الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْكَعْبِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
خَلَقْتُ لِآبَائِهِمْ , وَلَا يَرَاهَا مَنْ أَغْضَبَنِي؛ فَأَمَّا عَبْدِي كَالِبٌ الَّذِي كَانَ رُوحُهُ مَعِي وَاتَّبَعَ هَوَايَ , فَإِنِّي مُدْخِلُهُ الْأَرْضَ الَّتِي دَخَلَهَا , وَيَرَاهَا خَلْفَهُ.
وَكَانَ الْعَمَالِيقُ وَالْكَنْعَانِيُّونَ جُلُوسًا فِي الْجِبَالِ , ثُمَّ غَدَوْا فَارْتَحَلُوا فِي الْقِفَارِ فِي طَرِيقٍ يَحْرُسُونَ , وَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى وَهَارُونَ , وَقَالَ لَهُمَا: إِلَى مَتَى تُوَسْوِسُ عَلَيَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ السُّوءِ؟ قَدْ سَمِعْتُ وَسْوَسَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَالَ: لَأَفْعَلَنَّ بِكُمْ كَمَا قُلْتُ لَكُمْ , وَلَتُلْقَيَنَّ جِيَفُكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ , وَحِسَابُكُمْ مِنْ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ عَلَيَّ , فَلَا تَدْخُلُوا الْأَرْضَ الَّتِي دَفَعْتُ إِلَيْهَا , وَلَا يَنْزِلْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ غَيْرَ كَالِبِ بْنِ يُوفَنَا وَيُوشَعَ بْنِ نُونٍ , وَتَكُونُ أَثْقَالُكُمْ كَمَا كُنْتُمُ الْغَنِيمَةَ.
وَأَمَّا بَنُوكُمُ الْيَوْمَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا مَا بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ , فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْأَرْضَ , وَإِنِّي بِهِمْ عَارِفٌ لَهُمُ الْأَرْضَ الَّتِي أَرَدْتُ لَهُمْ وَتَسْقُطُ جِيَفُكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ , وَتَتِيهُونَ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ عَلَى حِسَابِ الْأَيَّامِ الَّتِي جَسَسْتُمُ الْأَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً وَتُقْتَلُونَ بِخَطَايَاكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً , وَتَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ: قَدْ أَنَى لِي أَنَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ , جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ , الَّذِينَ وُعِدُوا بِأَنْ يَتِيهُوا فِي الْقِفَارِ , فِيهَا يَمُوتُونَ
فَأَمَّا الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانَ مُوسَى بَعَثَهُمْ يَتَجَسَّسُونَ الْأَرْضَ , ثُمَّ حَرَّشُوا الْجَمَاعَةَ , فَأَفْشَوْا فِيهِمْ خَبَرَ الشَّرِّ , فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَغْتَةً , وَعَاشَ يُوشَعُ وَكَالِبُ بْنُ يوفنا مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا يَتَحَسَّسُونَ الْأَرْضَ.
فَلَمَّا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْكَلَامَ كُلَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ , حَزِنَ الشَّعْبُ حُزْنًا شَدِيدًا , وَغَدَوْا فَارْتَفَعُوا عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ , وَقَالُوا: نَرْتَقِي الْأَرْضَ الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّا قَدْ أَخْطَأْنَا.
فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: لِمَ تَعْتَدُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ , لَا يَصْلُحُ لَكُمْ عَمَلٌ , وَلَا تَصْعَدُوا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مَعَكُمْ , فَالْآنَ تَنْكَسِرُونَ مِنْ قُدَّامِ أَعْدَائِكُمْ مِنْ أَجْلِ الْعَمَالِقَةِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ أَمَامَكُمْ , فَلَا تَقَعُوا فِي الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمُ انْقَلَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكُمْ فَأَخَذُوا يَرْقُونَ فِي الْجَبَلِ , وَلَمْ يَبْرَحِ التَّابُوتُ الَّذِي فِيهِ مَوَاثِيقُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمُوسَى مِنَ الْمَحِلَّةِ؛ يَعْنِي مِنَ الْحِكْمَةِ , حَتَّى هَبَطَ الْعَمَالِيقُ وَالْكَنْعَانِيُّونَ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ , فَحَرَّقُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ.
فتَيَّهُّمُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِالْمَعْصِيَةِ , حَتَّى هَلَكَ مَنْ كَانَ اسْتَوْجَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا شَبَّ النَّوَاشِئُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ , وَهَلَكَ آبَاؤُهُمْ , وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي تَتَيَّهُوا فِيهَا وَسَارَ بِهِمْ مُوسَى وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَكَالِبُ بْنُ يوفنا , وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَلَى مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ أُخْتِ مُوسَى وَهَارُونَ , وَكَانَ لَهُمَا صِهْرًا؛ قَدِمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى أَرِيحَاءَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَدَخَلَهَا بِهِمْ , وَقَتَلَ الْجَبَابِرَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِيهَا , ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ , فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لَا يَعْلَمُ قَبْرَهُ أَحَدٌ مِنَ
الْخَلَائِقِ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَرْبَعِينَ مَنْصُوبَةٌ بِالتَّحْرِيمِ , وَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: 26] مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعُ قَوْمِ مُوسَى لَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَمَّ بِذَلِكَ الْقَوْمَ , وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ «وَقَدْ وَفَى اللَّهُ بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ , فَتَيَّهَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً , وَحَرَّمَ عَلَى جَمِيعِهِمْ فِي الْأَرْبَعِينَ سَنَةً الَّتِي مَكَثُوا فِيهَا تَائِهِينَ دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ , فَلَمْ يَدْخُلْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ , لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ وَلَا صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ , حَتَّى انْقَضَتِ السُّنُونَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا دُخُولَهَا.
ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَذَرَارِيِهِمْ بِدُخُولِهَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى , وَالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا.
وَافْتَتَحَ قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ يُوشَعُ , وَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ عُوجَ بْنَ عُوقٍ قَتَلَهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَوْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهُ قَبْلَ مَصِيرِهِ فِي التِّيهِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَبَّارِينَ خَلْقًا لَمْ تَكُنْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَجْزَعُ مِنَ الْجَبَّارِينَ الْجَزَعَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهَا , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ فَنَاءِ الْأُمَّةِ الَّتِي جَزَعَتْ وَعَصَتْ رَبَّهَا وَأَبَتِ الدُّخُولَ عَلَى الْجَبَّارِينَ مَدِينَتَهُمْ» وَبَعْدُ: فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورَاءَ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى؛ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ وَقَوْمُ مُوسَى مُمْتَنِعُونَ مِنْ حَرْبِهِمْ وَجِهَادِهِمْ , لِأَنَّ الْمَعُونَةَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ مَطْلُوبًا , فَأَمَّا وَلَا طَالِبَ فَلَا وَجْهَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ نَوْفٍ , قَالَ: كَانَ سَرِيرُ عِوَجٍ ثَمَانِمِائَةِ ذِرَاعٍ , وَكَانَ طُولُ مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَعَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَوَثَبَ فِي السَّمَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ , فَضَرَبَ عِوَجًا فَأَصَابَ كَعْبَهُ , فَسَقَطَ مَيِّتًا , فَكَانَ جِسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ , قَالَ: ثنا قَيْسٌ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَوَثْبَتُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَطُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ , فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْبَ عِوَجٍ فَقَتَلَهُ , فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيلِ سَنَةً "
وَمَعْنَى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26] يَحَارُونَ فِيهَا وَيَضِلُّونَ , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ الضَّالِّ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ: تَائِهٌ.
وَكَانَ تِيهُهُمْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصْبِحُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً كُلَّ سَنَةٍ يَوْمٌ جَادِّينَ فِي قَدْرِ سِتَّةِ فَرَاسِخَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ , فَيُمْسُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَءُوا السَّيْرَ مِنْهُ " حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً , يُصْبِحُونَ حَيْثُ أَمْسَوْا , وَيُمْسُونَ حَيْثُ أَصْبَحُوا فِي تِيهِهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ [المائدة: 26] فَلَا تَحْزَنْ , يُقَالَ مِنْهُ: أَسِيَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا يَأْسَى أَسًى , وَقَدْ أَسَيْتُ مِنْ كَذَا: أَيْ حَزِنْتُ , وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [البحر الطويل] وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ يَعْنِي: لَا تَهْلِكْ حُزْنًا «وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ»
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ [المائدة: 26] يَقُولُ: «فَلَا تَحْزَنْ»
حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ: ثنا عَمْرٌو , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26] قَالَ: " لَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ , نَدِمَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا نَدِمَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26] لَا تَحْزَنْ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتُهُمْ فَاسِقِينَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكُمْ , عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ مَعَكَ , وَعَرِّفْهُمْ مَكْرُوهَ عَاقِبَةِ الظُّلْمِ وَالْمَكْرِ , وَسُوءَ مَغَبَّةِ الْجَوْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ , وَمَا جَزَاءُ النَّاكِثِ وَثَوَابُ الْوَافِي , خَبَرَ ابْنَيْ آدَمَ هَابِيلَ وَقَابِيلَ , وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْمُطِيعِ مِنْهُمَا رَبَّهُ الْوَافِي بِعَهْدِهِ , وَمَا إِلَيْهِ صَارَ أَمْرُ الْعَاصِي مِنْهُمَا رَبَّهُ الْجَائِرِ النَّاقِضِ عَهْدَهُ؛ فَلْتَعْرِفْ بِذَلِكَ الْيَهُودُ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهِمْ , وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ , وَهَمِّهِمْ بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ بَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ.
فَإِنَّ لَكَ وَلَهُمْ فِي حُسْنِ ثَوَابِي وَعِظَمِ جَزَائِي عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الَّذِي جَازَيْتُ الْمَقْتُولَ الْوَافِيَ بِعَهْدِهِ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ , وَعَاقَبْتُ بِهِ الْقَاتِلَ النَّاكِثَ عَهْدَهُ؛ عَزَاءً جَمِيلًا " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَبَبِ تَقْرِيبِ ابْنَيْ آدَمَ الْقُرْبَانَ , وَسَبَبِ قَبُولِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَقَبَّلَ مِنْهُ , وَمَنِ اللَّذَانِ قَرَّبَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ إِيَّاهُمَا بِتَقْرِيبِهِ.
وَكَانَ سَبَبُ الْقَبُولِ أَنَّ الْمُتَقَبَّلَ مِنْهُ قَرَّبَ خَيْرَ مَالِهِ وَقَرَّبَ الْآخَرَ شَرَّ مَالِهِ , وَكَانَ الْمُقَرِّبَانِ ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ أَحَدُهُمَا: هَابِيلُ , وَالْآخَرُ قَابِيلُ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ,
عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ , قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا أُمِرَا بِالْقُرْبَانِ , كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ غَنَمٍ , وَكَانَ أُنْتِجَ لَهُ حَمَلٌ فِي غَنَمِهِ , فَأَحَبَّهُ حَتَّى كَانَ يُؤْثِرُهُ بِاللَّيْلِ , وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ حُبِّهِ , حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ.
فَلَمَّا أُمِرَ بِالْقُرْبَانِ , قَرَّبَهُ لِلَّهِ فَقَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ , فَمَا زَالَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى فُدِيَ بِهِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا عَوْفٌ , عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , قَالَ: إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ , كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ حَرْثٍ , وَالْآخَرُ صَاحِبَ غَنَمٍ , وَأَنَّهُمَا أُمِرَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا؛ وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا وَأَحْسَنَهَا طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ , وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْثِ قَرَّبَ شَرَّ حَرْثِهِ الْكُوزَنَ وَالزُّوَانِ غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ؛ وَإِنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْغَنَمِ وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ صَاحِبِ الْحَرْثِ.
وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ , وَقَالَ: أَيْمُ اللَّهِ , إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ , وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إِلَى أَخِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ.
فبَيْنَا ابْنَا آدَمَ قَاعِدَانِ , إِذْ قَالَا: لَوْ قَرَّبْنَا قُرْبَانًا , وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَّبَ قُرْبَانًا فَرَضِيَهُ اللَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ نَارًا فَأَكَلَتْهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَتِ النَّارُ.
فقَرَّبَا قُرْبَانًا , وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاعِيًا , وَكَانَ الْآخَرُ حَرَّاثًا , وَإِنَّ صَاحِبَ الْغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا وَقَرَّبَ الْآخَرُ أَبْغَضَ زَرْعِهِ , فَجَاءَتِ النَّارُ , فَنَزَلَتْ بَيْنَهُمَا , فَأَكَلَتِ الشَّاةَ وَتَرَكَتِ الزَّرْعَ.
وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ قَالَ لِأَخِيهِ: أَتَمْشِي فِي النَّاسِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَرَّبْتَ قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْكَ وَرُدَّ عَلَيَّ؟ فَلَا وَاللَّهِ , لَا تَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ وَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي , فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ.
فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي , إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27] قَالَ: «ابْنَا آدَمَ هَابِيلُ وَقَابِيلُ لِصُلْبِ آدَمَ , فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا شَاةً وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَقْلًا , فَقَبِلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ , فَقَتَلَهُ صَاحِبُهُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " هَابِيلُ وَقَابِيلُ , فَقَرَّبَ هَابِيلُ عَنَاقًا مِنْ أَحْسَنِ غَنَمِهِ , وَقَرَّبَ قَابِيلُ زَرْعًا مِنْ زَرْعِهِ.
قَالَ: فَأَكَلَتِ النَّارُ الْعَنَاقَ , وَلَمْ تَأْكُلِ الزَّرْعَ , فَ ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا رَجُلٌ , سَمِعَ مُجَاهِدًا , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " هُوَ هَابِيلُ وَقَابِيلُ لِصُلْبِ آدَمَ , قَرَّبَا قُرْبَانًا , قَرَّبَ أَحَدُهُمَا شَاةً مِنْ غَنَمِهِ وَقَرَّبَ الْآخَرُ بَقْلًا , فَتُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ , فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: لَأَقْتُلَنَّكَ , فَقَتَلَهُ , فَعَقَلَ اللَّهُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَجَعَلَ وَجْهَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَيْثُمَا دَارَتْ عَلَيْهِ حَظِيرَةً مِنْ ثَلْجِ فِي الشِّتَاءِ وَعَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةً مِنْ نَارٍ , وَمَعَهُ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ كُلَّمَا ذَهَبَ مَلَكٌ جَاءَ الْآخَرُ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , ح , وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " قَرَّبَ هَذَا كَبْشًا وَقَرَّبَ هَذَا صَبِرَةً مِنْ طَعَامٍ؛ فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا.
قَالَ: تُقُبِّلَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: 27] كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ , فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ , عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " كَانَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ قَابِيلُ وَالْآخَرُ هَابِيلُ؛ أَحَدُهُمَا صَاحِبُ غَنَمٍ , وَالْآخَرُ صَاحِبُ زَرْعٍ , فَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَمْثَلِ غَنَمِهِ حَمَلًا , وَقَرَّبَ هَذَا مِنْ أَرْدَإِ زَرْعِهِ.
قَالَ: فَنَزَلَتِ النَّارُ , فَأَكَلَتِ الْحَمَلَ , فَقَالَ لِأَخِيهِ: لَأَقْتُلَنَّكَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: " أَنَّ آدَمَ أَمَرَ ابْنَهُ قَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ هَابِيلَ , وَأَمَرَ هَابِيلَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهُ تَوْأَمَةَ قَابِيلَ.
فسَلَّمَ لِذَلِكَ هَابِيلُ وَرَضِيَ , وَأَبَى قَابِيلُ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ , تَكَرُّمًا عَنْ أُخْتِ هَابِيلَ , وَرَغِبَ بِأُخْتِهِ عَنْ هَابِيلَ , وَقَالَ: نَحْنُ وِلَادَةُ الْجَنَّةِ وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ , وَأَنَا أَحَقُّ بِأُخْتِي , وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: كَانَتْ أُخْتُ قَابِيلَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ , فَضَنَّ بِهَا عَلَى أَخِيهِ وَأَرَادَهَا لِنَفْسِهِ , فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ
كَانَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ.
فَأَبَى قَابِيلُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ , فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ فَقَرِّبْ قُرْبَانًا , وَيُقَرِّبُ أَخُوكَ هَابِيلُ قُرْبَانًا , فَأَيُّكُمَا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
وَكَانَ قَابِيلُ عَلَى بِذْرِ الْأَرْضِ , وَكَانَ هَابِيلُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ , فَقَرَّبَ قَابِيلُ قَمْحًا وَقَرَّبَ هَابِيلُ أَبْكَارًا مِنْ أبكارِ غَنَمِهِ , وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً , فَأَرْسَلَ اللَّهُ نَارًا بَيْضَاءَ , فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ , وَبِذَلِكَ كَانَ يَقْبَلُ الْقُرْبَانَ إِذَا قَبِلَهُ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِيمَا ذَكَرَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ , وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَعَنْ مُرَّةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , وَعَنْ نَاسٍ , مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ , فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ , وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ الْبَطْنِ هَذَا الْآخَرِ.
حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالَ لَهُمَا: " قَابِيلُ , وَهَابِيلُ , وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ , وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ ضَرْعٍ.
وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا , وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ.
وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ , فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي , وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ , وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا.
فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ فَأَبَى.
وَإِنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ , وَكَانَ آدَمُ يَوْمَئِذٍ قَدْ غَابَ عَنْهُمَا إِلَى مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا , قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ: يَا آدَمُ , هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِيَ بَيْتًا فِي الْأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا.
قَالَ: فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّةَ فَأْتِهِ.
فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدِي بِالْإِمَانَةِ , فَأَبَتْ.
وَقَالَ لِلْأَرْضِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لِلْجِبَالِ فَأَبَتْ , وَقَالَ لقَابِيلَ , فَقَالَ: نَعَمْ تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ.
فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قَرَّبَا قُرْبَانًا ,
وَكَانَ قَابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ , فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ , هِيَ أُخْتِي , وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْكَ , وَأَنَا وَصِيُّ وَالِدِي.
فَلَمَّا قَرَّبَا , قَرَّبَ هَابِيلُ جَذَعَةً سَمِينَةً , وَقَرَّبَ قَابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبِلٍ , فَوَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَةً عَظِيمَةً فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا.
فَنَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ , وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ , فَغَضِبَ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي.
فَقَالَ هَابِيلُ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ.
فَأَمَّا هَابِيلُ فَكَانَ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ , فَعَمَدَ إِلَى خَيْرِ مَاشِيَتِهِ , فَتَقَرَّبَ بِهَا , فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ.
وَكَانَ الْقُرْبَانُ إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ , وَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِمْ أَكَلَتْهُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ.
وَأَمَّا قَابِيلُ فَكَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ , فَعَمَدَ إِلَى أَرْدَإِ زَرْعِهِ , فَتَقَرَّبَ بِهِ , فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِ النَّارُ , فَحَسَدَ أَخَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " هُمَا قَابِيلُ وَهَابِيلُ.
قَالَ: كَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ زَرْعٍ وَالْآخَرُ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ , فَجَاءَ أَحَدُهُمَا بِخَيْرِ مَالِهِ وَجَاءَ الْآخَرُ بِشَرِّ مَالِهِ , فَجَاءَتِ النَّارُ , فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَحَدِهِمَا وَهُوَ هَابِيلُ , وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ الْآخَرِ , فَحَسَدَهُ فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ
: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: 27] قَالَ: «قَرَّبَ هَذَا زَرْعًا وَذَا عَنَاقًا , فَتَرَكَتِ النَّارُ الزَّرْعَ وَأَكَلَتِ الْعَنَاقَ» وَقَالَ آخَرُونَ: اللَّذَانِ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَقَصَّ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ قِصَصَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ , رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ لِصُلْبِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ , عَنْ عَمْرٍو , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: كَانَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ فِي الْقُرْآنِ , اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَلَمْ يَكُونَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْقُرْبَانُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَكَانَ آدَمُ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنَّ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا الْقُرْبَانَ كَانَ ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لَا مَنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ فَائِدَةً , وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا عَالِمِينَ أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي وَلَدِ آدَمَ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ غَيْرِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ , فَمَعْقُولٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ابْنَاهُ لِصُلْبِهِ , لَمْ يُفِدْهُمْ بِذِكْرِهِ جَلَّ جَلَالُهُ إِيَّاهُمَا فَائِدَةً لَمْ تَكُنْ
عِنْدَهُمْ.
وَإِذَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ مَعْنًى , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَنَى ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لَا ابْنَيْ بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبُهُمْ مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَفِي عَهْدِ آدَمَ وَزَمَانِهِ , وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ نُصَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ , عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , قَالَ: " لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ , مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ , ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ.
فَقَالَ: بَيَّاكَ: أَضْحَكَكَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ , بَكَى آدَمُ فَقَالَ: [البحر الوافر] تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
:
[البحر الوافر]
أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلَا جَمِيعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ
وَجَاءَ بِشَرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا ... عَلَى خَوْفٍ فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي تَقْرِيبِهِمَا مَا قَرَّبَا , فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا , وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّ تَقْرِيبَهُمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ.
غَيْرَ أَنَّهُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قُرْبَانُهُ لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانُهُ: لَأَقْتُلَنَّكَ.
فَتَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ وَالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ , اسْتِغْنَاءً بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرِهِمَا عَنْ إِعَادَتِهِ , وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27] فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: مَا ذَنْبِي ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] قَالَ: " يَقُولُ: إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ فِي قُرْبَانِكَ تُقُبِّلَ مِنْكَ , جِئْتَ بِقُرْبَانٍ مَغْشُوشٍ بِأَشَرِّ مَا عِنْدَكَ , وَجِئْتُ أَنَا بِقُرْبَانٍ طَيِّبٍ بِخَيْرِ مَا عِنْدِي؛ قَالَ: وَكَانَ قَالَ: يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْكَ وَلَا يَتَقَبَّلُ مِنِّي " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] مِنَ الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَخَافُوهُ بِأَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: الْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِينَ اتَّقُوا الشِّرْكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُرْبَانِ فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ الْفُعْلَانُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَّبَ , كَمَا الْفُرْقَانُ: الْفُعْلَانُ مِنْ فَرَّقَ , وَالْعُدْوَانُ مِنْ عَدَا.
وَكَانَتْ قَرَابِينُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ أُمَّتِنَا كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ فِينَا , غَيْرَ أَنَّ قَرَابِينَهُمْ كَانَ يُعْلَمُ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمُتَقَبَّلُ فِيمَا ذُكِرَ بِأَكْلِ النَّارِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا وَتَرْكِ النَّارِ مَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا.
وَالْقُرْبَانُ فِي أُمَّتِنَا: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ: مِنَ الصَّلَاةِ , وَالصِّيَامِ , وَالصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ , وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ , وَلَا سَبِيلَ لَهَا إِلَى الْعِلْمِ فِي عَاجِلٍ بِالْمُتَقَبَّلِ مِنْهَا وَالْمَرْدُودِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ , أَنَّهُ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَى , فَقِيلَ لَهُ: