وَقَوْلُهُ: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7] يَقُولُ: وَاصْرِفْ عَنِ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ، وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ دُعَاءِ مَلَائِكَتِهِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ، تَقُولُ: يَا ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر: 8] يَعْنِي: بَسَاتِينَ إِقَامَةً ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: 8] يَعْنِي
الَّتِي وَعَدْتَ أَهْلَ الْإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِكَ أَنْ تُدْخِلَهُمُوهَا ﴿وَمَنْ صلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: 23] يَقُولُ: وَأَدْخِلْ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَابُوا ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: 7] جَنَّاتِ عَدْنٍ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، فَعَمِلَ بِمَا يُرْضِيكَ عَنْهُ
مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الدُّنْيَا، وَذُكَرَ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ الرَّجُلِ أَبَوَاهُ وَوَلَدُهُ وَزَوْجَتُهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَمَلَهُ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَبِي، أَيْنَ أُمِّي، أَيْنَ وَلَدِي، أَيْنَ زَوْجَتِي، فَيُقَالُ: لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ، فَيَقُولُ: كُنْتُ أَعْمَلُ لِي وَلَهُمْ، فَيُقَالُ: أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ؛ ثُمَّ قَرَأَ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: 8] فَمَنْ إِذَنْ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ [غافر: 8] وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي وَعَدْتَهُمْ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129] يَقُولُ: إِنَّكَ أَنْتَ يَا رَبَّنَا الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مَلَائِكَتِهِ: وَقِهِمُ: اصْرِفْ عَنْهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ سَيِّئَاتِهِمُ الَّتِي كَانُوا أَتَوْهَا قَبْلَ تَوْبَتِهِمْ وَإِنَابَتِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا تُؤَاخِذْهُمْ بِذَلِكَ، فَتُعَذِّبُهُمْ بِهِ ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: 9] يَقُولُ: وَمَنْ
تَصْرِفُ عَنْهُ سُوءَ عَاقِبَةِ سَيِّئَاتِهِ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ رَحِمْتَهُ، فَنَجَّيْتَهُ مِنْ عَذَابِكَ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111] لِأَنَّهُ مَنْ نَجَا مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى السَّيِّئَاتِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: 9] «أَيِ الْعَذَابَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَعْمُرُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: " وَجَدْنَا أَنْصَحَ الْعِبَادِ لِلْعِبَادِ الْمَلَائِكَةَ وَأَغَشَّ الْعِبَادِ لِلْعِبَادِ الشَّيَاطِينَ، وَتَلَا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: 7] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ مُطَرِّفٌ: «وَجَدْنَا أَغَشَّ عِبَادِ اللَّهِ لَعِبَادَ اللَّهِ الشَّيَاطِينَ، وَوَجَدْنَا أَنْصَحَ عِبَادِ اللَّهِ لَعِبَادِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ يُنَادَوْنَ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا دَخَلُوهَا، فَمَقَتُوا بِدُخُولِهِمُوهَا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ فِي الدُّنْيَا، إِذْ تُدْعَوْنَ فِيهَا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ فَتَكْفُرُونَ، أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمِ الْيَوْمَ أَنْفُسَكُمْ لِمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [غافر: 10] قَالَ: «مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ رَأَوْا أَعْمَالَهُمْ، وَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذْ يُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَيَكْفُرُونَ أَكْبَرُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ [غافر: 10] أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ يَقُولُ: «لَمَقْتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكُوهُ، وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا، أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ، حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: 10] «فِي النَّارِ» ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ [غافر: 10] «فِي الدُّنْيَا» ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ [غافر: 10] . . . الْآيَةَ، قَالَ: " لَمَّا دَخَلُوا النَّارَ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَعَاصي اللَّهِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، فَنُودُوا: إِنَّ مَقْتَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ حِينَ دَعَاكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ حِينَ دَخَلْتُمُ النَّارَ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ هَذِهِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [غافر: 10] فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: هِيَ لَامُ الِابْتِدَاءِ، كَأَنْ يُنَادَوْنَ يُقَالُ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي النِّدَاءِ قَوْلًا قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي الْإِعْرَابِ يُقَالُ: لِزَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: الْمَعْنَى فِيهِ: يُنَادَوْنَ إِنَّ مَقْتَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّامَ تَكْفِي مِنْ أَنْ تَقُولَ فِي الْكَلَامِ: نَادَيْتُ أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] اللَّامُ بِمَنْزِلَةِ إنْ فِي كُلِّ كَلَامٍ ضَارَعَ الْقَوْلَ مِثْلَ يُنَادَوْنَ وَيُخْبَرُونَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ
وَقَالَ آخَرُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ: هَذِهِ لَامُ الْيَمِينِ، تَدْخُلُ مَعَ الْحِكَايَةِ، وَمَا ضَارَعَ الْحِكَايَةَ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا ائْتِنَافٌ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ فِي جَوَابَاتِ الْإِيمَانِ أَنْ تَقُومَ مَقَامَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ اللَّامَ كَانَتْ مَعَهَا النُّونُ أَوَلَمْ تَكُنْ، فَاكْتُفِي بِهَا مِنَ الْيَمِينِ، لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَهَا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: دَخَلَتْ لِتُؤْذِنَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا ائْتِنَافٌ وَأَنَّهَا لَامُ الْيَمِينِ