وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَمَا أُمِرَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ وَالْمَسِيحَ أَرْبَابًا إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودًا وَاحِدًا، وَأَنْ يُطِيعُوا إِلَّا رِبًّا وَاحِدًا دُونَ أَرْبَابٍ شَتَّى، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَطَاعَةُ كُلِّ خَلْقٍ،
الْمُسْتَحِقُّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الدَّيْنُونَةَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَةُ إِلَّا لِوَاحِدٍ الَّذِي أَمَرَ الْخَلْقَ بِعِبَادَتِهِ، وَلَزِمَتْ جَمِيعَ الْعِبَادِ طَاعَتُهُ.
﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] يَقُولُ: تَنْزِيهًا وَتَطْهِيرًا لِلَّهِ عَمَّا يُشْرَكُ فِي طَاعَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ الْقَائِلُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَالْقَائِلُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، الْمُتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُرِيدُ هَؤُلَاءِ الْمُتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أَرْبَابًا ﴿أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِدِينِ
اللَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ وَصَدِّهِمُ النَّاسَ عَنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنْ يُبْطِلُوهُ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ ضِيَاءً.
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32] يَعْلُو دِينُهُ وَتَظْهَرُ كَلِمَتُهُ، وَيُتِمُّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَرِهَ إِتْمَامَ اللَّهِ إِيَّاهُ الْكَافِرُونَ، يَعْنِي: جَاحِدِيهِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يَقُولُ: يُرِيدُونَ: أَنْ يُطْفِئُوا الْإِسْلَامَ بِكَلَامِهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي يَأْبَى إِلَّا إِتْمَامَ دِينِهِ وَلَوْ كَرِهَ ذَلِكَ جَاحِدُوهُ وَمُنْكِرُوهُ، الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى، يَعْنِي: بِبَيَانِ فَرَائِضِ اللَّهِ
عَلَى خَلْقِهِ، وَجَمِيعِ اللَّازِمِ لَهُمْ، وَبِدِينِ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] يَقُولُ: لِيُعْلِيَ الْإِسْلَامَ عَلَى الْمِلَلِ كُلِّهَا.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] بِاللَّهِ ظُهُورَهُ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ عِيسَى حِينَ تَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: ثنا شَقِيقٌ، قَالَ: ثني ثَابِتٌ الْحَدَّادُ أَبُو الْمِقْدَامِ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [سورة: التوبة، آية رقم: 33] قَالَ: حِينَ خُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثني مَنْ سَمِعَ أَبَا جَعْفَرٍ: " ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] قَالَ: إِذَا خَرَجَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اتَّبَعَهُ أَهْلُ كُلِّ دِينٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لِيُعْلِمَهُ شَرَائِعَ الدِّينِ كُلَّهَا فَيُطْلِعَهُ عَلَيْهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] قَالَ: لِيُظْهِرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ، فَيُعْطِيَهُ إِيَّاهُ كُلَّهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَرُّوا
بِوَحْدَانِيَّةِ رَبِّهِمْ، إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: 34] يَقُولُ: يَأْخُذُونَ الرُّشَى فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُحَرِّفُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَأْخُذُونَ بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ سَفَلَتِهِمْ.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 47] يَقُولُ: وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ الدُّخُولَ فِيهِ بَيْنَهُمْ إِيَّاهُمْ عَنْهُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: 34] أَمَا الْأَحْبَارُ، فَمِنَ الْيَهُودِ، وَأَمَّا الرُّهْبَانُ: فَمِنَ النَّصَارَى، وَأَمَّا سَبِيلُ اللَّهِ: فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: 34] وَيَأْكُلُهَا أَيْضًا مَعَهُمْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] يَقُولُ: بَشِّرِ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِعَذَابٍ أَلِيمٍ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوجِعٍ مِنَ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى الْكَنْزِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كُلُّ مَالٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ.
قَالُوا: وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] وَلَا يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُلُّ مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا، وَكُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَهُوَ الْكَنْزُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا»
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْجُنَيْدِ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مَالٍ أَدَّيْتَ مِنْهُ الزَّكَاةَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا، وَكُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدِّ مِنْهُ الزَّكَاةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا فَهُوَ كَنْزٌ»
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَيُّمَا مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ، وَأَيُّمَا مَالٍ لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَهُوَ بِكَنْزٍ يُكْوَى بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي وَجَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»
قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَمَا لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا»
قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " أَمَّا الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ.
وَالْكَنْزُ: مَا لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا قَدْ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَامِرٍ: " مَالٌ عَلَى رَفٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ:
يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ مَالٍ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَهُوَ كَنْزٌ، أَدَّيْتَ مِنْهُ الزَّكَاةَ أَوْ لَمْ تُؤَدِّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: «أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، فَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَنْزٌ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، وَمَا فَوْقَهَا كَنْزٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْكَنْزُ كُلُّ مَا فَضُلَ مِنَ الْمَالِ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ إِلَيْهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا
شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُجِيبٍ، قَالَ: كَانَ نَعْلُ سَيْفِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ فِضَّةٍ، فَنَهَاهُ عَنْهَا أَبُو ذَرٍّ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ كُوِيَ بِهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ» يَقُولُهَا ثَلَاثًا.
قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: فَأَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: فَأَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ، فَقَالَ: «لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، بِمِثْلِهِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَأَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ.
قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ عَلَى بَعِيرٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: فَأَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيَّةٌ» ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيَّتَانِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ صُدَيِّ بْنِ عَجْلَانَ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ
دِينَارٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيَّةٌ» ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «كَيَّتَانِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: لَوَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ؛ إِذْ نَزَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا نَزَلَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَالُوا: أَجَلْ.
فَانْطَلَقَ فَتَبِعْتُهُ أُوضِعُ عَلَى بَعِيرِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أَنْزَلَ قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ، قَالَ: «نَعَمْ، فَيَتَّخِذُ أَحَدُكُمْ لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى إِيمَانِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ: الْقَوْلُ الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ يَحْرُمُ عَلَى صَاحِبِهِ اكْتِنَازُهُ وَإِنْ كَثُرَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَصَاحِبُهُ مُعَاقَبٌ مُسْتَحِقٌّ وَعِيدَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ وَإِنْ قُلْ إِذَا كَانَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ فِي خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ رُبُعَ عُشْرِهَا، وَفِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ مِثْلَ ذَلِكَ رُبُعَ عُشْرِهَا.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضَ اللَّهِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ أُلُوفَ أُلُوفٍ لَوْ كَانَ، وَإِنْ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ مِنَ الْكُنُوزِ الَّتِي أَوْعَدَ اللَّهُ أَهْلَهَا عَلَيْهَا الْعِقَابَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ الزَّكَاةُ الَّتِي ذَكَرْنَا
مِنْ رُبُعِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضًا إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ مِنَ الْمَالِ وَحَرَامٌ اتِّخَاذُهُ فَزَكَاتُهُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَى أَهْلِهِ لَا رُبُعُ عُشْرِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْغَاصِبِ إِمْسَاكُهُ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِهِ، فَالتَّطَهُّرُ مِنْهُ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ.
فَلَوْ كَانَ مَا زَادَ مِنَ الْمَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَةِ رَبِّهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِاقْتِنَائِهِ إِذَا أَدَّى إِلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ وَعِيدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ اللَّازِمُ رَبِّهِ فِيهِ رُبُعَ عُشْرِهِ، بَلْ كَانَ اللَّازِمُ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَصَرْفِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ، كَالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى غَاصِبِ رَجُلٍ مَالَهُ رَدُّهُ عَلَى رَبِّهِ.
وَبَعْدُ
فَإِنَّ فِيمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: أَخْبَرَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ وَإِنْ كَانَتْ إِبِلًا إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا» حَسِبْتُهُ قَالَ: «وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، يَرِدُ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ غَنَمًا فَمِثْلُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا»
وَفِي ذَلِكَ نَظَائِرُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَرِهْنَا الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي لَمْ تُؤَدَّ الْوَظَائِفُ الْمَفْرُوضَةُ فِيهَا لِأَهْلِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، لَا عَلَى اقْتِنَائِهَا وَاكْتِنَازِهَا.
وَفِيمَا بَيَّنَّا مِنْ ذَلِكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لِخَاصٍّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
وَذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] يَقُولُ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَقَالَ: هِيَ خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ " يَعْنِي بِقَوْلِهِ: هِيَ خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ، هِيَ خَاصَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْهُمْ، وَعَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِنْ أَنْفَقُوا.
يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ
هَذَا مَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: 34] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 35] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ.
قَالَ: وَكُلُّ مَالٍ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَوْ فِي بَطْنِهَا فَهُوَ كَنْزٌ، وَكُلُّ مَالٍ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَوْ فِي بَطْنِهَا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] قَالَ: الْكَنْزُ: مَا كُنِزَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَفَرِيضَتِهِ، وَذَلِكَ الْكَنْزُ.
وَقَالَ: افْتُرِضَتِ الزَّكَاةُ وَالصَّلَاةُ جَمِيعًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا " وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْكَنْزَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
لَا دَرَّ دَرِّيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نَازِلَهُمْ ... قِرْفَ الْحَتِيِّ وَعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ
يَعْنِي بِذَلِكَ: وَعِنْدي الْبُرُّ مَجْمُوعٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْبُدْنِ الْمُجْتَمِعِ: مُكْتَنِزٌ لِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَنْزِ عِنْدَهُمْ، وَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] مَعْنَاهُ: وَالَّذِينَ يَجْمَعُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] وَهُوَ عَامٌّ فِي التِّلَاوَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ بَيَانٌ كَمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي إِذَا جُمِعَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ خُصُوصَ ذَلِكَ إِنَّمَا أُدْرِكَ بِوَقْفِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهِ الْمَالُ الَّذِي لَمْ يُؤَدَّ حَقُّ اللَّهِ مِنْهُ مِنَ الزَّكَاةِ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا قَدْ أَوْضَحْنَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ كَنْزٍ، غَيْرَ أَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي