تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 98-110

﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَفْضَلُ

صفحات 98-110
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] الْآيَةَ، " أَتَاهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ،

وَمِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ: مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ بَطَّأَهُمْ عَنْهَا، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ: زَيَّنَ لَهُمُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَأَمَرَهُمْ بِهَا، أَتَاكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِكَ مِنْ فَوْقِكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَحْمَةِ اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : مِنْ قِبَلِ دُنْيَاهُمْ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : مِنْ قِبَلِ آخِرَتِهِمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] قَالَ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ دُنْيَاهُمْ» ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ آخِرَتِهِمْ» ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ» ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] قَالَ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ دُنْيَاهُمْ» ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ آخِرَتِهِمْ» ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ حَسَنَاتِهِمْ» ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ سَيِّئَاتِهِمْ»

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] قَالَ: «مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا يُزَيِّنُهَا لَهُمْ» ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ يُبَطِّئُهُمْ عَنْهَا» ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ يَصُدُّهُمْ عَنْهُ» ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ قِبَلِ الْبَاطِلِ يُرَغِّبُهُمْ فِيهِ وَيُزَيِّنُهُ لَهُمْ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : أَمَّا ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] «فَالدُّنْيَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا وَأُرَغِّبُهُمْ فِيهَا» ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «فَمَنِ الْآخِرَةِ أُشَكِّكُهُمْ فِيهَا وَأُبَعِّدُهَا عَلَيْهِمْ» ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] «يَعْنِي الْحَقَّ فَأُشَكِّكُهُمْ فِيهِ» ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] «يَعْنِي الْبَاطِلَ أُخَفِّفُهُ عَلَيْهِمْ، وَأُرَغِّبُهُمْ فِيهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مِنْ دُنْيَاهُمْ أُرَغِّبُهُمْ فِيهَا» ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «آخِرَتُهُمْ أُكَفِّرُهُمْ بِهَا وَأُزَهِّدُهُمْ فِيهَا» ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «حَسَنَاتِهِمْ أُزَهِّدُهُمْ فِيهَا» ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ أُحَسِّنُهَا إِلَيْهِمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ، وَمِنْ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 17] , ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] قَالَ: «حَيْثُ يُبْصِرُونَ» ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] : «حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، وَابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ كَمَا قَالَ: «يَأْتِيهِمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ» زَادَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: يَأْتِيهِمْ مِنْ ثَمَّ حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَأَصُدُّهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَأُحَسِّنُ لَهُمُ الْبَاطِلَ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ عُقَيْبُ قَوْلِهِ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْعُدُ لِبَنِي آدَمَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْلُكُوهُ، وَهُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ دِينِ اللَّهِ الْحَقِّ، فَيَأْتِيهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وُجُوهِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَيَصُدُّهُمْ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَمَنَ الْوَجْهِ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، فَيُزَيِّنُهُ لَهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ.

وَقِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ: (مِنْ فَوْقِهِمْ) لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ فَوْقِهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] وَلَمْ يَقُلْ: (مِنْ فَوْقِهِمْ) ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنْ فَوْقِهِمْ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلَا تَجِدُ رَبِّ أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ شَاكِرِينَ لَكَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ كَتَكْرِمَتِكَ أَبَاهُمْ آدَمَ بِمَا أَكْرَمْتَهُ بِهِ، مِنْ إِسْجَادِكَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ، وَتَفْضِيلَكَ إِيَّاهُ عَلَيَّ، وَشُكْرُهُمْ إِيَّاهُ طَاعَتُهُمْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
وَكَانَ ابْنُ

عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ

بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] يَقُولُ: «مُوَحِّدِينَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، عَنْ إِحْلَالِهِ بِالْخَبِيثِ عَدُوِّ اللَّهِ مَا أَحَلَّ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ وَلَعْنَتِهِ، وَطَرْدِهِ إِيَّاهُ عَنْ جَنَّتِهِ، إِذْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، وَرَاجَعَهُ مِنَ الْجَوَابِ بِمَا لَمْ يَكُنْ

لَهُ مُرَاجَعَتُهُ بِهِ، يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 18] أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يَقُولُ: مَعِيبًا.
وَالذَّأْمُ: الْعَيْبُ، يُقَالُ مِنْهُ: ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ ذَأْمًا فَهُوَ مَذْءُومٌ، وَيَتْرُكُونَ الْهَمْزَ فَيَقُولُونَ: ذِمْتُهُ أَذِيمُهُ ذَيْمًا وَذَامًا، وَالذَّأْمُ وَالذَّيْمُ أَبْلَغُ فِي الْعَيْبِ مِنَ الذَّمِّ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْبَيْتَ: [البحر الطويل] صَحِبْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى إِنْشَادِهِ (أَلُومُهَا) . وَأَمَّا الْمَدْحُورُ: فَهُوَ الْمُقْصَى، يُقَالُ: دَحَرَهُ يَدْحَرُهُ دَحْرًا وَدُحُورًا: إِذَا أَقْصَاهُ وَأَخْرَجَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمِ: ادْحَرْ عَنْكَ الشَّيْطَانَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يَقُولُ: «اخْرُجْ مِنْهَا لَعِينًا مَنْفِيًّا»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "

مَذْءُومًا: مَمْقُوتًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ يَقُولُ: «صَغِيرًا مَنْفِيًّا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ : " أَمَّا مَذْءُومًا: فَمَنْفِيًّا، وَأَمَّا مَدْحُورًا: فَمَطْرُودًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مَذْءُومًا﴾ قَالَ: «مَنْفِيًّا» ﴿مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: 18] قَالَ: «مَطْرُودًا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ

الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ قَالَ: " مَنْفِيًّا، وَالْمَدْحُورُ قَالَ: الْمُصَغَّرُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يُونُسَ وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ قَالَ: «مَنْفِيًّا»

حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الْقُرْقُسَانِيُّ عُثْمَانُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: مَا ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ ؟ قَالَ: «مَقِيتًا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ فَقَالَ: " مَا نَعْرِفُ الْمَذْءُومُ وَالْمَذْمُومُ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَذْءُومُ مُنْتَقِصَةً، وَقَالَ الْعَرَبُ لِعَامِرٍ: يَا عَامُ، وَلِحَارِثٍ: يَا حَارُ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 18]

وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَقْسَمَ أَنْ مَنِ اتَّبَعَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ وَأَطَاعَهُ وَصَدَّقَ ظَنَّهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَمْلَأَ مِنْ جَمِيعِهِمْ، يَعْنِي مِنْ كَفَرَةِ بَنِي آدَمَ تُبَّاعِ إِبْلِيسَ وَمِنْ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ جَهَنَّمَ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً كَذَّبَ ظَنَّ عَدُوِّ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ، وَخَيَّبَ فِيهَا أَمَلَهُ وَأُمْنِيَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَطْمَعَ فِيهَا عَدُوَّهُ، وَاسْتَغَشَّهُ وَلَمْ يَسْتَنْصِحْهُ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا نَبَّهَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عِبَادَهُ عَلَى قِدَمِ عَدَاوَةِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَسَالِفِ مَا سَلَفَ مِنْ حَسَدِهِ لِأَبِيهِمْ، وَبَغْيِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَعَرَّفَهُمْ مَوَاقِعَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَوَالِدِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ طَاعَةِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَيُنِيبُوا إِلَيْهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثِ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 19] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ اللَّهُ لِآدَمَ: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [الأعراف: 19] : فَأَسْكَنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ مِنْهَا

إِبْلِيسُ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَأَبَاحَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلَا مِنْ ثِمَارِهَا مِنْ أَيِّ مَكَانٍ شَاءَا مِنْهَا، وَنَهَاهُمَا أَنْ يَقْرَبَا ثَمَرَ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَمَا نَرَى مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ صَوَابًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ

. ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35] يَقُولُ: فَتَكُونَا مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَفَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾ [الأعراف: 20] : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا، وَتِلْكَ الْوَسْوَسَةُ كَانَتْ قَوْلَهُ لَهُمَا: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20] ، وَإِقْسَامَهُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ: (وَسْوَسَ لَهُمَا) ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْتُ، كَمَا قِيلَ: غَرِضْتُ لَهُ، بِمَعْنَى: اشْتَقْتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي: غَرِضْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى ذَلِكَ: فَوَسْوَسَ مِنْ نَفْسِهِ إِلَيْهِمَا الشَّيْطَانُ بِالْكَذِبِ مِنَ الْقِيلِ ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ: [البحر الرجز] وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الْفَلَقْ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَجَذَبَ إِبْلِيسُ إِلَى آدَمَ حَوَّاءَ، وَأَلْقَى إِلَيْهِمَا: مَا نَهَاكُمَا

رَبُّكُمَا عَنْ أَكْلِ ثَمَرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وَارَاهُ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ عَوْرَاتِهِمَا.
فَغَطَّاهُ بِسِتْرِهِ الَّذِي سَتَرَهُ عَلَيْهِمَا.
وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَقُولُ فِي السِّتْرِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ سَتَرَهُمَا بِهِ

مَا حَدَّثَنِي بِهِ، حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: 121] قَالَ: «كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ لَا تُرَى سَوْآتُهُمَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لِآدَمَ وَزَوْجَتِهِ حَوَّاءَ: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَنْ تَأْكُلَا ثَمَرَهَا إِلَّا لِئَلَّا تَكُونَا مَلَكَيْنِ.
وَأُسْقِطَتْ (لَا) مِنَ الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ مَا

ظَهَرَ عَلَيْهَا، كَمَا أُسْقِطَتْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] ، وَالْمَعْنَى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ لَا تَضِلُّوا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: إِيَّاكَ أَنْ تَفْعَلَ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَفْعَلَ، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا فَلَا تَمُوتَا.
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ بِمَعْنَى مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

مَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى الْأَعْمَى، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا، مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ

مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثني الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: ثنا يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى وَجَّهَا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ لَهُمَا: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ) مِنَ الْمُلُوكِ، وَأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهَا، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ مِنْ (مَلَكَيْنِ) ، بِمَعْنَى: مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِنَا فِي أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَفِيضًا فِي قِرَاءَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، فَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: 21] : وَحَلَفَ لَهُمَا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: 49] بِمَعْنَى: تَحَالَفُوا بِاللَّهِ، وَكَمَا قَالَ

خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ عَمُّ أَبِي ذُؤَيْبٍ: [البحر الطويل] وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا بِمَعْنَى: وَحَالَفَهَا بِاللَّهِ، وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الطويل] رَضِيعَيْ لَبَانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقَاسَمَا ... بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لَا نَتَفَرَّقُ بِمَعْنَى: تَحَالَفَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21] : أَيْ لَمِمَّنْ يَنْصَحُ لَكُمَا فِي مَشُورَتِهِ لَكُمَا، وَأَمْرِهِ إِيَّاكُمَا بِأَكْلِ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيتُمَا عَنْ أَكْلِ ثَمَرِهَا، وَفِي خَبَرِي إِيَّاكُمَا بِمَا أُخْبِرُكُمَا بِهِ مِنْ أَنَّكُمَا إِنْ أَكَلْتُمَاهُ كُنْتُمَا مَلَكَيْنِ، أَوْ كُنْتُمَا مِنَ الْخَالِدَيْنِ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ ثنا يَزِيدُ، قَالَ ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21] " فَحَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ حَتَّى خَدَعَهُمَا، وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْكُمَا، فَاتَّبِعَانِي

جارٍ التحميل