تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 240-252

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَقُولُ: وَلَكُمْ يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاشٌ تَمْتَهِدُونَهُ

صفحات 240-252
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أُقْسِمُ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ جِئْنَا هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ بِكِتَابٍ، يَعْنِي الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ.
يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ هَذَا الْقُرْآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾

[الأعراف: 52] يَقُولُ: عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِحَقِّ مَا فُصِّلَ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي مُيِّزَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ، ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ [الأعراف: 52] ، يَقُولُ: بَيَّنَّاهُ لِيَهْتَدِيَ وَيُرْحَمَ بِهِ قَوْمٌ يُصَدِّقُونَ بِهِ وَبِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَأَخْبَارِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
فَيُنْقِذُهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مَرْدُودَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: 52] ، وَالْهُدَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْقَطْعِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ [الأعراف: 52] ، وَلَوْ نُصِبَ عَلَى فِعْلِ فَصَّلْنَاهُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَصَّلْنَا الْكِتَابَ كَذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ قُرِئَ (هُدًى وَرَحْمَةٍ) كَانَ فِي الْإِعْرَابِ فَصِيحًا، وَكَانَ خَفْضُ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَى الْكِتَابِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾

[الأعراف: 53] : هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَجْحَدُونَ لِقَاءَهُ، إِلَّا تَأْوِيلَهُ؟ يَقُولُ: إِلَّا مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنْ وُرُودِهِمْ عَلَى

عَذَابِ اللَّهِ، وَصِلِيِّهِمْ جَحِيمَهُ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] : «أَيْ ثَوَابَهُ» ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] : «أَيْ ثَوَابُهُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] قَالَ: " تَأْوِيلُهُ: عَاقِبَتُهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، قَالَ: «جَزَاءَهُ» ، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] قَالَ: «جَزَاؤُهُ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] " أَمَّا تَأْوِيلُهُ: فَعَوَاقِبُهُ مِثْلُ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَالْقِيَامَةِ، وَمَا وَعَدَ فِيهِ مِنْ مَوْعِدٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 53] ، " فَلَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْ تَأْوِيلِهِ أَمْرٌ حَتَّى يَتِمَّ تَأْوِيلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، حَيْثُ أَثَابَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْلِيَاءَهُ وَأَعْدَاءَهُ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 53] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] قَالَ: «يَوْمُ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] ، قَالَ: " يَأْتِي تَحْقِيقُهُ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 100] ، قَالَ: هَذَا تَحْقِيقُهَا.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] ، قَالَ: مَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَمَتَى يَأْتِي إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: 53] ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَوْمَ يَجِيءُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: 53] ، أَيْ يَقُولُ الَّذِينَ ضَيَّعُوا وَتَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُنَجِّيهِمْ مِمَّا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعَذَابِ مِنْ قَبْلُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 53] ، أَقْسَمَ الْمَسَاكِينُ حِينَ عَايَنُوا الْبَلَاءَ وَحَلَّ بِهِمُ الْعِقَابُ أَنَّ رُسُلَ اللَّهِ الَّتِي أَتَتَّهِمُ بِالنِّذَارَةِ وَبَلَّغَتْهُمْ عَنِ اللَّهِ الرِّسَالَةَ، قَدْ كَانَتْ نَصَحَتْ لَهُمْ وَصَدَّقَتْهُمْ عَنِ اللَّهِ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ التَّصْدِيقُ وَلَا يُنَجِّيهِمْ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ كَثْرَةُ الْقِيلِ وَالْقَالِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 53] ، " أَمَّا الَّذِينَ نَسُوهُ فَتَرَكُوهُ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا وَعَدَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمُ اسْتَيْقَنُوا فَقَالُوا: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي

نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: 53] ، قَالَ: «أَعْرَضُوا عَنْهُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: 53] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عِنْدَ حُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ بِهِمْ وَوُرُودِهِمْ أَلِيمَ عَذَابِهِ وَمُعَايَنَتِهِمْ

تَأْوِيلَ مَا كَانَتْ رُسُلُ اللَّهِ تَعِدُهُمْ: هَلْ لَنَا مِنْ أَصْدِقَاءَ وَأَوْلِيَاءَ الْيَوْمَ، فَيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا، فَتُنَجِّينَا شَفَاعَتُهُمْ عِنْدَهُ مِمَّا قَدْ حَلَّ بِنَا مِنْ سُوءِ فِعَالِنَا فِي الدُّنْيَا، أَوْ نُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى، فَنَعْمَلَ فِيهَا بِمَا يُرْضِيهِ وَيُعْتِبُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا؟ قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْمَسَاكِينِ هُنَالِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَهِدُوا فِي الدُّنْيَا أَنْفُسَهُمْ لَهَا شُفَعَاءَ تَشْفَعُ لَهُمْ فِي حَاجَاتِهِمْ، فَيَذْكُرُوا ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا خُلَّةَ فِيهِ لَهُمْ وَلَا شَفَاعَةَ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: 53] ، يَقُولُ: غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهَا بِبَيْعِهِمْ مَا لَا خَطَرَ لَهُ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ الدَّائِمِ بِالْخَسِيسِ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 24] يَقُولُ: وَأَسْلَمَهُمْ لِعَذَابِ اللَّهِ،

وَحَادَ عَنْهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَزْعُمُونَ كَذِبًا وَافْتِرَاءً أَنَّهُمْ أَرْبَابُهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: 53] يَقُولُ: «شَرَوْهَا بِخُسْرَانٍ» وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ [الأعراف: 53] ، وَلَمْ يُنْصَبْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: 53] ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: هَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا، أَوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ.
وَلَمْ يُرَدْ بِهِ الْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: 53]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ سَيِّدَكُمْ وَمُصْلِحَ أُمُورِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ،

هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " بَدْءُ الْخَلْقِ: الْعَرْشُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَخُلِقَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْمَاءِ، وَكَانَ بَدْءُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ، وَجَمَعَ الْخَلْقَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَتَهَوَّدَتِ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمٌ مِنَ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ كَأَلِفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ

" ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: 54] فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُورِدُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ فَيُلْبِسُهُ إِيَّاهُ، حَتَّى يُذْهِبَ نُضْرَتَهُ وَنُورَهُ.
﴿يَطْلُبُهُ﴾ [الأعراف: 54] يَقُولُ: يَطْلُبُ اللَّيْلُ النَّهَارَ، ﴿حَثِيثًا﴾ [الأعراف: 54] يَعْنِي سَرِيعًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: 54] يَقُولُ: «سَرِيعًا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: 54] ، قَالَ: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ بِضَوْئِهِ، وَيَطْلُبُهُ سَرِيعًا حَتَّى يُدْرِكَهُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ

وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، كُلُّ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ، أَمَرَهُنَّ اللَّهُ فَأَطَعْنَ أَمْرَهُ، أَلَا لِلَّهِ الْخَلْقُ كُلُّهُ، وَالْآمِرُ الَّذِي لَا يُخَالَفُ وَلَا يُرَدُّ أَمْرُهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَدُونَ مَا عَبَدَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَخْلُقُ وَلَا تَأْمُرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ مَعْبُودَنَا الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ، لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ، قَلَّ شُكْرُهُ وَحَبِطَ عَمَلُهُ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْعِبَادِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ادْعُوا أَيُّهَا النَّاسُ رَبَّكُمْ وَحْدَهُ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ دُونَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ.
﴿تَضَرُّعًا﴾ [الأنعام: 63] يَقُولُ: تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً لِطَاعَتِهِ.
﴿وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: 63] يَقُولُ: بِخُشُوعِ قُلُوبِكُمْ وَصِحَّةِ الْيَقِينِ

مِنْكُمْ بِوَحْدَانِيَّتِهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، لَا جِهَارًا مُرَاءَاةً، وَقُلُوبُكُمْ غَيْرُ مُوقِنَةٍ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، فِعْلَ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْخِدَاعِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ

كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ

الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَمَا يَشْعُرُ جَارُهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ فَقِهَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ الزُّوَّارُ وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ.
وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِّرِّ فَيَكُونُ عَلَانِيَةً أَبَدًا.
وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا، فَرَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَأَشْرَفُوا عَلَى وَادٍ يُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا مَعَكُمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] ، قَالَ: «السِّرُّ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَا يُحِبُّ مَنِ اعْتَدَى فَتَجَاوَزَ حَدَّهُ الَّذِي حَدَّهُ لِعِبَادِهِ فِي دُعَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ، وَرَفْعِهِ صَوْتَهُ فَوْقَ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّ لَهُمْ فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهُ وَمَسْأَلَتِهِمْ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ

كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] ، قَالَ: «لَا يَسْأَلُ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ»

حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] " فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «إِنَّ مِنَ الدُّعَاءِ اعْتِدَاءٌ، يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالنِّدَاءُ وَالصِّيَاحُ بِالدُّعَاءِ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56] : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَعْصَوْهُ فِيهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْفَسَادُ فِيهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ

فِيمَا مَضَى وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ بِشَوَاهِدِهِ.
﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56] يَقُولُ: بَعْدَ إِصْلَاحِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ

بِابْتِعَاثِهِ فِيهِمُ الرُّسُلَ دُعَاةً إِلَى الْحَقِّ، وَإِيضَاحِهِ حُجَجَهُ لَهُمْ.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56] ، يَقُولُ: وَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ وَالْعَمَلَ، وَلَا تُشْرِكُوا فِي عَمَلِكُمْ لَهُ شَيْئًا غَيْرَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلْيَكُنْ مَا يَكُونُ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ وَطَمَعًا فِي ثَوَابِهِ، وَإِنَّ مَنْ كَانَ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِالْآخِرَةِ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ عِقَابَ اللَّهِ وَلَمْ يَرْجُ ثَوَابَهُ لَمْ يُبَالِ مَا رَكِبَ مِنْ أَمْرٍ يَسْخَطُهُ اللَّهُ وَلَا يَرْضَاهُ ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَرِيبٌ مِنْهُمْ.
وَذَلِكَ هُوَ رَحْمَتُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرُوا إِلَى ذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ، إِلَّا أَنْ تُفَارِقَ أَرْوَاحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ، وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186] ، وَهُوَ مِنْ خَبَرِ الرَّحْمَةِ وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْقُرْبُ فِي الْوَقْتِ لَا فِي النَّسَبِ، وَالْأَوْقَاتُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، إِذَا رُفِعَتْ أَخْبَارًا لِلْأَسْمَاءِ أَجْرَتْهَا الْعَرَبُ مَجْرَى الْحَالِ فَوَحَّدَتْهَا مَعَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ وَذَكَّرَتْهَا مَعَ الْمُؤَنَّثِ، فَقَالُوا: كَرَامَةُ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ فُلَانٍ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْ فُلَانٍ، كَمَا يَقُولُونَ: هِنْدُ قَرِيبٌ مِنَّا، وَالْهِنْدَانُ مِنَّا قَرِيبٌ، وَالْهِنْدَاتُ مِنَّا قَرِيبٌ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: هِيَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَّا، فَإِذَا حَذَفُوا الْمَكَانَ وَجَعَلُوا الْقَرِيبَ خَلَفًا مِنْهُ، ذَكَّرُوهُ وَوَحَّدُوهُ فِي الْجَمْعِ، كَمَا كَانَ الْمَكَانُ مُذَكَّرًا وَمُوَحَّدًا فِي الْجَمْعِ.
وَأَمَّا إِذَا أَنَّثُوهُ أَخْرَجُوهُ مُثَنًّى مَعَ الِاثْنَيْنِ وَمَجْمُوعًا مَعَ الْجَمِيعِ، فَقَالُوا: هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَّا، وَهُمَا مِنَّا قَرِيبَتَانِ، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ: [البحر الطويل]

عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ فَأَنَّثَ قَرِيبَةٌ، وَذَكَّرَ بَعِيدًا عَلَى مَا وَصَفْتُ.
وَلَوْ كَانَ الْقَرِيبُ مِنَ الْقَرَابَةِ فِي النَّسَبِ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُؤَنَّثِ إِلَّا مُؤَنَّثًا، وَمَعَ الْجَمْعِ إِلَّا مَجْمُوعًا.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: ذُكِّرَ قَرِيبٌ وَهُوَ صِفَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: رِيحٌ خَرِيقٌ، وَمِلْحَفَةٌ جَدِيدٌ، وَشَاةٌ سَدِيسٌ.
قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَفْسِيرُ الرَّحْمَةِ هَهُنَا الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ، فَلِذَلِكَ ذَكَّرَ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ [الأعراف: 87] فَذَكَّرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّاسَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ كَبَعْضِ مَا يُذَكِّرُونَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر المتقارب] وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَرَأَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُذَكِّرَ قَرِيبًا تَوْجِيهًا مِنْهُ لِلرَّحْمَةِ إِلَى مَعْنَى الْمَطَرِ أَنْ يَقُولَ: هِنْدُ قَامَ، تَوْجِيهًا مِنْهُ لِهِنْدَ وَهِيَ امْرَأَةٌ إِلَى مَعْنَى إِنْسَانٍ، وَرَأَى أَنَّ مَا شَبَّهَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ [الأعراف: 87] غَيْرُ مُشْبِهَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِيمَا زَعَمَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّيْفِ، كَمَا الصَّيْحَةُ وَالصِّيَاحُ بِمَعْنًى، وَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا

بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ (هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) . وَالنَّشْرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الرِّيَاحِ الطَّيِّبَةِ اللَّيِّنَةِ الْهُبُوبِ الَّتِي تُنْشِئُ السَّحَابَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رِيحٍ طَيِّبَةٍ عِنْدَهُمْ فَهِيَ نَشْرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [البحر المتقارب] كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَنَشْرَ الْقُطُرْ وَبِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ خَلَا عَاصِمَ بْنَ أَبِي النَّجُودِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: ﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: 57] عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ فِيهِ، فَرَوَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ: ﴿بُشْرًا﴾ [الأعراف: 57] بِالْبَاءِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الشِّينِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْبَاءِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ الشِّينِ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] : تُبَشِّرُ بِالْمَطَرِ، وَأَنَّهُ جَمْعُ بَشِيرٍ بُشُرًا، كَمَا يُجْمَعُ النَّذِيرُ نُذُرًا.
وَأَمَّا قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا ذَلِكَ: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُرًا) بِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، بِمَعْنَى جَمْعِ نُشُورٍ جُمِعَ نُشُرًا، كَمَا يُجْمَعُ الصَّبُورُ صُبُرًا، وَالشَّكُورُ شُكُرًا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: مَعْنَاهَا إِذَا قُرِئَتْ كَذَلِكَ أَنَّهَا الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَتَجِيءُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِذَا قُرِئَتْ بِضَمِّ النُّونِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسَكَّنَ شِينُهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لُغَةً بِمَعْنَى النَّشْرِ بِالْفَتْحِ، وَقَالَ: الْعَرَبُ تَضُمُّ النُّونَ مِنَ النَّشْرِ أَحْيَانًا، وَتَفْتَحُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ.
قَالَ: فَاخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا فِي لُغَتِهَا فِيهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: هُوَ نَظِيرُ الْخَسْفِ وَالْخُسْفِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ (نَشْرًا) وَ (نُشُرًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَبِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْبَاءِ فَلَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَوَجْهٌ مَفْهُومٌ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ

جارٍ التحميل