وَقَوْلُهُ: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ. كَمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْجَزَاءِ، وَذَلِكَ كَانَ.
وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا كَانَتْ «مَا» نَصْبًا بِوُقُوعِ فِعْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَاءَ، وَجَازَ طَرْحُ الْجَوَّابِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مَعْرُوفٌ، كَمَا قِيلَ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ، وَتَرَكَ الْجَوَّابَ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ «مَا» مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 128] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِإِضْمَارِ هُوَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْتُ هُوَ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39] يَقُولُ: لَا قُوَّةَ عَلَى مَا نُحَاوِلُ مِنْ طَاعَتِهِ إِلَّا بِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] وَهُوَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَشِيرَةَ، مِثْلُ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ وَعَشِيرَتِهِ، وَهُوَ مِثْلُ سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ، يَقُولُ: قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْكَافِرِ: إِنْ تَرَنِ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَإِذَا جَعَلْتَ أَنَا عِمَادًا نَصَبْتَ أَقَلَّ، وَبِهِ الْقِرَاءَةُ
عِنْدَنَا، لِأَنَّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ، وَإِذَا جَعَلْتَهُ اسْمًا رَفَعْتَ أَقَلُّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمُؤْمِنِ الْمُوقِنِ لِلْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ لِلْكَافِرِ الْمُرْتَابِ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ: إِنْ تَرَنِ أَيُّهَا الرَّجُلُ
أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فِي الدُّنْيَا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يَرْزُقَنِي خَيْرًا مِنْ بُسْتَانِكَ هَذَا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ [الكهف: 40] يَعْنِي عَلَى جَنَّةِ الْكَافِرِ الَّتِي قَالَ لَهَا: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] يَقُولُ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ تُرْمَى بِهِ رَمْيًا وَتُقْذَفُ.
وَالْحُسْبَانُ: جَمْعُ حُسْبَانَةٍ، وَهِيَ الْمَرَامِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] عَذَابًا
حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: عَذَابًا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] . قَالَ: عَذَابًا، قَالَ: الْحُسْبَانُ: قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ يَقْضِيهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحُسْبَانُ: الْعَذَابُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: 40] قَالَ: عَذَابًا
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ هَذِهِ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَرْضًا مَلْسَاءَ لَا شَيْءَ فِيهَا، قَدْ ذَهَبَ كُلُّ مَا فِيهَا مِنْ غَرْسٍ وَنَبْتٍ، وَعَادَتْ خَرَابًا بَلَاقِعَ زَلَقًا، لَا يَثْبُتُ فِي أَرْضِهَا قَدَمٌ لِامْلِسَاسِهَا، وَدُرُوسِ مَا كَانَ نَابِتًا فِيهَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] أَيْ قَدْ حُصِدَ مَا فِيهَا فَلَمْ يُتْرَكْ فِيهَا شَيْءٌ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] قَالَ: مِثْلُ الْجُرُزِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] قَالَ: صَعِيدًا زَلَقًا وَصَعِيدًا جُرُزًا وَاحِدٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ النَّبَاتِ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: 41] يَقُولُ: أَوْ يُصْبِحُ مَاؤُهَا غَائِرًا، فَوَضَعَ الْغَوْرَ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَكَانَ الْغَائِرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
تَظَلُّ جِيَادُهُ نَوْحًا عَلَيْهِ ... مُقَلَّدَةً أَعِنَّتُهَا صُفُونَا
بِمَعْنَى نَائِحَةٍ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الوافر]
هَرِيقِي مِنْ دُمُوعِهِمَا سَجَامَا ... ضُبَاعَ وَجَاوِبي نَوْحًا قِيَامَا
وَالْعَرَبُ تُوَحِّدُ الْغَوْرَ مَعَ الْجَمْعِ وَالِاثْنَيْنِ، وَتُذَكِّرُ مَعَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، تَقُولُ: مَاءٌ غَوْرٌ، وَمَاءَانِ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿غَوْرًا﴾ [الكهف: 41] ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْضِ، فَذَهَبَ فَلَا تَلْحَقُهُ الرِّشَاءُ،
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: 41] أَيْ ذَاهِبًا قَدْ غَارَ فِي الْأَرْضِ