تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 391-404

سُورَةُ هُودٍ

صفحات 391-404
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: 36] قَالَ: لَا تَأْسَ وَلَا تَحْزَنْ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] وَذَلِكَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ قَالَ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ [هود: 36] يَقُولُ: فَلَا تَأْسَ وَلَا تَحْزَنْ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] فَحِينَئِذٍ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، وَأَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ، وَهُوَ السَّفِينَةُ؛ كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿الْفُلْكَ﴾ [هود: 37] : السَّفِينَةَ " وَقَوْلُهُ ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] يَقُولُ: بِعَيْنِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ كَمَا يَأْمُرُكَ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الْفُلْكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَصْنَعَهَا عَلَى مِثْلِ جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] قَالَ: كَمَا نَأْمُرُكَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
وحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] كَمَا نَأْمُرُكَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] قَالَ: بِعَيْنِ اللَّهِ "،

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] قَالَ: كَمَا نَأْمُرُكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] قَالَ: بِعَيْنِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ " وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَسْأَلْنِي فِي الْعَفْوِ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قَوْمِكَ، فَأُكْسِبُوهَا تَعَدِّيًا مِنْهُمْ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ الْهَلَاكَ بِالْغَرَقِ، إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بِالطُّوفَانِ.
كَمَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ [هود: 37] قَالَ: يَقُولُ: وَلَا تُرَاجِعْنِي.
قَالَ: تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَصْنَعُ نُوحُ السَّفِينَةَ، وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، يَقُولُ: هَزَئُوا مِنْ نُوحٍ، وَيَقُولُونَ لَهُ: أَتَحَوَّلْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَتَعْمَلُ السَّفِينَةَ فِي الْبِرِّ فَيَقُولُ لَهُمْ نُوحٌ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ [هود: 38] إِنْ تَهْزَءُوا مِنَّا الْيَوْمَ، فَإِنَّا نَهْزَأُ مِنْكُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَهْزَءُونَ مِنَّا فِي الدُّنْيَا.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 135] إِذَا عَايَنْتُمْ عَذَابَ اللَّهِ، مَنِ الَّذِي كَانَ إِلَى نَفْسِهِ مُسِيئًا مِنَّا، وَكَانَتْ صَنْعَةُ نُوحٍ السَّفِينَةَ كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، وَصَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَا:

ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: ثَنِي فَائِدٌ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ» . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَانَ نُوحٌ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ زَمَانِهِ غَرَسَ شَجَرَةً، فَعَظُمَتْ وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَعْمَلُ سَفِينَةً، وَيَمُرُّونَ فَيَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ: أَعْمَلُهَا سَفِينَةً، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي الْبِرِّ فَكَيْفَ تَجْرِي؟ فَيَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا وَفَارَ التَّنُّورُ وَكَثُرَ الْمَاءُ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمُّ صَبِيٍّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَخَرَجَتْ إِلَى الْجَبَلِ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ؛ فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ خَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْ الْجَبَلِ؛ فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ خَرَجَتْ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ؛ فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهَا حَتَّى ذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ طُولَ السَّفِينَةِ ثَلَاثُ مِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَطُولَهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَبَابَهَا فِي عَرْضِهَا»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَ طُولُ سَفِينَةِ نُوحٍ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتَّ مِائَةِ ذِرَاعٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى بِهِمْ إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ بِكَفِّهِ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا كَعْبُ حَامِ بْنِ نُوحٍ.
قَالَ: فَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ، قَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَدْ شَابَ.
قَالَ لَهُ عِيسَى: هَكَذَا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مِتُّ وَأَنَا شَابٌّ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ، فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ.
قَالَ: حَدِّثْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِئَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتَّ مِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَطَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوَحْشُ، وَطَبَقَةُ فِيهَا الْإِنْسُ، وَطَبَقَةُ فِيهَا الطَّيْرُ.
فَلَمَّا كَثُرَ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ أَنِ اغْمِزْ ذَنَبِ الْفِيلِ فَغَمَزَهُ فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ، فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ.
فَلَمَّا وَقَعَ الْفَأْرُ بِحَبْلِ السَّفِينَةِ يَقْرِضُهُ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى

نُوحٍ أَنِ اضْرِبْ بَيْنَ عَيْنَيِ الْأَسَدِ فَخَرَجَ مِنْ مَنْخَرِهِ سُنُّورٌ وَسُنُّورَةٌ، فَأَقْبَلَا عَلَى الْفَأْرِ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: كَيْفَ عَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ؟ قَالَ: بَعَثَ الْغُرَابَ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَوَجَدَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ، فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ الْحَمَامَةَ فَجَاءَتْ بِوَرَقِ زَيْتُونِ بِمِنْقَارِهَا وَطِينٍ بِرِجْلَيْهَا، فَعَلِمَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ، قَالَ: فَطَوَّقَهَا الْخُضْرَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا، وَدَعَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي أُنْسٍ وَأَمَانٍ، فَمِنْ ثَمَّ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ.
قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى أَهْلِينَا، فَيَجْلِسُ مَعَنَا، وَيُحَدِّثُنَا؟ قَالَ: كَيْفَ يَتَّبِعُكُمْ مَنْ لَا رِزْقَ لَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: عُدْ بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالَ: فَعَادَ تُرَابًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: " أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ فَيَخْنِقُونَهُ حَتَّى يَغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حَتَّى إِذَا تَمَادَوْا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَعَظُمَتْ فِي الْأَرْضِ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الشَّأْنُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ مِنْهُمُ الْبَلَاءُ، وَانْتَظَرَ النَّجْلَ بَعْدَ النَّجْلِ، فَلَا يَأْتِي قَرْنٌ إِلَّا كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الْآخِرُ مِنْهُمْ لَيَقُولُ: قَدْ كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَمَعَ أَجْدَادِنَا هَكَذَا مَجْنُونًا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا.
حَتَّى شَكَا ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ نُوحٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 6] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، حَتَّى قَالَ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
فَلَمَّا شَكَا ذَلِكَ مِنْهُمْ نُوحٌ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 37] أَيْ بَعْدَ الْيَوْمِ، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37] فَأَقْبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ الْفُلْكِ، وَلَهَى عَنْ قَوْمِهِ، وَجَعَلَ يَقْطَعُ الْخَشَبَ، وَيَضْرِبُ الْحَدِيدَ، وَيُهَيِّئُ عِدَّةَ الْفُلْكِ مِنَ الْقَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا هُوَ.
وَجَعَلَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَيَقُولُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 38] قَالَ: وَيَقُولُونَ لَهُ فِيمَا بَلَغَنِي: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَالَ: وَأَعْقَمَ اللَّهُ أَرْحَامَ النِّسَاءِ، فَلَا يُولَدُ لَهُمْ وَلَدٌ.
قَالَ: وَيَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ الْفُلْكَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، وَأَنْ يَصْنَعَهُ أَزْوَرَ، وَأَنْ يَطْلِيَهُ بِالْقَارِ مِنْ دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ طُولَهُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَأَنْ يَجْعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَطْبَاقٍ: سَفَلًا وَوَسَطًا وَعُلُوًّا، وَأَنْ يَجْعَلَ فِيهِ كُوًى.
فَفَعَلَ نُوحٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَقَدْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ، فَاحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَقَدْ جَعَلَ التَّنُّورَ آيَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَقَالَ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: 40] وَارْكَبْ.
فَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ حَمَلَ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَكَانُوا قَلِيلًا كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَحَمَلَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِمَّا فِيهِ الرُّوحُ وَالشَّجَرُ ذَكَرٌ وَأُنْثَى،

فَحَمَلَ فِيهِ بَنِيهِ الثَّلَاثَةَ: سَامَ وَحَامَ وَيَافِتَ وَنِسَاءَهُمْ، وَسِتَّةَ أُنَاسٍ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ، فَكَانُوا عَشَرَةَ نَفَرٍ: نُوحٌ وَبَنُوهُ وَأَزْوَاجُهُمْ، ثُمَّ أَدْخَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الدَّوَابِّ وَتَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُهُ يَامُ، وَكَانَ كَافِرًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " كَانَ أَوَّلُ مَا حَمَلَ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ مِنَ الدَّوَابِّ الدِّرَّةِ، وَآخِرُ مَا حَمَلَ الْحِمَارَ؛ فَلَمَّا دَخَلَ الْحِمَارُ، وَأَدْخَلَ صَدْرَهُ مَسَكَ إِبْلِيسُ بِذَنَبِهِ، فَلَمْ تَسْتَقِلْ رِجْلَاهُ، فَجَعَلَ نُوحٌ يَقُولُ: وَيْحَكَ ادْخُلْ فَيَنْهَضُ فَلَا يَسْتَطِيعُ.
حَتَّى قَالَ نُوحٌ: وَيْحَكَ ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ قَالَ: كَلِمَةً زَلَّتْ عَنْ لِسَانِهِ.
فَلَمَّا قَالَهَا نُوحٌ خَلَّى الشَّيْطَانُ سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ نُوحٌ: مَا أَدْخَلَكَ عَلَيَّ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلِ: ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ؟ قَالَ: اخْرُجْ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَقَالَ: مَا لَكَ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَحْمِلَنِي.
فَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ فِي ظَهْرِ الْفُلْكِ.
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ

الَّتِي دَخَلَ فِيهَا نُوحٌ بَعْدَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنَ الشَّهْرِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ وَحَمَلَ مَعَهُ مَنْ حَمَلَ، تَحَرَّكَ يَنَابِيعُ الْغَوْطِ الْأَكْبَرِ، وَفُتِّحَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرْ﴾ [القمر: 12] فَدَخَلَ نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ الْفُلْكَ وَغَطَّاهُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ بِطَبَقَةٍ، فَكَانَ بَيْنَ أَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَاءَ وَبَيْنَ أَنِ احْتَمَلَ الْمَاءُ الْفُلْكَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً.
ثُمَّ احْتَمَلَ الْمَاءُ كَمَا تَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَكَثُرَ الْمَاءُ وَاشْتَدَّ وَارْتَفَعَ؛ يَقُولُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 13] وَالدُّسُرُ: الْمَسَامِيرُ، مَسَامِيرُ الْحَدِيدِ.
فَجَعَلَتِ الْفُلْكُ تَجْرِي بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ الَّذِي هَلَكَ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ حِينَ رَأَى نُوحٌ مِنْ صِدْقِ مَوْعِدِ رَبِّهِ مَا رَأَى فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: 42] وَكَانَ شَقِيًّا قَدْ أَضْمَرَ كُفْرًا، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: 43] وَكَانَ عَهْدُ الْجِبَالِ وَهِيَ حِرْزٌ مِنَ الْأَمْطَارِ إِذَا كَانَتْ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَعْهَدُ.
قَالَ نُوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43] وَكَثُرَ الْمَاءُ حَتَّى طَغَى وَارْتَفَعَ فَوْقَ الْجِبَالِ كَمَا تَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَبَادَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ أَوْ شَجَرٌ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، وَإِلَّا عِوَجُ بْنُ عُنُقٍ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
فَكَانَ بَيْنَ أَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ، وَبَيْنَ أَنْ غَاضَ الْمَاءُ سِتَّةُ

أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ سَلَمَةُ؛ وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَمَّا آذَى نُوحًا فِي الْفُلْكِ عُذْرَةُ النَّاسِ، أُمِرَ أَنْ يَمْسَحَ ذَنَبَ الْفِيلِ، فَمَسَحَهُ، فَخَرَجَ مِنْهُ خَنْزِيرَانِ، وَكَفِّيَ ذَلِكَ عَنْهُ.
وَإِنَّ الْفَأْرَ تَوَالَدَتْ فِي الْفُلْكِ، فَلَمَّا آذَتْهُ، أُمِرَ أَنْ يَأْمُرَ الْأَسَدَ يَعْطِسَ، فَعَطَسَ فَخَرَجَ مِنْ مَنْخِرَيْهِ هِرَّانِ يَأْكُلَانِ عَنْهُ الْفَأْرَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ، قَرَضَ الْفَأْرُ حِبَالَ السَّفِينَةِ، فَشَكَا نُوحٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَسَحَ ذَنَبَ الْأَسَدَ فَخَرَجَ سُنُّورَانِ.
وَكَانَ فِي السَّفِينَةِ عُذْرَةٌ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الْفِيلِ، فَخَرَجَ خِنْزِيرًا» حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ، قَالَ: ثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ

حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ الْقرَاسِيُّ: «عَمِلَ نُوحٌ السَّفِينَةَ فِي أَرْبَعِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَأَنْبَتَ السَّاجُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى كَانَ طُولُهُ أَرْبَعَ مِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ إِلَى الْمِنْكَبِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 135] أَيُّهَا الْقَوْمُ

إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، مَنِ الْهَلَاكِ؛ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: 39] يَقُولُ: الَّذِي يَأْتِيهِ عَذَابُ اللَّهِ مِنَّا وَمِنْكُمْ يَهِينُهُ وَيُذِلُّهُ، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 39] يَقُولُ: وَيَنْزِلُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ ذَلِكَ عَذَابٌ دَائِمٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ، مُقِيمٌ عَلَيْهِ أَبَدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 40] يَقُولُ: وَيَصْنَعُ نُوحٌ الْفُلْكَ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا الَّذِي وَعَدْنَاهُ أَنْ يَجِيءَ قَوْمَهُ مِنَ الطُّوفَانِ الَّذِي يُغْرِقُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: انْبَجَسَ الْمَاءُ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَفَارَ التَّنُّورُ، وَهُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: التَّنُّورُ: وَجْهُ الْأَرْضِ.
قَالَ: قِيلَ لَهُ: إِذَا رَأَيْتَ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَارْكَبْ أَنْتَ وَمَنْ

مَعَكَ " قَالَ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي وَجْهَ الْأَرْضِ: تَنُّورَ الْأَرْضِ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، قَالَا: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: وَجْهُ الْأَرْضِ "

حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: وَجْهُ الْأَرْضِ " وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الصُّبْحُ تَنْوِيرًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبَّاسٍ، مَوْلَى أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُ، قَوْلُهُ: " ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: هُوَ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِسْرَائِيلَ قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زِيَادِ مَوْلَى أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: تَنْوِيرُ الصُّبْحِ "

حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مَوْلَى أَبِي جُحَيْفَةَ، أُرَاهُ قَدْ سَمَّاهُ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: تَنْوِيرُ الصُّبْحِ "

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: طَلَعَ الْفَجْرُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] قَالَ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَفَارَ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَشْرَفَ مَكَانٌ فِيهَا بِالْمَاءِ.
وَقَالَ: التَّنُّورُ أَشْرَفُ الْأَرْضِ.

جارٍ التحميل