وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَقُولُ: وَلَكُمْ يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاشٌ تَمْتَهِدُونَهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ [الأعراف: 37] : إِلَى أَنْ جَاءَتْهُمُ رُسُلُنَا، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أَوْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، يَنَالُهُمْ حُظُوظُهُمُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ لَهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَعَمَلٍ وَأَجَلٍ وَخَيْرٍ وَشَرٍّ فِي الدُّنْيَا، إِلَى أَنْ تَأْتِيَهُمُ رُسُلُنَا لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ.
فَ ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ [الأعراف: 37] : يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ وَجُنْدَهُ.
﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 37] يَقُولُ: يَسْتَوْفُونَ عَدَدَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ.
﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 37] ، يَقُولُ: قَالَتِ الرُّسُلُ: أَيْنَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَتَعْبُدُونَهُمْ، لَا يَدْفَعُونَ عَنْكُمْ مَا قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُكُمْ وَخَالِقُهُمْ وَمَا قَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ، وَهَلَّا يُغِيثُونَكُمْ مِنْ كَرْبِ مَا أَنْتُمْ فِيهِ فَيُنْقِذُونَكُمْ مِنْهُ، فَأَجَابَهُمُ الْأَشْقِيَاءُ، فَقَالُوا: ضَلَّ عَنَّا أَوْلِيَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ضَلُّوا﴾ [النساء: 167] : جَارُوا وَأَخَذُوا غَيْرَ طَرِيقِنَا وَتَرَكُونَا عِنْدَ حَاجَتِنَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَنْفَعُونَا.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَشَهِدَ الْقَوْمُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ بِاللَّهِ جَاحِدِينَ وَحْدَانِيَّتَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 38] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ
عَنْ قِيلِهِ لِهَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ الْمُكَذِّبِينَ آيَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ لَهُمْ حِينَ وَرَدُوا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ادْخُلُوا أَيُّهَا الْمُفْتَرُونَ عَلَى رَبِّكُمُ الْمُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ فِي جَمَاعَاتٍ مِنْ ضُرَبَائِكُمْ، {قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِكُمْ} [آل عمران: 137] يَقُولُ: قَدْ سَلَفَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ هِيَ فِي النَّارِ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِالْأُمَمِ: الْأَحْزَابَ وَأَهْلَ الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ.
﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كُلَّمَا دَخَلَتِ النَّارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ لَعَنَتْ أُخْتَهَا، يَقُولُ: شَتَمَتِ الْجَمَاعَةُ الْأُخْرَى مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهَا تَبَرِّيًا مِنْهَا.
وَإِنَّمَا عَنَى بِالْأُخْتِ: الْأُخْوَةَ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَقِيلَ (أُخْتَهَا) وَلَمْ يُقَلْ (أَخَاهَا) ، لِأَنَّهُ عَنَى بِهَا أُمَّةً وَجَمَاعَةً أُخْرَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُمَّةً أُخْرَى مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهَا وَدِينِهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] يَقُولُ: «كُلَّمَا دَخَلَتْ أَهْلُ مِلَّةٍ لَعَنُوا أَصْحَابَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ، يَلْعَنُ الْمُشْرِكُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْيَهُودُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى النَّصَارَى، وَالصَّابِئُونَ الصَّابِئِينَ، وَالْمَجُوسُ الْمَجُوسَ، تَلْعَنُ الْآخِرَةُ الْأُولَى»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَتَّى إِذَا تَدَارَكَتِ الْأُمَمُ فِي النَّارِ جَمِيعًا، يَعْنِي: اجْتَمَعَتْ فِيهَا، يُقَالُ: قَدِ ادَّارَكُوا وَتَدَارَكُوا: إِذَا اجْتَمَعُوا،
يَقُولُ: اجْتَمَعَ فِيهَا الْأَوَّلُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ وَالْآخِرُونَ مِنْهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 38] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُحَاوَرَةِ الْأَحْزَابِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الْكَافِرَةِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْمِلَلِ
الْكَافِرَةِ فِي النَّارِ فَادَّارَكُوا، قَالَتْ أُخْرَى أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ دَخَلَتِ النَّارَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أُولَى مِنْهُمْ تَقَدَّمَتْهَا وَكَانَتْ لَهَا سَلَفًا وَإِمَامًا فِي الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ لِأُولَاهَا الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا عَنْ سَبِيلِكَ وَدَعَوْنَا إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِكَ وَزَيَّنُوا لَنَا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، فَآتِهِمُ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِكَ الضِّعْفَ عَلَى عَذَابِنَا
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " قَالَتْ أُخْرَاهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِأُولَاهُمُ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُمْ ذَلِكَ الدِّينَ: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 38]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 38] ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ جَوَابِهِ لَهُمْ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ لِلَّذِينَ يَدْعُونَهُ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ: لِكُلِّكُمْ، أَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ، وَتَابِعُوكُمْ وَمُتَّبِعُوكُمْ ضِعْفٌ، يَقُولُ: مُكَرَّرٌ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.
وَضِعْفُ الشَّيْءِ: مِثْلُهُ مَرَّةً،
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو
عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: 38] حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ اللَّهُ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: 38] : «لِلْأُولَى وَلِلْآخِرَةِ ضِعْفٌ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثني غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 38] قَالَ: «أَفَاعِي»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 38] قَالَ: «حَيَّاتٌ وَأَفَاعِي» وَقِيلَ: إِنَّ الضِّعْفَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا كَانَ ضِعْفَيْنِ، وَالْمُضَاعَفُ مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 38] يَقُولُ: وَلَكِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ النَّارِ لَا تَعْلَمُونَ مَا قَدْرُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، فَلِذَلِكَ تَسْأَلُ الضِّعْفَ مِنْهُ الْأُمَّةُ الْكَافِرَةُ الْأُخْرَى لِأُخْتِهَا الْأُولَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 39] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَقَالَتْ أُولَى كُلِّ أُمَّةٍ وَمِلَّةٍ سَبَقَتْ فِي الدُّنْيَا لِأُخْرَاهَا الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَحَدَثُوا بَعْدَ زَمَانِهِمْ فِيهَا، فَسَلَكُوا سَبِيلَهُمْ وَاسْتَنُّوا سُنَّتَهُمْ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [الأعراف: 39] وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا حَلَّ بِنَا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِنَا إِيَّاهُ وَكُفْرِنَا بِهِ، وَجَاءَتْنَا وَجَاءَتْكُمْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ وَالنُّذُرُ، هَلِ انْتَهَيْتُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَارْتَدَعْتُمْ عَنْ غِوَايَتِكُمْ وَضَلَالَتِكُمْ؟ فَانْقَضَتْ حُجَّةُ الْقَوْمِ وَخَصَمُوا وَلَمْ يُطِيقُوا جَوَابًا بِأَنْ يَقُولُوا فَضْلُنَا عَلَيْكُمْ أَنَّا اعْتَبَرْنَا بِكُمْ فَآمَنَّا بِاللَّهِ وَصَدَّقْنَا رُسُلَهُ، قَالَ اللَّهُ لِجَمِيعِهِمْ: فَذُوقُوا جَمِيعَكُمْ أَيُّهَا الْكَفَرَةُ عَذَابَ جَهَنَّمَ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَكْسِبُونَ مِنَ الْآثَامِ وَالْمَعَاصِي، وَتَجْتَرِحُونَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَجْرَامِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 39] ، قَالَ: يَقُولُ: «فَمَا فَضْلُكُمْ عَلَيْنَا، وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ مَا صُنِعَ بِنَا، وَحُذِّرْتُمْ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [الأعراف: 39] «فَقَدْ ضَلَلْتُمْ كَمَا ضَلَلْنَا» وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي هَذَا
بِمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [الأعراف: 39] قَالَ: «مِنَ التَّخْفِيفِ مِنَ الْعَذَابِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [الأعراف: 39] قَالَ: «مِنْ تَخْفِيفٍ» وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِينَ: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ، لِمَنْ قَالُوا ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ تَوْبِيخٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ تِلْكَ الْحَالِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دُخُولُ) كَانَ (فِي الْكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى قِيلِهِمُ الَّذِي قَالُوا لِرَبِّهِمْ: آتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ، لَكَانَ التَّوْبِيخُ أَنْ يُقَالَ: فَمَا لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ وَقَدْ نَالَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا قَدْ نَالَنَا، وَلَمْ يَقُلْ: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِحُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهَا وَلَمْ يَتَّبِعُوا رُسُلَنَا، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾
[الأعراف: 36] يَقُولُ: وَتَكَبَّرُوا عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَا وَأَنِفُوا مِنَ اتِّبَاعِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا تَكَبُّرًا، لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ لِأَرْوَاحِهِمْ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَلَا يَصْعَدُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ إِلَى اللَّهِ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ، لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ خَبِيثَةٌ.
وَإِنَّمَا يُرْفَعُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَعْلَى، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] قَالَ: «عَنَى بِهَا الْكُفَّارَ، أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِهِمْ وَتُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «تُفَتَّحُ السَّمَاءُ لِرُوحِ الْمُؤْمِنِ، وَلَا تُفَتَّحُ لِرُوحِ الْكَافِرِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] قَالَ: " إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا أُخِذَ رُوحُهُ ضَرَبَتْهُ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ حَتَّى يَرْتَفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا ضَرَبَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ فَهَبَطَ، فَضَرَبَتْهُ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ فَارْتَفَعَ، فَإِذَا بَلَغَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا ضَرَبَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَهَبَطَ إِلَى أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ، وَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا أُخِذَ رُوحُهُ، وَفُتِحَ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَلَا يَمُرُّ بِمَلَكٍ إِلَّا حَيَّاهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى اللَّهِ، فَيُعْطِيَهُ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: رُدُّوا رُوحَ عَبْدِي فِيهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي قَضَيْتُ مِنَ التُّرَابِ خَلْقَهُ، وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُ، وَمِنْهُ يَخْرُجُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَصْعَدُ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ وَلَا دُعَاءٌ إِلَى اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] : «لَا يَصْعَدُ لَهُمْ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] يَعْنِي: «لَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَمَلِهِمْ شَيْءٌ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] يَقُولُ: «لَا تُفَتَّحُ لِخَيْرٍ يَعْمَلُونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] قَالَ: «لَا يَصْعَدُ لَهُمْ كَلَامٌ وَلَا عَمَلٌ»
حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] ، قَالَ: «لَا يَرْتَفِعُ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا دُعَاءٌ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] ، قَالَ: «لَا يَرْتَفِعُ لَهُمْ عَمَلٌ وَلَا دُعَاءٌ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] ، قَالَ: «لَا يُرْفَعُ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ وَلَا دُعَاءٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِأَرْوَاحِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: 40] قَالَ: «لِأَرْوَاحِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ لِعُمُومِ خَبَرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ، وَلَمْ يُخَصِّصِ الْخَبَرَ بِأَنَّهُ يُفَتَّحُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ، فَذَلِكَ عَلَى مَا عَمَّهُ خَبَرُ اللَّهِ
تَعَالَى بِأَنَّهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مَعَ تَأْيِيدِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ
وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ الْفَاجِرِ، وَأَنَّهُ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: " فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُدْعَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ ذَلِكَ حَتَّى يُعْرَجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطِّيبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَيُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي
بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ، فَيَقُولُونَ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهُ لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَتَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: ثني ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَحْوِهِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (لَا يُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) بِالْيَاءِ مِنْ (يُفْتَحُ) وَتَخْفِيفِ التَّاءِ مِنْهَا، بِمَعْنَى: لَا يُفْتَحُ لَهُمْ جَمِيعُهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَفَتْحَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿لَا تُفَتَّحُ﴾ [الأعراف: 40] بِالتَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، بِمَعْنَى: لَا يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ بَعْدَ بَابٍ، وَشَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ لَا تُفْتَحُ لَهَا وَلَا لِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بِمَرَّةٍ
وَاحِدَةٍ، وَلَا مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبَابٌ بَعْدَ بَابٍ، فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ الْيَاءُ وَالتَّاءُ فِي (يُفَتَّحُ) وَ (تُفْتَحُ) ، لِأَنَّ الْيَاءَ بِنَاءٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاحِدِ لِلتَّوْحِيدِ، وَالتَّاءُ لِأَنَّ الْأَبْوَابَ جَمَاعَةٌ، فَيُخْبَرُ عَنْهَا خَبَرَ الْجَمَاعَةِ