تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 365-373

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 101] التَّوْرَاةَ

صفحات 365-373
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ سُفْيَانُ: " سَمِعْنَا فِي: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 200] أَنَّهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ " وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْخَلَاقُ هَهُنَا: الْحُجَّةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ

قَتَادَةَ: " ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 200] قَالَ: لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ حُجَّةٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ: الدِّينُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: " ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] قَالَ: لَيْسَ لَهُ دَيْنٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ هَهُنَا: الْقِوَامُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] قَالَ: قِوَامٌ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْخَلَاقِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النَّصِيبُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيُؤَيِّدَنَّ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» يَعْنِي لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: [البحر البسيط]

يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاقَ لَهُمْ ... إِلَّا سَرَابِيلَ مِنْ قِطْرٍ وَأَغْلَالِ يَعْنِي بِذَلِكَ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ وَلَا حَظَّ إِلَّا السَّرَابِيلُ وَالْأَغْلَالُ.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] مَا لَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ حَظٌّ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِيمَانٌ وَلَا دِينٌ وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ وَنَصِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ.
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَجَنَّةٍ دُونَ نَصِيبِهِ مِنَ النَّارِ.
إِذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمُّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَفْعَالَهُمُ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَأَمَّا مِنَ الشُّرُورِ فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا: بَاعُوا؛ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ سُوءَ عَاقِبَتِهِ

كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 102] يَقُولُ: بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] وَقَدْ قَالَ قَبْلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] فَكَيْفَ يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ فَلَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِالسِّحْرِ أَنْفُسَهُمْ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْجَهْلِ بِمَا هُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا هُمْ ضَارُّونَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِعْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَخَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِرِضَاهُمْ بِالسِّحْرِ عِوَضًا عَنْ دِينِهِمْ الَّذِي بِهِ نَجَاةُ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَةِ فِعْلِهِمْ وَخَسَارَةِ صَفْقَةِ بَيْعِهِمْ، إِذْ كَانَ قَدْ يَتَعَلَّمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ وَلَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى الْفَرِيقِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابَهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ.
فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنِ اشْتَرَى السِّحْرَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ

خَلَاقٍ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَاصِيَ اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِهَا، وَيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُؤْثِرُونَ اتِّبَاعَ الشَّيَاطِينِ، وَالْعَمَلَ بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنَ السِّحْرِ عَلَى الْعَمَلِ بِكِتَابِهِ وَوَحْيهِ وَتَنْزِيلِهِ، عِنَادًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَى رُسُلِهِ، وَتَعَدِيًّا مِنْهُمْ لِحُدُودِهِ، عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ بِمَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ، فَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الزَّاعِمِينَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] يَعْنِي بِهِ الشَّيَاطِينَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] يَعْنِي بِهِ النَّاسَ.
وَذَلِكَ قَوْلٌ لِجَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مُخَالِفٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] مَعْنِيٌّ بِهِ الْيَهُودُ دُونَ الشَّيَاطِينِ.
ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] وَبَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] جَاءَتْ مِنَ اللَّهِ بِذَمِّ الْيَهُودِ، وَتَوْبِيخِهِمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَذَمًّا لَهُمْ عَلَى نَبْذِهِمْ وَحْيَ اللَّهِ وَآيَاتِ كِتَابِهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِخَطَأِ فِعْلِهِمْ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] أَحَدُ تِلْكَ الْأَخْبَارِ عَنْهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] فَنَفَى عَنْهُمُ الْعِلْمَ هُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102] وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعِلْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] بَعْدَ وَصْفِهِ إِيَّاهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: 102] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِعِلْمِهِ، وَأَمَّا إِذَا خَالَفَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ فَهُوَ فِي مَعَانِي الْجُهَّالِ.
قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ لِلْفَاعِلِ الْفِعْلَ بِخِلَافِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ عَالِمًا: لَوْ عَلِمْتَ لَأَقْصَرْتَ؛ كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ يَصِفُ ذِئْبًا وَغُرَابًا تَبِعَاهُ لِيَنَالَا مِنْ طَعَامِهِ وَزَادِهِ: [البحر الطويل] إِذَا حَضَرَانِي قُلْتُ لَوْ تَعْلَمَا بِهِ ... أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا: لَوْ تَعْلَمَانِهِ، فَنَفَى عَنْهُمَا الْعِلْمَ.
ثُمَّ اسْتَخْبَرَهُمَا فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمَا.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] وَ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] وَهَذَا تَأْوِيلٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ وَوَجْهٌ فَإِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمَفْهُومِ بِنَفْسِ الْخِطَابِ.
أَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: 102] وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْرَاجٌ.
وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَفْهُومِ الظَّاهِرِ الْخِطَابِ دُونَ الْخَفِيِّ الْبَاطِنِ مِنْهُ، حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِمَعْنًى خِلَافُ دَلِيلِهِ الظَّاهِرِ الْمُتَعَارَفِ فِي أَهْلِ اللِّسَانِ الَّذِينَ بِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، أَوْلَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 103]

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: 103] لَوْ أَنَّ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ آمَنُوا، فَصَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَاتَّقَوْا رَبَّهُمْ فَخَافُوهُ فَخَافُوا عِقَابَهُ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيهِ؛ لَكَانَ جَزَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ

وَثَوَابُهُ لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِهِ وَتَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنَ السِّحْرِ وَمَا اكْتَسَبُوا بِهِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ السِّحْرِ وَمِمَّا اكْتَسَبُوا بِهِ.
وَإِنَّمَا نَفَى بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] الْعِلْمَ عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَبْلَغِ ثَوَابِ اللَّهِ وَقَدْرِ جَزَائِهِ عَلَى طَاعَتِهِ.
وَالْمَثُوبَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَثَبْتُكَ إِثَابَةً وَثَوَابًا وَمَثُوبَةً، فَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ ثَابَ إِلَيْكَ الشَّيْءُ بِمَعْنَى رَجَعَ، ثُمَّ يُقَالُ: أَثَبْتُهُ إِلَيْكَ: أَيْ رَجَعْتُهُ إِلَيْكَ وَرَدَدْتُهُ.
فَكَانَ مَعْنَى إِثَابَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ عَلَى الْهَدِيَّةِ وَغَيْرِهَا: إِرْجَاعُهُ إِلَيْهَا مِنْهَا بَدَلًا، وَرَدُّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا عِوَضًا.
ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ مُعَوِّضٍ غَيْرَهُ مِنْ عَمَلِهِ أَوْ هَدِيَّتِهِ أَوْ يَدٍ لَهُ سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ مُثِيبًا لَهُ.
وَمِنْهُ ثَوَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، بِمَعْنَى إِعْطَائِهِ إِيَّاهُمُ الْعِوَضَ وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ بَدَلٌ مِنْ عَمَلِهِمْ الَّذِي عَمِلُوا لَهُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} [البقرة: 103] مِمَّا اكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ عَنْ ذِكْرِ جَوَابِهِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَأُثِيبُوا؛ وَلَكِنَّهُ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْخَبَرِ عَنِ الْمَثُوبَةِ عَنْ قَوْلِهِ: لَأُثِيبُوا.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّ جَوَّابَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ [البقرة: 103] وَأَنَّ «لَوْ» إِنَّمَا أُجِيبَتْ بِالْمَثُوبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أُخْبِرَ عَنْهَا بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ لِتَقَارُبِ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى «لَئِنْ» فِي أَنَّهُمَا جَزَاءَانِ، فَإِنَّهُمَا جَوَابَانِ لِلْإِيمَانِ، فَأُدْخِلَ جَوَابُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا، فَأُجِيبَتْ لَوْ بِجَوَابِ لَئِنْ، وَلَئِنْ بِجَوَابِ لَوْ؛ لِذَلِكَ وَإِنِّ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُمَا فَكَانَتْ لَوْ مِنْ حُكْمِهَا وَحَظِّهَا أَنْ تُجَابَ بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ، وَكَانَتْ لَئِنْ مِنْ حُكْمِهَا وَحَظِّهَا أَنْ تُجَابَ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْفِعْلِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ تَقَارُبِهِمَا، فَكَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: 103] وَلَئِنْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.
وَبِمَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ الْمَثُوبَةِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 103] يَقُولُ: ثَوَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 103] أَمَّا الْمَثُوبَةُ، فَهُوَ الثَّوَابُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 103] يَقُولُ: لَثَوَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ "

جارٍ التحميل