وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: 111] يَقُولُ: مَنْ يَحْشُرُ السَّحَرَةَ فَيَجْمَعَهُمْ إِلَيْكَ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّرَطُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: 121] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ عِنْدَمَا عَايَنُوا مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ، سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ.
يَقُولُونَ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يَقُولُونَ: صَدَّقْنَا بِمَا جَاءَنَا بِهِ مُوسَى.
وَأَنَّ الَّذِي
عَلَيْنَا عِبَادَتُهُ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَيُدَبِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ، رَبُّ مُوسَى وَهَارُونَ، لَا فِرْعَوْنُ
كَالَّذِي حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا رَأَتِ السَّحَرَةُ مَا رَأَتْ، عَرَفَتْ أَنَّ ذَلِكَ أَمَرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَلَيْسَ بِسِحْرٍ، خَرُّوا سُجَّدًا، وَقَالُوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 123] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: 123] لِلسَّحَرَةِ إِذْ آمَنُوا بِاللَّهِ، يَعْنِي صَدَّقُوا رَسُولَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا عَايَنُوا مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ: ﴿آمَنْتُمْ﴾
[البقرة: 137] يَقُولُ: أَصَدَّقْتُمْ بِمُوسَى وَأَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ، ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 123] بِالْإِيمَانِ بِهِ.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ [آل عمران: 62] يَقُولُ: تَصْدِيقُكُمْ إِيَّاهُ، وَإِقْرَارُكُمْ بِنُبُوَّتِهِ، ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: 123] يَقُولُ لَخِدْعَةٌ خَدَعْتُمْ بِهَا مَنْ فِي مَدِينَتِنَا لِتُخْرِجُوهُمْ مِنْهَا.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 135] مَا أَفْعَلُ بِكُمْ، وَتَلْقَوْنَ مِنْ عِقَابِي إِيَّاكُمْ عَلَى صَنِيعِهِمْ هَذَا.
وَكَانَ مَكْرُهُمْ ذَلِكَ فِيمَا
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْتَقَى مُوسَى وَأَمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَرَأَيْتَكَ إِنْ غَلَبْتُكَ أَتُؤْمِنُ بِي وَتَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قَالَ السَّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لَا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ وَلَأَشْهَدَنَّ أَنَّكَ حَقٌّ، وَفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ فَهُوَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأعراف: 123] إِذِ الْتَقَيْتُمَا لِتَظَاهَرَا فَتُخْرِجَا مِنْهَا أَهْلَهَا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 124] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ لِلسَّحَرَةِ إِذْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ مُوسَى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: 124] وَذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَحَدِهِمْ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى، أَوْ يَقْطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى
وَرَجَلَهُ الْيُمْنَى، فَيُخَالِفَ بَيْنَ الْعُضْوَيْنِ فِي الْقَطْعِ، فَمُخَالَفَتُهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا هُوَ الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ.
وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ هَذَا الْقَطْعَ فِرْعَوْنُ.
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 124] وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِرْعَوْنُ، لَمَّا رَأَى مِنْ خُذْلَانِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَغَلَبَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَهْرِهِ لَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، وَحَبُّويَهْ الرَّازِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 124] قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَبَ وَأَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلَ مِنْ خِلَافٍ فِرْعَوْنُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ السَّحَرَةُ مُجِيبَةٌ لِفِرْعَوْنَ، إِذْ تَوَعَّدَهُمْ بِقَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالصَّلْبِ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: 125] يَعْنِي بِالِانْقِلَابِ إِلَى اللَّهِ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ وَالْمَصِيرَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأعراف: 126] يَقُولُ: مَا تُنْكِرُ مِنَّا يَا فِرْعَوْنُ وَمَا تَجِدُ عَلَيْنَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ آمَنَّا: أَيْ: صَدَّقْنَا بِآيَاتِ رَبِّنَا، يَقُولُ: بِحُجَجِ رَبِّنَا وَأَعْلَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ثُمَّ فَزِعُوا إِلَى اللَّهِ، بِمَسْأَلَتِهِ الصَّبْرَ عَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ، وَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: 250] يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ: أَفْرِغْ: أَنْزِلْ عَلَيْنَا حَبْسًا يَحْبِسُنَا عَنِ الْكُفْرِ بِكَ عِنْدَ تَعْذِيبِ فِرْعَوْنَ إِيَّانَا.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126] يَقُولُ: وَاقْبِضْنَا إِلَيْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، دَيْنِ خَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا عَلَى الشِّرْكِ بِكَ
فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: 124] فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حِينَ قَالُوا: " ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126] قَالَ: كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَفَى آخِرِ النَّهَارِ شُهَدَاءَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «كَانَتِ السَّحَرَةُ أَوَّلَ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَآخِرَ النَّهَارِ شُهَدَاءَ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: 120] قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَآخِرَهُ شُهَدَاءَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126] قَالَ: كَانُوا أَوَّلَ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَآخِرَهُ شُهَدَاءَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلَهِتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نَسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَتْ جَمَاعَةُ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِفِرْعَوْنَ: أَتَدَعُ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ،
يَقُولُ: كَيْ يُفْسِدُوا خَدَمَكَ وَعَبِيدَكَ عَلَيْكَ فِي أَرْضِكَ مِنْ مِصْرَ، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] يَقُولُ: وَيَذَرَكَ: وَيَدَعُ خِدْمَتَكَ مُوسَى، وَعِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَقَدْ تَرَكَكَ وَتَرَكَ عِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ؟ وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ كَانَ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ [الأعراف: 127] عَلَى الصَّرْفِ، لَا عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ [الأعراف: 127] . وَالثَّانِي: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلِيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ كَالتَّوْبِيخِ مِنْهُمْ لِفِرْعَوْنَ عَلَى تَرْكِ مُوسَى لِيَفْعَلَ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ.
وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ نَصْبُ
: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ [الأعراف: 127] عَلَى الْعَطْفِ عَلَى ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ [الأعراف: 127] وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ [الأعراف: 127] عَلَى الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِهِ جَاءَ.
وَبَعْدُ فَإِنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
الَّذِي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: فِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «وَقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وَآلِهَتَكَ» دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ نَصْبَ ذَلِكَ عَلَى الصَّرْفِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ) عَطْفًا بِقَوْلِهِ: (وَيَذَرُكَ) عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى﴾ [الأعراف: 127] كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؟ وَقَدْ تَحْتَمِلُ قِرَاءَةَ الْحَسَنِ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ يَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ؟ فَيَكُونُ يَذَرُكَ مَرْفُوعًا عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَآلهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] فَإِنَّ قُرَّاءَ الْأَمْصَارِ عَلَى فَتْحِ الْأَلْفِ مِنْهَا وَمَدِّهَا، بِمَعْنَى: وَقَدْ تَرَكَ مُوسَى عِبَادَتَكَ وَعِبَادَةَ آلِهَتِكَ الَّتِي تَعْبُدُهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَةٌ يعَبُدُهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَأَانِهَا: (وَيَذَرَكَ وَإِلْاهَتَكَ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ، بِمَعْنَى: وَيَذَرُكَ وَعُبُودَتَكَ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَرَى الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا، هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ آلِهَةً عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127]
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] وَآلِهَتُهُ فِيمَا زَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، «كَانَتِ الْبَقَرَةَ كَانُوا إِذَا رَأَوْا بَقَرَةً حَسْنَاءَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهَا، فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا وَبَقَرَةً»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَ لِفِرْعَوْنَ جُمَانَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي نَحْرِهِ يَعْبُدُهَا وَيَسْجُدُ لَهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا أَبَانُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: " بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْنَ، كَانَ يَعْبُدُ إِلَهًا فِي السِّرِّ.
وَقَرَأَ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: « كَانَ لِفِرْعَوْنَ إِلَهٌ يَعْبُدُهُ فِي السِّرِّ» ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَيَذَرَكَ وَعِبَادَتَكَ، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَإِلَاهَتَكَ)
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ»
قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ نَافِعٍ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «وَعِبَادَتَكَ، وَيَقُولُ إِنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «يَتْرُكُ عِبَادَتَكَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِلَاهَتَكَ) يَقُولُ: «وَعِبَادَتَكَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) قَالَ: «عِبَادَتُكَ»
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) وَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ» وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ مَنْ قَرَأَ: (وَإِلَاهَتَكَ) إِنَّمَا يَقْصُدُ إِلَى نَحْوِ مَعْنَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] غَيْرَ أَنَّهُ أَنَّثَ وَهُوَ يُرِيدُ إِلَهًا وَاحِدًا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ: وَيَذَرَكَ وَإِلَهَكَ، ثُمَّ أَنَّثَ الْإِلَهَ فَقَالَ: وَإِلَاهَتَكَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سُئِلَ عَنِ الْإِلَاهَةِ فَقَالَ: هِيَ عَلَمَةٌ يُرِيدُ عَلَمًا، فَأَنَّثَ الْعَلَمَ، فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ نُصِبَ لِلْعِبَادَةِ يُعْبَدُ.
وَقَدْ قَالَتْ بِنْتُ عُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْيَرْبُوعِيِّ:
[البحر الرجز]
تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّعْبَاءِ عَصْرًا ... وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَةَ أَنْ تَئُوبَا
يَعْنِي بِالْإِلَاهَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الشَّمْسَ.
وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَأَوِّلَ هَذَا التَّأْوِيلَ وَجَّهَ الْإِلَاهَةَ إِذَا أُدْخِلَتْ فِيهَا هَاءُ التَّأْنِيثِ، وَهُوَ يُرِيدُ وَاحِدَ الْآلِهَةِ، إِلَى نَحْوِ إِدْخَالِهِمُ الْهَاءَ فِي وِلْدَتِي وَكَوْكَبَتِي وَمَاءَتِي، وَهُوَ أَهْلَةُ ذَاكَ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
يَا مُضَرَ الْحَمْرَاءِ أَنْتِ أُسْرَتِي ... وَأَنْتَ مَلْجَاتِي وَأَنْتَ ظَهْرَتِي
يُرِيدُ: ظَهْرِي.
وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ مَا أَرَادَا مِنَ الْمَعْنَى فِي قِرَاءَتِهِمَا ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَأَا، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ مَا قَالَ مَعَ بَيَانِهِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 127] يَقُولُ: قَالَ فِرْعَوْنُ: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمُ الذُّكُورَ مِنْ أَوْلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 127] يَقُولُ: وَنَسْتَبْقِي إِنَاثَهُمْ.
﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127] يَقُولُ: وَإِنَّا عَالُونَ عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ، يَعْنِي بِقَهْرِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَالٍ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: هُوَ فَوْقَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ونَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾
[الأعراف: 128] عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِيمَا يَنُوبُكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَاصْبِرُوا عَلَى مَا نَالَكُمْ مِنَ الْمَكَارِهِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ.
وَكَانَ قَدْ تَبِعَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
عَلَى مَا حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ، اتَّبَعَ مُوسَى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 128] يَقُولُ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُوَرِّثَكُمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى مَا نَالَكُمْ مِنْ مَكْرُوهٍ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَاحْتَسَبْتُمْ ذَلِكَ، وَاسْتَقَمْتُمْ عَلَى السَّدَادِ أَرْضَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، بِأَنْ يُهْلِكَهُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِيهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُوَرِّثُ أَرْضَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128] يَقُولُ: وَالْعَاقِبَةُ الْمَحْمُودَةُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَرَاقَبَهُ، فَخَافَهُ بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَأَدَّى فَرَائِضِهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ
فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] يقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى حِينَ قَالَ لَهُمُ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا: ﴿أُوذِينَا﴾ [الأعراف: 129] بِقَتْلِ أَبْنَائِنَا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ [الأعراف: 129] يَقُولُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْنَا؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَقْتُلُ أَوْلَادَهُمُ الذُّكُورَ حِينَ أَظَلَّهُ زَمَانُ مُوسَى عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يَقُولُ: وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا غُلِبَتْ سَحَرَتُهُ وَقَالَ لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ مَا قَالَ، أَرَادَ تَجْدِيدَ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَوْمَ مُوسَى قَالُوا لِمُوسَى ذَلِكَ حِينَ خَافُوا أَنْ يُدْرِكَهُمْ فِرْعَوْنُ وَهُمْ مِنْهُ هَارِبُونَ، وَقَدْ تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، فَـ ﴿قَالُوا﴾ [البقرة: 11] لَهُ يَا مُوسَى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ [الأعراف: 129] كَانُوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَنَا وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] الْيَوْمَ يُدْرِكُنَا فِرْعَوْنُ فَيَقْتُلُنَا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ [الأعراف: 129] مِنْ قَبْلَ إِرْسَالِ اللَّهِ إِيَّاكَ وَبَعْدَهُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ فَنَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدَفَهُمْ، قَالُوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] وَقَالُوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ [الأعراف: 129] كَانُوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَنَا وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا.
﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] الْيَوْمَ يُدْرِكُنَا فِرْعَوْنُ فَيَقْتُلُنَا، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] "
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " سَارَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى هَجَمُوا عَلَى الْبَحْرِ، فَالْتَفَتُوا فَإِذَا هُمْ بِرَهْجِ دَوَابِّ فِرْعَوْنَ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا، هَذَا الْبَحْرُ أَمَامَنَا وَهَذَا فِرْعَوْنُ بِمَنْ مَعَهُ ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129] وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: 129] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: لَعَلَّ رَبَّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ: فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.
﴿وَيَسُتَخْلِفَكُمْ﴾ [الأعراف: 129] يَقُولُ: يَجْعَلُكُمْ تَخْلُفُونَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، لَا تَخَافُونَهُمْ وَلَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129] يَقُولُ: فَيَرَى رَبُّكُمْ مَا تَعْمَلُونَ بَعْدَهُمْ مِنْ