مَوْدُودٍ بَحْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَلِيٍّ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُثَقَّلَةٌ بِهِ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُوَقَّرَةٌ مُثَقَّلَةٌ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] يَقُولُ: مُثَقَّلَةٌ بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَيَوْمَ تَنْفَطِرُ السَّمَاءُ، وَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] وَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُمْتَلِئَةٌ بِهِ، بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ.
حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُمْتَلِئَةٌ بِهِ وَذُكِّرَتِ السَّمَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُهَا وَتُؤَنِّثُهَا، فَمَنْ ذَكَّرَهَا وَجَّهَهَا إِلَى السَّقْفِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا سَمَاءُ الْبَيْتِ: لِسَقْفِهِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَذْكِيرُهُمْ إِيَّاهَا؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا فَصْلَ فِيهَا بَيْنَ مُؤَنَّثِهَا وَمُذَكَّرِهَا؛ وَمِنَ

التَّذْكِيرِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْمًا ... لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ

وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَانَ مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنْ أَمْرٍ أَنْ يَفْعَلُهُ مَفْعُولًا، لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ، وَمَا وَعَدَ أَنْ يَفْعَلَهُ تَكْوِينُهُ يَوْمَ تَكُونُ الْوِلْدَانُ شِيبًا يَقُولُ: فَاحْذَرُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا أَمْرَ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالَهَا، وَمَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا بِأَهْلِ الْكُفْرِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [طه: 3] يَقُولُ: عِبْرَةٌ وَعِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِهَا وَاتَّعَظَ.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19] يَقُولُ: فَمَنْ شَاءَ مِنَ الْخَلْقِ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ طَرِيقًا بِالْإِيمَانِ

بِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: 19] يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19] بِطَاعَةِ اللَّهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 20] يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَقْرَبَ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا، وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ.
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةَ بِالْخَفْضِ (وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ) بِمَعْنَى: وَأَدْنَى

مِنْ نِصْفِهِ وَثُلُثِهِ، إِنَّكُمْ لَمْ تُطِيقُوا الْعَمَلَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَقُومُوا أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَمِنْ نِصْفِهِ وَثُلُثِهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالنَّصْبِ، بِمَعْنَى: إِنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَتَقُومُ نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20] يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ حِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِيَامَ اللَّيْلِ.

جارٍ التحميل