وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: 40] يَعْنِي بِذَلِكَ قَارُونَ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: 40] قَارُونَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40] يَعْنِي: قَوْمَ نُوحٍ , وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ: قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40] قَوْمُ نُوحٍ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40] قَوْمُ فِرْعَوْنَ ". وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، أَنْ يُقَالَ: عُنِيَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ , وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ إِحْدَى الْأُمَّتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَقَدْ كَانَ أَهْلَكَهُمَا قَبْلَ نُزُولِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُمَا، فَهُمَا مَعْنِيَّتَانِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُهْلِكَ هَؤُلَاءِ الْأُمَمَ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِ غَيْرِهِمْ، فَيَظْلِمَهُمْ بِإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، بَلْ إِنَّمَا أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَجُحُودِهِمْ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ تَتَابُعِ إِحْسَانِهِ عَلَيْهِمْ،
وَكَثْرَةِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي نِعَمِ رَبِّهِمْ، وَتَقَلُّبِهِمْ فِي آلَائِهِ , وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ، وَمَعْصِيَتِهِمْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَوْلِيَاءَ يَرْجُونَ نَصْرَهَا وَنَفْعَهَا عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا فِي ضَعْفِ احْتِيَالِهِمْ، وَقُبْحِ رِوَايَاتِهِمْ، وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ فِي ضَعْفِهَا، وَقِلَّةِ احْتِيَالِهَا لِنَفْسِهَا، اتَّخَذَتْ بَيْتًا لِنَفْسِهَا، كَيْمَا يُكِنَّهَا، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا شَيْئًا عِنْدَ حَاجَتِهَا إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ، وَحَلَّ بِهِمْ سَخَطُهُ أَوْلِيَاؤُهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ سَخَطِهِ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: 41] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: ذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ، إِنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: 41] قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِ , مَثَلُ إِلَهِهِ الَّذِي يَدْعُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ: وَاهِنٌ , ضَعِيفٌ , لَا يَنْفَعُهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: 41] قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، لَا يُغْنِي أَوْلِيَاؤُهُمْ عَنْهُمْ شَيْئًا كَمَا لَا يُغْنِي الْعَنْكَبُوتَ بَيْتُهَا هَذَا "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ [العنكبوت: 41] يَقُولُ: وَإِنَّ أَضْعَفَ الْبُيُوتِ ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ، يَعْلَمُونَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي قِلَّةِ غَنَائِهِمْ عَنْهُمْ، كَغَنَاءِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ عَنْهَا، لَكِنَّهُمْ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ،
فَيَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يَنْفَعُونَهُمْ , وَيُقَرِّبُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: 42] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ [العنكبوت: 42] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ , بِمَعْنَى الْخِطَابِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: 20] أَيُّهَا النَّاسُ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو
عَمْرٍو: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ) بِالْيَاءِ , بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنِ الْأُمَمِ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُو هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَبَرًا عَنِ الْأُمَمِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ، لَكَانَ الْكَلَامُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا
يَدْعُونَ، لِأَنَّ الْقَوْمَ فِي حَالِ نُزُولِ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ، إِذْ كَانُوا قَدْ هَلَكُوا فَبَادُوا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ مَوْجُودِينَ، لَا عَمَّنْ قَدْ هَلَكَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَيُّهَا الْقَوْمُ حَالَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُكُمْ وَلَا يَضُرُّكُمْ، إِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ سُوءًا، وَلَا يُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا؛ وَإِنَّ مَثَلَهُ فِي قِلَّةِ غَنَائِهِ عَنْكُمْ، مَثَلُ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فِي غَنَائِهِ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ: وَاللَّهُ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَشْرَكَ فِي عِبَادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ , فَاتَّقُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِهِ عِقَابَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ بِكُمْ، كَمَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ نَزَلَ بِكُمْ عِقَابُهُ لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ أَوْلِيَاؤُكُمُ
الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، كَمَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَنْ قَبْلَكُمْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، فَمُهْلِكٌ مَنِ اسْتَوْجَبَ الْهَلَاكَ فِي الْحَالِ الَّتِي هَلَاكُهُ صَلَاحٌ، وَالْمُؤَخِّرُ مَنْ أَخَّرَ هَلَاكَهُ مَنْ كَفَرَةِ خَلْقِهِ بِهِ إِلَى الْحِينِ الَّذِي فِي هَلَاكِهِ الصَّلَاحُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذِهِ الْأَمْثَالُ، وَهِيَ الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: 43] , يَقُولُ: نُمَثِّلُهَا وَنُشَبِّهُهَا , وَنَحْتَجُّ بِهَا لِلنَّاسِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: [البحر المنسرح]
هَلْ تَذْكُرُ الْعَهْدَ مِنْ تَنَمُّصَ ... إِذْ تَضْرِبُ لِي قَاعِدًا بِهَا مَثَلَا ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَعْقِلُ أَنَّهُ أُصِيبَ بِهَذِهِ الْأَمْثَالِ الَّتِي نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ مِنْهُمُ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ فِيمَا ضُرِبَتْ لَهُ مَثَلًا إِلَّا الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَلَقَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا بِخَلْقِهَا، لَا يَشْرَكُهُ فِي خَلْقِهَا شَرِيكٌ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: 248] يَقُولُ: إِنَّ فِي خَلْقِهِ ذَلِكَ لَحُجَّةً لِمَنْ
صَدَّقَ بِالْحُجَجِ إِذَا عَايَنَهَا، وَالْآيَاتِ إِذَا رَآهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اتْلُ﴾ [العنكبوت: 45] يَعْنِي اقْرَأْ ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: 45] يَعْنِي: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
هَذَا الْقُرْآنِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: 114] يَعْنِي: وَأَدِّ الصَّلَاةَ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ بِحُدُودِهَا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الْقُرْآنَ الَّذِي يُقْرَأُ فِي مَوْضِعِ
الصَّلَاةِ، أَوْ فِي الصَّلَاةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَبِي الْوَفَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، " ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] قَالَ: الْقُرْآنُ الَّذِي يُقْرَأُ فِي الْمَسَاجِدِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهَا الصَّلَاةَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ، وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] يَقُولُ: فِي الصَّلَاةِ مُنْتَهًى وَمُزْدَجَرٌ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ " ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ [العنكبوت: 45] وَالْمُنْكَرِ مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِصَلَاتِهِ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا خَالِدٌ، قَالَ: قَالَ الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ فُلَانًا كَثِيرُ الصَّلَاةِ، قَالَ: « فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا»
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ صَلَاتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا»
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الصَّلَاةَ، وَطَاعَةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»
قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ، " ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: 87] قَالَ: فَقَالَ سُفْيَانُ: إِي وَاللَّهِ , تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ "
قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ تَنْهَهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " الصَّلَاةُ إِذَا لَمْ تَنْهَهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، قَالَ: مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ، قَالَا: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ إِلَّا بُعْدًا» . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَنْهَى الصَّلَاةُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِهَا مَا يُتْلَى فِيهَا؟ قِيلَ: تَنْهَى مَنْ كَانَ فِيهَا، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ، لِأَنَّ شُغْلَهُ بِهَا يَقْطَعُهُ عَنِ الشُّغْلِ بِالْمُنْكَرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَنْ لَمْ يُطِعْ صَلَاتِهِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا» وَذَلِكَ أَنَّ طَاعَتَهُ لَهَا إِقَامَتُهُ إِيَّاهَا بِحُدُودِهَا، وَفِي طَاعَتِهِ لَهَا مُزْدَجَرٌ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: ثنا أَرْطَأَةُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ " ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] قَالَ: إِذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَأَنْتَ فِي مَعْرُوفٍ، وَقَدْ حَجَزَتْكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالْفَحْشَاءُ: هُوَ الزِّنَا وَالْمُنْكَرُ: مَعَاصِي اللَّهِ، وَمَنْ أَتَى فَاحِشَةً
أَوْ عَصَى اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ بِمَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ "