تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126] يَقُولُ: وَبِئْسَ مَصِيرُ مَنْ صَارَ إِلَى النَّارِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126] يَقُولُ: وَبِئْسَ مَصِيرُ مَنْ صَارَ إِلَى النَّارِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: 16] أَلَمْ يَحِنْ لِلَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ تَلِينَ

قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، فَتَخْضَعَ قُلُوبُهُمْ لَهُ، وَلِمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16] قَالَ: «تُطِيعُ قُلُوبُهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16] : «أَلَمْ يَحِنْ لِلَّذِينَ آمَنُوا»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16] الْآيَةَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ كَانَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ غَيْرَ شَيْبَةَ وَنَافِعٍ بِالتَّشْدِيدِ (نَزَّلَ) ، وَقَرَأَهُ شَيْبَةُ وَنَافِعٌ، ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ [الحديد: 16] بِالتَّخْفِيفِ، وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ وَلَا يَكُونُوا، يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد: 16] يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ الَّذِي أُوتُوهُ مِنْ قَبْلِهِمُ التَّوْرَاةَ

وَالْإِنْجِيلَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: جَاءَ عِتْرِيسُ بْنُ عُرْقُوبٍ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ مَعْرُوفًا، وَلَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ مُنْكَرًا، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، وَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ اخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَحَلَّتْهُ أَلْسِنَتُهُمْ، وَقَالُوا: نَعْرِضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ تَرَكْنَاهُ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ قَتَلْنَاهُ؛ قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ فِي قَرْنٍ، ثُمَّ جَعَلَ الْقَرْنَ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيْهِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِهَذَا؟ قَالَ: آمَنْتُ بِهِ، وَيُومِئ إِلَى الْقَرْنِ الَّذِي بَيْنَ ثَنْدُوَتَيْهِ، وَمَا لِي لَا أُومِنُ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَمِنْ خَيْرِ مِلَلِهِمُ الْيَوْمَ مِلَّةُ صَاحِبِ الْقَرْنِ " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: 16] مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ الْأَمَدُ الزَّمَانُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

قَوْلَهُ: ﴿الْأَمَدُ﴾ [الحديد: 16] قَالَ: «الدَّهْرُ»

وَقَوْلُهُ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16] عَنِ الْخَيْرَاتِ، وَاشْتَدَّتْ عَلَى السُّكُونِ إِلَى مَعَاصِي اللَّهِ ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسِقُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿اعْلَمُوا﴾ [المائدة: 98] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ﴾ [الحديد: 17] الْمَيْتَةَ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾

[البقرة: 164] يَعْنِي: بَعْدَ دُثُورِهَا وَدُرُوسِهَا، يَقُولُ: وَكَمَا نُحْيِي هَذِهِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بَعْدَ دُرُوسِهَا، كَذَلِكَ نَهْدِي الْإِنْسَانَ الضَّالَّ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْحَقِّ، فَنُوَفِّقَهُ وَنُسَدِّدَهُ لِلْإِيمَانِ حَتَّى يَصِيرَ مُؤْمِنًا مِنْ بَعْدِ كُفْرِهِ، وْمُهْتَدِيًا مِنْ بَعْدِ ضَلَالَةٍ

جارٍ التحميل