وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا تَزْجُرْهُمَا. كَمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: 29] قَالَ: مَغْلُولَةٌ لَا تَبْسُطُهَا بِخَيْرٍ وَلَا بِعَطِيَّةٍ ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29] فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَيَنْفُذَ مَا مَعَكَ، وَمَا فِي يَدَيْكَ، فَيَأْتِيِكَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ تُعْطِيَهُ فَيَحْسُرُ بِكَ، فَيَلُومُكَ حِينَ أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ تُعْطِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ يَبْسُطُ رِزْقَهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ، وَيَقْدِرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، يَقُولُ: وَيُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، فَيُضَيِّقُ
عَلَيْهِ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الإسراء: 30] يَقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ ذُو خِبْرَةٍ بِعِبَادِهِ، وَمَنِ الَّذِي تُصْلِحُهُ السِّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَتُفْسِدُهُ، وَمَنِ الَّذِي يُصْلِحُهُ الْإِقْتَارُ وَالضِّيِقُ وَيُهْلِكُهُ.
﴿بَصِيرًا﴾ [النساء: 58] يَقُولُ: هُوَ ذُو بَصَرٍ بِتَدْبِيرِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ، يَقُولُ: فَانْتَهِ
يَا مُحَمَّدُ إِلَى أَمْرِنَا فِيمَا أَمَرْنَاكَ وَنَهَيْنَاكَ مِنْ بَسْطِ يَدِكَ فِيمَا تَبْسُطُهَا فِيهِ، وَفِيمَنْ تَبْسُطُهَا لَهُ، وَمَنْ كَفَّهَا عَمَّنْ تَكُفُّهَا عَنْهُ، وَتَكُفُّهَا فِيهِ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ مِنْكَ، وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَأَبْصَرُ بِتَدْبِيرِهِمْ، كَالَّذِي:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَيْفَ يَصْنَعُ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: 30] قَالَ: يَقْدِرُ: يُقِلُّ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ يَقْدِرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَرْزَؤُهُ وَلَا يَئُودُهُ أَنْ لَوَ بَسَطَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ نَظَرًا لَهُمْ مِنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27] قَالَ: وَالْعَرَبُ إِذَا كَانَ الْخِصْبُ وَبُسِطَ عَلَيْهِمْ أَشِرُوا، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَجَاءَ الْفَسَادُ، فَإِذَا كَانَ السَّنَةُ شُغِلُوا عَنْ ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: 23] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] فَمَوْضِعُ تَقْتُلُوا نُصِبَ عَطْفًا عَلَى أَلَّا تَعْبُدُوا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ:
﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] خَوْفَ إِقْتَارٍ وَفَقْرٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى وَذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ لِلْعَرَبِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَوْفَ الْعَيْلَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدُُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] أَيْ خَشْيَةَ الْفَاقَةِ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ خَشْيَةَ الْفَاقَةِ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ رِزْقَهُمْ وَرِزْقُ أَوْلَادِهِمْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنْ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] قَالَ: كَانُوا يَقْتُلُونَ الْبَنَاتِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] قَالَ: الْفَاقَةُ وَالْفَقْرُ
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] يَقُولُ: الْفَقْرُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾
بِكَسْرِ الْخَاءِ مِنَ الْخِطْءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ.
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ لَهُ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَطِئْتُ فَأَنَا أَخْطَأُ، بِمَعْنَى: أَذْنَبْتُ وَأَثِمْتُ.
وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ: خَطِئْتُ: إِذَا أَذْنَبْتَ عَمْدًا، وَأَخْطَأْتُ: إِذَا وَقَعَ مِنْكَ الذَّنْبُ خَطَأً عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ مِنْكَ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَطَأٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ، ثُمَّ كُسِرَتِ الْخَاءُ وَسُكِّنَتِ الطَّاءُ، كَمَا قِيلَ: قَتَبٌ وَقِتْبٌ وَحَذَرٌ وَحِذْرٌ، وَنَجَسُ وَنِجْسٌ.
وَالْخِطْءُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ، وَالْخَطَأُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَطِئَ الرَّجُلُ، وَقَدْ يَكُونُ اسْمًا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَخْطَأَ.
فَأَمَّا الْمَصْدَرُ مِنْهُ فَالْإِخْطَاءُ.
وَقَدْ قِيلَ: خَطِئَ، بِمَعْنَى أَخْطَأَ، كَمَا قَالَ: الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كَاهِلَا
بِمَعْنَى: أَخْطَأْنَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ مَقْصُورًا عَلَى تَوْجِيهِهِ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَخْطَأَ فُلَانٌ خَطَأً.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَاءً) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ وَمَدِّ الْخَطَاءِ بِنَحْو مَعْنَى مَنْ قَرَأَهُ خَطَأً بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي مَدِّ
الْحَرْفِ.
وَكَانَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْخِطْءَ وَالْخَطَأَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ الْخِطْأَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ فِي الْقِرَاءَةِ أَكْثَرُ، وَأَنَّ الْخَطَأَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالطَّاءِ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَفْشَى، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْخِطْأَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، إِلَّا فِي بَيْتٍ أَنْشَدَهُ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:
[البحر البسيط]
الْخِطْءُ فَاحِشَةٌ وَالْبِرُّ نَافِلَةٌ ... كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ تُؤْتَبَرُ
وَقَدْ ذَكَرْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخِطْءِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَفَتْحِهِمَا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَشُذُوذِ مَا عَدَاهَا.
وَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ إِثْمًا وَخَطِيئَةً، لَا خَطَأً مِنَ الْفِعْلِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَقْتُلُونَهُمْ عَمْدًا لَا خَطَأً، وَعَلَى عَمْدِهِمْ ذَلِكَ عَاتَبَهُمْ رَبُّهُمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قَالَ: أَيْ خَطِيئَةً
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ قَالَ: خَطِيئَةً قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خِطْئًا: أَيْ خَطِيئَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَضَى أَيْضًا أَنْ ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ [النساء: 43] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ يَقُولُ: إِنَّ الزِّنَا كَانَ فَاحِشَةً ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22] يَقُولُ: وَسَاءَ طَرِيقُ الزِّنَا طَرِيقًا، لِأَنَّ طَرِيقَ أَهْلِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَالْمُخَالِفِينَ أَمْرَهُ،
فَأَسْوِئْ بِهِ طَرِيقًا يُورِدُ صَاحِبَهُ نَارَ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ [الإسراء: 33] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَقَضَى أَيْضًا أَنْ ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ [المائدة: 95] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 151] قَتْلَهَا ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] وَحَقُّهَا أَنْ لَا تُقْتَلَ إِلَّا بِكُفْرٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَوَدِ نَفْسٍ، وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً لَمْ يَتَقَدَّمْ كُفْرَهَا إِسْلَامٌ، فَأَنْ لَا يَكُونَ تَقَدَّمَ قَتْلَهَا لَهَا عَهْدٌ وَأَمَانٌ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ بِحِلِّ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، إِلَّا رَجُلًا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَتَقْتُلُ مَنْ يَرَى أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ؟ قَالَ: لَوْ مَنَعُونِي شَيْئًا مِمَّا أَقَرُّوا بِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مِنْ حَقِّهَا
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» قِيلَ: وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَكُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِهَا»
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: 33] يَقُولُ: وَمَنْ قُتِلَ بِغَيْرِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ بِهَا كَانَ قَتْلًا بِحَقٍّ ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] يَقُولُ: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا سُلْطَانًا عَلَى قَاتِلِ وَلِيِّهِ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَقَادَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ بِوَلِيِّهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ
أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السُّلْطَانِ الَّذِي جُعِلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ، نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَهَا يَطْلُبُهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، الْعَقْلُ، أَوِ الْقَوَدُ، وَذَلِكَ السُّلْطَانُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: إِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ السُّلْطَانُ: هُوَ الْقَتْلُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَهُوَ الْقَوَدُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقَتْلُ إِنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ الْعَفْوَ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أَلَا وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ» وَقَدْ بَيَّنْتُ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا: كِتَابِ الْجِرَاحِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (فَلَا تُسْرِفْ) بِمَعْنَى الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُوَ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، يَقُولُ: فَلَا تَقْتُلْ بِالْمَقْتُولِ ظُلْمًا غَيْرَ قَاتَلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا
قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَمَدَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ إِلَى الشَّرِيفِ مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ، فَقَتَلَهُ بِوَلِيِّهِ وَتَرَكَ الْقَاتِلَ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عِبَادَهُ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَتْلُ غَيْرِ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ مَعْصِيَةٌ وَسَرَفٌ، فَلَا تَقْتُلْ بِهِ غَيْرَ قَاتَلِهِ، وَإِنْ قَتَلْتَ الْقَاتِلَ بِالْمَقْتُولِ فَلَا تُمَثِّلْ بِهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {فَلَا
يُسْرِفْ} [الإسراء: 33] بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى فَلَا يُسْرِفْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فَيَقْتُلَ غَيْرَ قَاتِلِ وَلِيِّهِ.
وَقَدْ قِيلَ: عَنَى بِهِ: فَلَا يُسْرِفِ الْقَاتِلُ الْأَوَّلُ لِأُولِي الْمَقْتُولِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْي فِي أَحْكَامِ الدِّينِ قَضَاءٌ مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بَعْضَهُمْ، أَمْرٌ مِنْهُ وَنَهْيُ جَمِيعِهِمْ، إِلَّا فِيمَا دَلَّ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ خِطَابَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ مُوَجَّهًا إِلَيْهِ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعُ عِبَادِهِ، فَكَذَلِكَ نَهْيُهُ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ أَوِ الْقَاتِلِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْقَتْلِ، وَالتَّعَدِّي فِيهِ نَهْيٌ لِجَمِيعِهِمْ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ صَوَابَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ نَحْوَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِمْ إِيَّاهُ
ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، فِي قَوْلِهِ: «فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» قَالَ: لَا تَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَلَا
تُمَثِّلْ بِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، بِنَحْوِهِ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) قَالَ: لَا تَقْتُلِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ
حُدِثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) كَانَ هَذَا بِمَكَّةَ، وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِ الْقَتْلِ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَغْتَالُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ قَتَلَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ قَتْلُهُ إِيَّاكُمْ عَنْ أَنْ تَقْتُلُوا لَهُ أَبًا أَوْ أَخًا أَوْ أَحَدًا مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، فَلَا تَقْتُلُوا إِلَّا قَاتِلَكُمْ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بَرَاءَةُ، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) يَقُولُ: لَا تَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِكَ، وَهِيَ الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا إِلَّا قَاتِلَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُقْتَلُ فَيَقُولُ وَلِيُّهُ: لَا أَرْضَى حَتَّى أَقْتُلَ بِهِ فُلَانًا وَفُلَانًا مِنْ أَشْرَافِ قَبِيلَتِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) قَالَ: لَا تَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِكَ، وَلَا تُمَثِّلْ بِهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: لَا يَقْتُلُ غَيْرَ قَاتَلِهِ، مَنْ قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ، وَمَنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ، وَمَنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ.
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثَلَاثَةً: رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِدَخَنٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللَّهِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: إِنَّ
الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ قَتِيلٌ، لَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَقْتُلُوا قَاتِلَ صَاحِبِهِمْ، حَتَّى يَقْتُلُوا أَشْرَفَ مِنَ الَّذِي قَتَلَهُ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] يَنْصُرُهُ وَيَنْتَصِفُ مِنْ حَقِّهِ ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] يَقْتُلُ بَرِيئًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ عَنَى بِهِ الْقَاتِلَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] قَالَ: لَا يُسْرِفِ الْقَاتِلُ فِي الْقَتْلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الصَّوَابَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَإِذَا كَانَ كِلَا وَجْهَيِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا صَوَابًا، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَوْجُهِ تَأْوِيلِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا غَيْرُ خَارِجٍ وَجْهٌ مِنْهَا مِنَ الصَّوَابِ، لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ ذَلِكَ، وَإِنَّ فِي نَهْيِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْقَتْلِ، نَهَى مِنْهُ جَمِيعَهُمْ عَنْهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَنَى بِالْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ﴾ [البقرة: 37] وَعَلَى مَا هِيَ عَائِدَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ عَائِدَةٌ عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِهَا، وَهُوَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْقَاتِلِ