وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] فَأَتْبَعَ فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُشْرِقِينَ حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، وَقِيلَ حِينَ أَصْبَحُوا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثني أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] قَالَ: " خَرَجَ مُوسَى لَيْلًا، فَكَسَفَ الْقَمَرُ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: إِنَّ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَنَّا سَنَنْجَى مِنْ فِرْعَوْنَ، وَأَخَذَ عَلَيْنَا الْعَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظَامِهِ مَعَنَا، فَخَرَجَ مُوسَى لَيْلَتَهُ يَسْأَلُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُهَا عَلَى قَبْرِهِ، فَأَخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِهَا، وَكَانَ حُكْمُهَا أَوْ كَلِمَةٌ تَشْبِهُ هَذَا، أَنْ قَالَتِ: احْمِلْنِي فَأَخْرِجْنِي مَعَكَ، فَجَعَلَ عِظَامَ يُوسُفَ فِي كِسَائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ الْعَجُوزَ عَلَى كِسَائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَخَيْلُ فِرْعَوْنَ هِيَ مِلْءُ أَعِنَّتِهَا حَضَرًا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَلَا تَبْرَحُ حَبَسَتْ عَنْ مُوسَى وَأَصْحَابِهِ حَتَّى تَوَارَوْا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] قَالَ: فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ، وَخَيْلُ فِرْعَوْنَ فِي مَلْءِ أَعِنَّتِهَا فِي رَأْيِ عُيُونِهِمْ، وَلَا تَبْرَحُ حَبَسَتْ عَنْ مُوسَى وَأَصْحَابِهِ حَتَّى تَوَارَوْا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ.
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا تَنَاظَرَ الْجَمْعَانِ: جَمْعُ مُوسَى وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَجَمْعُ فِرْعَوْنَ وَهُمُ
الْقِبْطُ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] أَيْ إِنَّا لَمُلْحَقُونَ، الْآنَ يَلْحَقُنَا فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَيَقْتُلُونَنَا، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ لِمُوسَى تَشَاؤُمًا بِمُوسَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] ، قَالَ: " تَشَاءَمُوا بِمُوسَى، وَقَالُوا: أَوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا، وَمَنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا "
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: 61] فَنَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى فِرْعَوْنَ قَدْ رَمَقَهُمْ قَالُوا ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] . ﴿قَالُوا﴾ [الأعراف: 129] يَا مُوسَى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمَنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] الْيَوْمَ يُدْرِكُنَا فِرْعَوْنُ فَيَقْتُلُنَا، إِنَّا لَمُدْرَكُونَ؛ الْبَحْرُ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَفِرْعَوْنُ مِنْ خَلْفِنَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا انْتَهَى مُوسَى إِلَى الْبَحْرِ، وَهَاجَتِ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، فَنَظَرَ أَصْحَابُ مُوسَى خَلْفَهُمْ إِلَى الرِّيحِ، وَإِلَى الْبَحْرِ أَمَامَهُمْ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ , قَالَ كَلَّا، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] ". وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى الْأَعْرَجِ ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] ، وَقَرَأَهُ الْأَعْرَجُ: (إِنَّا لَمُدَّرَكُونَ) كَمَا يُقَالُ نَزَلْتُ، وَأُنْزَلْتُ.
وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ، كَلَّا لَنْ تُدْرَكُوا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، يَقُولُ: سَيَهْدِينِ لِطَرِيقٍ أَنْجُو فِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
كَمَا: حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: " لَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَى سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ، سِوَى مَا فِي جُنْدِهِ مِنْ شِيَةِ الْخَيْلِ، وَخَرَجَ مُوسَى حَتَّى إِذَا قَابَلَهُ الْبَحْرُ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْهُ مُنْصَرَفٌ، طَلَعَ فِرْعَوْنُ فِي جُنْدِهِ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ , قَالَ كَلَّا، إِنَّ مِعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] أَيْ لِلنَّجَاةِ، وَقَدْ وَعَدَنِي ذَلِكَ، وَلَا خَلَفَ لِمَوْعُودِهِ "
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] يَقُولُ: سَيَكْفِينِي، وَقَالَ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129] "
وَقَوْلُهُ ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63] ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ أَمَرَ الْبَحْرَ أَنْ لَا يَنْفَلِقَ حَتَّى يَضْرِبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " فَتَقَدَّمَ هَارُونُ فَضَرَبَ الْبَحْرَ، فَأَبَى أَنْ يَنْفَتِحَ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا الْجَبَّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي، حَتَّى أَتَاهُ مُوسَى فَكَنَّاهُ أَبَا خَالِدٍ، وَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَ إِلَى الْبَحْرِ: إِذَا ضَرْبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ، قَالَ: فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَرَقًا مِنَ اللَّهِ، وَانْتِظَارَ أَمَرِهِ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ، فَضَرَبَهُ بِهَا وَفِيهَا سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ، فَانْفَلَقَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، ظَنَّ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، قَالَ: " لَمَّا ضَرَبَ مُوسَى بِعَصَاهُ الْبَحْرَ، قَالَ: إِيهًا أَبَا خَالِدٍ، فَأَخَذَهُ أَفْكَلُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَحَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِ، قَالُوا: " لَمَّا انْتَهَى مُوسَى إِلَى الْبَحْرِ وَهَاجَتِ الرِّيحُ وَالْبَحْرُ يَرْمِي بِنِيَارِهِ، وَيَمُوجُ مِثْلُ الْجِبَالِ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنْ لَا يَنْفَلِقَ حَتَّى يَضْرِبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا، فَقَالَ لَهُ يُوشَعُ: يَا كَلِيمَ اللَّهِ، أَيْنَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: هَهُنَا، قَالَ: فَجَازَ الْبَحْرَ مَا يُوَارِي حَافِرَهُ الْمَاءُ، فَذَهَبَ الْقَوْمُ يَصْنَعُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا، وَقَالَ لَهُ الَّذِي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ: يَا كَلِيمَ اللَّهِ، أَيْنَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: هَهُنَا، فَكَبَحَ فَرَسَهُ بِلِجَامِهِ حَتَّى طَارَ الزَّبَدُ مِنْ شِدْقَيْهِ، ثُمَّ قَحَمَهُ الْبَحْرُ فَأَرْسَبَ فِي الْمَاءِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ، فَضَرَبَ بِعَصَاهُ مُوسَى الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ، فَإِذَا الرَّجُلُ وَاقِفٌ عَلَى فَرَسِهِ لَمْ يُبْتَلَّ سَرْجُهُ وَلَا لُبْدُهُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْبَحْرِ لَمَّا ضَرَبَهُ مُوسَى كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ انْفَلَقَ اثْنَتَى عَشْرَةَ فِلْقَةً عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ فِرْقٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] يَقُولُ: كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ فِي الْبَحْرِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا، فِي كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وَكَانَ الطَّرِيقُ كَمَا إِذَا انْفَلَقَتِ الْجُدْرَانُ، فَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أَصْحَابُنَا؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مُوسَى دَعَا اللَّهَ فَجَعَلَهَا قَنَاطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقَانِ، فَنَظَرَ آخِرُهُمْ إِلَى أَوَّلِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا جَمِيعًا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَحَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِ، قَالُوا: " انْفَلَقَ الْبَحْرُ، فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا، فِي كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وَكَانَتِ الطُّرُقُ بِجُدْرَانٍ، فَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أَصْحَابُنَا؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مُوسَى، دَعَا اللَّهَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ بِقَنَاطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقَانِ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَعَلَى أَرْضٍ يَابِسَةٍ كَأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يُصِبْهَا قَطُّ حَتَّى عَبَرَ "
قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «لَمَّا انْفَلَقَ الْبَحْرُ لَهُمْ صَارَ فِيهِ كَوًى يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: " ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] أَيْ كَالْجَبَلِ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَوْلَهُ: " ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] يَقُولُ: كَالْجَبَلِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] قَالَ: كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ ". وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: [البحر الكامل] حَلُّوا بِأَنْقِرَةٍ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ ... مَاءُ الْفُرَاتِ يَجِيءُ مِنْ أَطْوَادِ يَعْنِي بِالْأَطْوَادِ: جَمْعَ طَوْدٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ.
وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 65] يَعْنِي بِقَوْلِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] وَقَرَّبْنَا هُنَالِكَ آلَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْبَحْرِ، وَقَدَّمْنَاهُمْ إِلَيْهِ،
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90] بِمَعْنَى: قُرِّبَتْ وَأُدْنِيَتْ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] طَيَّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا ... سَمَاوَةَ الْهِلَالِ حَتَّى احْقَوْقَفَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] قَالَ: قَرَّبْنَا "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] قَالَ: هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، قَرَّبَهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَغْرَقَهُمْ فِي الْبَحْرِ "
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " دَنَا فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ مِنَ الْبَحْرِ؛ فَلَمَّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إِلَى الْبَحْرِ مُنْفَلِقًا، قَالَ: أَلَا تَرَوْنَ الْبَحْرَ فَرَقَ مِنِّي، قَدْ تَفَتَّحَ لِي حَتَّى أُدْرِكَ أَعْدَائِي فَأَقْتُلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] يَقُولُ: قَرَّبْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، هُمْ آلُ فِرْعَوْنَ؛ فَلَمَّا قَامَ فِرْعَوْنُ عَلَى الطُّرُقِ، وَأَبَتْ خَيْلُهُ أَنْ تَقْتَحِمَ، فَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَاذِيَانَةَ، فَتَشَامَّتِ الْحُصُنُ رِيحَ الْمَاذِيَانَةِ فَاقْتَحَمَتْ فِي أَثَرِهَا حَتَّى إِذَا هَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَدَخَلَ آخِرُهُمْ أَمَرَ الْبَحْرَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ، فَالْتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وَتَفَرَّدَ جَبْرَائِيلُ بِمِقْلَةٍ مِنْ مِقَلِ الْبَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّهَا فِي فِيهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَاءِ، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: يَا مُكَلِّمَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ يَتَّبِعُونَنَا فِي الطَّرِيقِ، فَاضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَاخْلِطْهُ، فَأَرَادَ مُوسَى أَنْ يَفْعَلَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِ ﴿اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: 24] يَقُولُ: أَمْرُهُ عَلَى سَكَنَاتِهِ ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: 24] إِنَّمَا أُمْكِرَ بِهِمْ، فَإِذَا سَلَكُوا طَرِيقَكُمْ غَرَّقْتُهُمْ؛ فَلَمَّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إِلَى الْبَحْرِ قَالَ: أَلَا تَرَوْنَ الْبَحْرَ فَرِقَ مِنِّي حَتَّى تَفَتَّحَ لِي حَتَّى أُدْرِكَ أَعْدَائِي فَأَقْتُلَهُمْ؛ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى أَفْوَاهِ الطُّرُقِ وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ، فَرَأَى الْحِصَانُ الْبَحْرَ فِيهِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ هَابَ وَخَافَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ: أَنَا رَاجِعٌ، فَمَكَرَ بِهِ جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى، فَأَدْنَاهَا مِنْ حِصَانِ فِرْعَوْنَ، فَطَفِقَ فَرَسُهُ لَا يَقَرُّ، وَجَعَلَ جِبْرَائِيلُ يَقُولُ: تَقَدَّمْ، وَيَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقُّ بِالطَّرِيقِ مِنْكَ، فَتَشَامَّتِ الْحُصُنُ الْمَاذِيَانَةَ، فَمَا مَلَكَ فِرْعَوْنُ فَرَسَهُ أَنْ وَلَجَ عَلَى أَثَرِهِ؛ فَلَمَّا انْتَهَى فِرْعَوْنُ إِلَى وَسَطِ الْبَحْرِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ: خُذْ عَبْدِيَ الظَّالِمَ وَعِبَادِيَ الظُّلْمَةَ، سُلْطَانِي فِيكَ، فَإِنِّي قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَتَغَطْغَطَتْ تِلْكَ الْفِرَقُ مِنَ الْأَمْوَاجِ كَأَنَّهَا الْجِبَالُ، وَضَرَبَ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90] , وَكَانَ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ لِمَا رَدَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلِطُولِ عِلَاجِ مُوسَى إِيَّاهُ، فَدَخَلَ فِي أَسْفَلِ الْبَحْرِ فَأَخْرَجَ طِينًا فَحَشَاهُ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ لِكَيْ لَا يَقُولَهَا الثَّانِيَةَ، فَتُدْرِكُهُ الرَّحْمَةُ، قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِيكَائِيلَ يُعَيِّرُهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91] وَقَالَ جَبْرَائِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أَبْغَضْتُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَالْآخَرُ فِرْعَوْنُ ﴿قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَا مُحَمَّدُ وَأَنَا أَحْشُو فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً يَرْحَمُهُ اللَّهُ بِهَا "
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64] وَجَمَعْنَا، قَالَ: وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، قَالَ: وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهَا لَيْلَةُ جَمْعٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ: وَأَهْلَكْنَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى مِمَّا أَتْبَعْنَا بِهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْغَرَقِ فِي الْبَحْرِ وَمَنْ مَعَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَجْمَعِينَ