تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 160-172

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

صفحات 160-172
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا هَوْذَةُ، قَالَ: ثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] النَّظَرَ إِلَى الرَّبِّ "

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكَمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا قَالُوا: مَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وجُوهَنَا، وَتُثَقِّلُ مَوَازِينَنَا، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ " وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِعَمْرٍو حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكَمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ

فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وجُوهَنَا؟ ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

قَالَ: ثَنَا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] بَلَغَنَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا دَخَلُوا الْجَنَّةَ نَادَاهُمْ مُنَادٍ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ: فَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: الزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى "

قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: " الْحُسْنَى: النَّضْرَةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا، عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ، قَالَ: ثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: الْحُسْنَى: الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ فِي الزِّيَادَةُ بِمَا

حَدَّثَنَا بِهِ، يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: الزِّيَادَةُ: غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ فُضَيْلِ سَوَاءً وَقَالَ آخَرُونَ: الْحُسْنَى وَاحِدَةٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ بِوَاحِدَةٍ.
وَالزِّيَادَةُ: التَّضْعِيفُ إِلَى تَمَامِ الْعَشْرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35] يَقُولُ: يَجْزِيهِمْ بِعَمَلِهِمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: قُلْتُ: هَذِهِ الْحُسْنَى، فَمَا الزِّيَادَةُ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: الزِّيَادَةُ: بِالْحَسَنَةِ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْحُسْنَى: حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ.
وَالزِّيَادَةُ: زِيَادَةٌ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26] مِثْلَهَا حُسْنَى وَزِيَادَةٌ مَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: الزِّيَادَةُ مَا أُعْطُوا فِي الدُّنْيَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: الْحُسْنَى: الْجَنَّةُ، وَزِيَادَةٌ: مَا أَعْطَاهُمْ فِي الدُّنْيَا لَا يُحَاسِبُهُمْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَرَأَ ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: 27] قَالَ: مَا آتَاهُ مِمَّا يُحِبُّ فِي الدُّنْيَا عَجَّلَ لَهُ أَجْرَهُ فِيهَا " وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26] بِمَا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26] يَقُولُ: لِلَّذِينَ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى إِحْسَانِهِمُ الْحُسْنَى أَنْ يَجْزِيَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ الْجَنَّةَ، وَأَنْ

تَبْيَضَّ وُجُوهُهُمْ، وَوَعَدَهُمْ مَعَ الْحُسْنَى الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا، وَمِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةِ أَنْ يُكْرِمَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُعْطَيهُمْ غُرَفًا مِنْ لَآلِئٍ، وَأَنْ يَزِيدَهُمْ غُفْرَانًا وَرِضْوَانًا؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَاتِ عَطَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى الْحُسْنَى الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِأَهْلِ جَنَّاتِهِ.
وَعَمَّ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] الزِّيَادَاتِ عَلَى الْحُسْنَى، فَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ لَهُمْ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مَجْمُوعٌ لَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 26] " يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26] لَا يَغْشَى وُجُوهَهُمْ كَآبَةٌ وَلَا كُسُوفٌ حَتَّى تَصِيرَ مِنَ الْحُزْنِ كَأَنَّمَا عَلَاهَا قَتَرٌ.
وَالْقَتَرُ: الْغُبَارُ وَهُوَ جَمْعُ قَتَرَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

[البحر البسيط] مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا يَعْنِي بِالْقَتَرِ: الْغُبَارَ.
﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26] وَلَا هَوَانٌ.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: 82] يَقُولُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَسُكَّانُهَا ومن ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ هُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ أَبَدًا لَا تَبِيدُ فَيَخَافُوا زَوَالَ نَعِيمِهِمْ، وَلَا هُمْ بِمُخْرَجِينَ فَتَتَنَغَّصُ عَلَيْهِمْ لَذَّتُهُمْ.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس: 26] مَا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: " ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ بَعْضٌ: نَظَرُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ وَمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَا: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا قَالُ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ [يونس: 26] قَالَ: سَوَادُ الْوُجُوهِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا، فَعَصُوا اللَّهَ فِيهَا، وَكَفَرُوا بِهِ

وَبِرَسُولِهِ، جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الدُّنْيَا بِمِثْلِهَا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27] يَقُولُ:

وَتَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ وَهَوَانٌ بِعِقَابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ.
﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس: 27] يَقُولُ: مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ إِذَا عَاقَبَهُمْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27] قَالَ: تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الرَّافِعِ لِلْجَزَاءِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: رُفِعَ بِإِضْمَارِ «لَهُمْ» ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَهُمْ جَزَاءُ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وَالْمَعْنَى: فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ الْجَزَاءَ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: 27] وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: الْجَزَاءُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ: وَخَبَرُهُ بِمِثْلِهَا.
قَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا، وَزِيدَتِ الْبَاءُ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ: بِحَسْبِكَ قَوْلَ السُّوءِ.
وَقَدْ أُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي «حَسْبِ» زَائِدَةً، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ: إِنْ قُلْتَ السُّوءَ فَهُوَ حَسْبُكَ، فَلَمَّا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْجَزَاءِ أُدْخِلَتْ فِي حَسْبِ بِحَسْبِكَ أَنْ تَقُومَ إِنْ قُمْتَ فَهُوَ حَسْبُكَ، فَإِنْ مَدَحَ مَا بَعْدَ حَسْبِ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِيمَا بَعْدَهَا كَقَوْلِكَ: حَسْبُكَ بِزَيْدٍ، وَلَا

يَجُوزُ: بِحَسْبِكَ زَيْدٌ، لِأَنَّ زَيْدًا الْمَمْدُوحُ، فَلَيْسَ بِتَأْوِيلِ جَزَاءٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارٍ بِمَعْنَى: فَلَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] فَوَصَفَ مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ، فَأَشْبَهَ بِالْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَلِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ.
وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَتِ الْبَاءُ لِلْجَزَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَأَنَّمَا أُلْبِسَتْ وُجُوهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ، وَهِيَ جَمْعُ قِطْعَةٍ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا

حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: 27] قَالَ: ظُلْمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قِطَعًا﴾ [يونس: 27] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿قِطَعًا﴾ [يونس: 27] بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى مَعْنَى جَمْعِ قِطْعَةٍ، وَعَلَى مَعْنَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وَجْهُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قِطْعَةً مِنْ سَوَّادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَمَعَ ذَلِكَ فَقِيلَ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهَهُمْ قِطَعًا مِنْ سَوَّادٍ، إِذْ جَمَعَ «الْوَجْهَ» .

وَقَرَأَهُ بَعْضُ مُتَأَخِرِي الْقُرَّاءِ: «قِطْعًا» بِسُكُونِ الطَّاءِ، بِمَعْنَى: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ، وَبَقِيَّةً مِنَ اللَّيْلِ، سَاعَةً مِنْهُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 81] أَيْ بِبَقِيَّةٍ قَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ، وَيَعْتَلُّ لِتَصْحِيحِ قِرَاءَتَهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّهُ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ: «وَيَغْشَى وُجُوهَهُمْ قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ» . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا عِنْدِي قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الطَّاءِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَصْوِيبِهَا، وَشُذُوذِ مَا عَدَاهَا.
وَحَسْبُ الْأُخْرَى دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِهَا، خُرُوجُ قَارِئِهَا عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاءُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ مَا قُلْتَ، فَمَا وَجْهُ تَذْكِيرِ الْمُظْلِمِ وَتَوْحِيدِهِ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْقِطَعِ، وَالْقِطَعُ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ؟ قِيلَ فِي تَذْكِيرِهِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ نَكِرَةً، وَاللَّيْلُ مَعْرِفَةً نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ.
فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنَ «الْمُظْلِمِ» ، فَلَمَّا صَارَ نَكِرَةً، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ؛ وَتُسَمِّي أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَا كَانَ كَذَلِكَ حَالًا، وَالْكُوفِيُّونَ قَطْعًا.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط]

لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَجْهَيهِ وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 27] يَقُولُ: هُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ نَجْمَعُ الْخَلْقَ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ جَمِيعًا، ثُمَّ نَقُولُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ: مَكَانَكُمْ؛ أَيْ

امْكُثُوا مَكَانَكُمْ، وَقِفُوا فِي مَوْضِعِكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، وَشُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 28] يَقُولُ: فَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَمَا أَشْرَكُوهُ بِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَأَبَنْتُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ: «فَزَيَّلْنَا» إِرَادَةُ تَكْثِيرِ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرِهِ.
وَلَمْ يَقُلْ: «فَزِلْنَا بَيْنَهُمْ» . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ» ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ [لقمان: 18] وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ "، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي فَعَلْتُ، يُلْحِقُونَ فِيهَا أَحْيَانًا أَلِفًا مَكَانَ التَّشْدِيدِ، فَيَقُولُونَ: فَاعَلْتُ إِذَا

كَانَ الْفِعْلُ لِوَاحِدٍ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ فَلَا تَكَادُ تَقُولُ إِلَّا فَاعَلْتُ.
﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: 28] وَذَلِكَ حِينَ ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166] لَمَّا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَنُصِبَتْ لَهُمْ آلِهَتُهُمْ، قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَتِ الْآلِهَةُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.
كَمَا

حُدِّثْتُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " يَكُونُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَاعَةً فِيهَا شِدَّةٌ تُنْصَبُ لَهُمُ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَتَقُولُ الْآلِهَةُ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تعْبُدُونَنَا فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ فَتَقُولُ لَهُمُ الْآلِهَةُ: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 29] "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 28] قَالَ: فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ.
﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: 28] قَالُوا: بَلَى قَدْ كُنَّا نَعْبُدُكُمْ، فَقَالُوا ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَتَكَلَّمُ.
فَقَالَ اللَّهُ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30] . . الْآيَةَ "

وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ الْحَشْرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَوْتَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام: 22] قَالَ: الْحَشْرُ: الْمَوْتُ " وَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ فِي الْقَبْرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَمَّا يُقَالُ لَهُمْ وَيَقُولُونَ فِي الْمَوْقِفِ بَعْدَ الْبَعْثِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ شُرَكَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ لَهَا: إِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ، كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ؛ أَيْ إِنَّهَا تَقُولُ:

حَسْبُنَا اللَّهُ شَاهِدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّا مَا عَلِمْنَا مَا تَقُولُونَ.
﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 29] يَقُولُ: مَا كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ إِيَّانَا دُونَ اللَّهِ إِلَّا غَافِلِينَ، لَا نَشْعُرُ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ.
كَمَا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 29] قَالَ ذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنِي إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ

أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

جارٍ التحميل