تفسير الطبري = جامع البيانسُورَةُ الشُّورَى

سُورَةُ الشُّورَى

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: 2] قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي مَعَانِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِهَا أَوَائِلُ مَا افْتُتِحَ بِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَبَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهَا فِي هَذَا

الْمَوْضِعِ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ نَظِيرَةَ الْمَاضِيَةِ مِنْهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ فِي مَعْنَى هَذِهِ خَاصَّةً قَوْلًا

وَهُوَ مَا: حَدَّثَنَا بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ الْحِمْصِيُّ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ، قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حَم عسق﴾ [الشورى: 2] قَالَ: فَأَطْرَقَ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ كَرَّرَ، مَقَالَتَهُ فَأَعْرَضَ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ وَكَرِهَ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ كَرَّرَهَا الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: " أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عَرَفْتُ بِمَ كَرِهَهَا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ يَنْزِلُ عَلَى نَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، تُبْنَى عَلَيْهِ مَدِينَتَانِ يَشُقُّ النَّهْرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا

أَذِنَ اللَّهُ فِي زَوَالِ مُلْكِهِمْ، وَانْقِطَاعِ دَوْلَتِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا، فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً قَدِ احْتَرَقَتْ، كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، وَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ أَفْلَتَتْ، فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حم عسق﴾ [الشورى: 1] يَعْنِي: عَزِيمَةً مِنَ اللَّهِ وَفِتْنَةً وَقَضَاءً حُمَّ، عَيْنْ: يَعْنِي عَدْلًا مِنْهُ، سِينْ: يَعْنِي سَيَكُونُ، وَقافْ: يَعْنِي وَاقِعٌ بِهَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ «وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ» حم سق " بِغَيْرِ عَيْنٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ السِّينَ: عُمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ كَائِنَةٍ، وَإِنَّ الْقَافَ: كُلُّ جَمَاعَةٍ كَائِنَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا كَانَ يَعْلَمُ الْعَيْنَ بِهَا وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَيْنٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا يُوحِي إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَقِيلَ: إِنَّ حم عَيْنْ سِينْ قَ أُوحِيَتْ إِلَى كُلِّ نَبِيٍّ بُعِثَ، كَمَا أُوحِيَتْ إِلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: 3] فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّهِ مَلْكُ ﴿مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: 255] يَقُولُ: وَهُوَ ذُو عُلُوٍّ وَارْتِفَاعٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا دُونَهُ، لِأَنَّهُمْ فِي سُلْطَانِهِ، جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ قُدْرَتُهُ، مَاضِيَةٌ فِيهِمْ مَشِيئَتُهُ ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 105] الَّذِي لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْجَبْرِيَّةُ

وَقَوْلُهُ: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَشَقَّقْنَ مِنْ فَوْقِ الْأَرَضِينَ مِنْ عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ وَجَلَالِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ قَالَ: «يَعْنِي مِنْ ثِقَلِ الرَّحْمَنِ وَعَظَمَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أَيْ «مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَالَ: " يَتَشَقَّقْنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] قَالَ: مُنْشَقٌّ بِهِ "

حُدَّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: 5] يَقُولُ: «يَتَصَدَّعْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطُّوسِيُّ قَالَ: ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ أَيْنَ رَبُّنَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: دَقَّ اللَّهُ تَعَالَى، أَفَتَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ كَعْبٌ: «دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ عَالِمًا ازْدَادَ، وَإِنْ يَكُ جَاهِلًا تَعَلَّمَ سَأَلْتَ أَيْنَ رَبُّنَا، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ الْعَظِيمِ مُتَّكِئٌ، وَاضِعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمَسَافَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنَ الْأَرْضِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ، وَكَثَافَتُهَا خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ، حَتَّى تَمَّ سَبْعَ أَرَضِينَ، ثُمَّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَكَثَافَتُهَا خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ، وَاللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ مُتَّكِئٌ، ثُمَّ تُفْطَرُ السَّمَاوَاتُ» ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ: «اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الْآيَةَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ وَشُكْرِهِمْ لَهُ مِنْ هَيْبَةِ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 5] قَالَ: «وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ لَهُ مِنْ عَظَمَتِهِ»

جارٍ التحميل