قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الْكِتَابُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَصَمُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] قَالَ: هُوَ هَذَا الْكِتَابُ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الْكِتَابُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] قَالَ: هَذَا الْكِتَابُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الْكِتَابُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الْكِتَابُ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى هَذَا؟ وَهَذَا لَا شَكَّ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُعَايَنٌ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ وَلَا مُعَايَنٍ؟ قِيلَ: جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَقَضَّى وَقَرُبَ تَقَضِّيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فَهُوَ وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَاضِرِ، فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ؛ وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ الْحَدِيثَ، فَيَقُولُ السَّامِعُ: إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَكُمَا قُلْتَ، وَهَذَا وَاللَّهِ كَمَا قُلْتَ، وَهُوَ وَاللَّهِ كَمَا ذَكَرْتَ.
فَيُخْبِرُ عَنْهُ مَرَّةً بِمَعْنَى الْغَائِبِ إِذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى، وَمَرَّةً بِمَعْنَى الْحَاضِرِ لِقُرْبِ جَوَابِهِ مِنْ كَلَامِ مُخْبِرِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَضٍ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْكِتَابَ ﴿الم﴾ [البقرة: 1] الَّتِي ذَكَرْنَا تَصَرُّفَهَا فِي وُجُوهِهَا مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ لَكَ الْكِتَابُ.
وَلِذَلِكَ حَسُنَ وَضْعُ ذَلِكَ فِي مَكَانِ هَذَا، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ [البقرة: 1] مِنَ الْمَعَانِي بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرُ عَنْهُ ﴿الم﴾ [البقرة: 1] ، فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنْ تَقَضِّيهِ كَالْحَاضِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَأُخْبِرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِانْقِضَائِهِ وَمَصِيرِ الْخَبَرِ عَنْهُ
كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ.
وَتَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ بِمَعْنَى هَذَا لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنِ انْقِضَائِهِ، فَكَانَ كَالِمُشَاهَدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهَذَا نَحْوَ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الْكَلَامِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: 49] فَهَذَا مَا فِي ذَلِكَ إِذَا عَنَى بِهَا هَذَا.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ اعْلَمْ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُوَرُ الْكِتَابِ الَّتِي قَدْ أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ.
ثُمَّ تَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: هَذَا الْكِتَابُ، إِذْ كَانَتْ تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ جُمْلَةِ جَمِيعِ كِتَابِنَا هَذَا الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِي قَوْلِهِمْ الَّذِي قَالُوهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَجَّهَ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَظِيرِ مَعْنَى بَيْتِ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ:
[البحر الطويل]
فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا ... فَعَمْدًا عَلَى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
كَأَنَّهُ أَرَادَ: تَأَمَّلْنِي أَنَا ذَلِكَ.
فَرَأَى أَنَّ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] بِمَعْنَى هَذَا نَظِيرُ مَا أَظْهَرَ خُفَافٌ مِنَ اسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ وَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ أَظْهَرَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَاضِرِ الْمَشَاهِدِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكِتَابِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَلِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] يَعْنِي بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَإِذَا وُجِّهَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا مُؤْنَةَ فِيهِ عَلَى مُتَأَوِّلِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حِينَئِذٍ إِخْبَارًا عَنْ غَائِبٍ عَلَى صِحَّةٍ