تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 442-452

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29] يَقُولُ: مُسَلِّمًا لِمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ غَيْرَ مُنْقِذِهِ وَلَا مُنْجِيهِ

صفحات 442-452
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ، وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الرَّسُولُ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي

الَّذِينَ بَعَثْتَنِي إِلَيْهِمْ لِأَدْعُوَهُمْ إِلَى تَوْحِيدِكَ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنُ مَهْجُورًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهِمُ الْقُرْآنَ مَهْجُورًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ اتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ هُجْرًا قَوْلُهُمْ فِيهِ السَّيِّئَ مِنَ الْقَوْلِ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّهُ سِحْرٌ، وَأَنَّهُ شِعْرٌ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] قَالَ: " يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالْقَوْلِ، يَقُولُونَ: هُوَ سِحْرٌ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ [الفرقان: 30] . . الْآيَةَ: " يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالْقَوْلِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] قَالَ: مُسْتَكْبِرِينَ بِالْبَلَدِ سَامِرًا مَجَالِسَ , تَهْجُرُونَ، قَالَ: بِالْقَوْلِ السَّيِّئِ فِي الْقُرْآنِ غَيْرِ الْحَقِّ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ، ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] قَالَ: «قَالُوا فِيهِ غَيْرَ الْحَقِّ , أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَرِيضِ إِذَا هَذَى قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ» .

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: الْخَبَرُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ هَجَرُوا الْقُرْآنَ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] " لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْمَعُوهُ، وَإِنْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ قَالُوا لَا.
وَقَرَأَ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قَالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيَبْعُدُونَ عَنْهُ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] ، وَذَلِكَ هَجْرُهُمْ إِيَّاهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَمَا جَعَلْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ أَعْدَاءً مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ مَنْ نَبَّأْنَاهُ مِنْ قَبْلِكَ عَدُوًّا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ، فَلَمْ تُخَصَّصْ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنَهُمْ.
يَقُولُ: فَاصْبِرْ لِمَا نَالَكَ مِنْهُمْ كَمَا صَبَرَ مِنْ

قَبْلِكَ أُولُو الْعَزْمِ مِنْ رُسُلِنَا، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ:

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31] قَالَ: «يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَاعِلٌ لَهُ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ كَمَا جَعَلَ لِمَنْ قَبْلَهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَكَفَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِرَبِّكَ هَادِيًا يَهْدِيكَ إِلَى الْحَقِّ، وَيُبَصِّرُكَ الرُّشْدَ، وَنَصِيرًا: يَقُولُ: نَاصِرًا لَكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، يَقُولُ: فَلَا يُهَوِّلَنَّكَ أَعْدَاؤُكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنِّي نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ، فَاصْبِرْ لِأَمْرِي، وَامْضِ لِتَبْلِيغِ رِسَالَتِي إِلَيْهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: 13] بِاللَّهِ ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾ [الفرقان: 32] يَقُولُ: هَلَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] كَمَا أُنْزِلَتِ

التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى جُمْلَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32] تَنْزِيلُهُ عَلَيْكَ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَةِ وَالشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ نَزَّلْنَاهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: «كَانَ اللَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَإِذَا عَلِمَهَا نَبِيُّ اللَّهِ نَزَلَتْ آيَةٌ أُخْرَى، لِيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَيُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَهُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] كَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى، قَالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: " كَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّ اللَّهَ يُجِيبُ الْقَوْمَ بِمَا يَقُولُونَ بِالْحَقِّ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32] لِنُصَحِّحَ بِهِ عَزِيمَةَ قَلْبِكَ وَيَقِينَ نَفْسِكَ، وَنُشَجِّعَكَ بِهِ "

وَقَوْلُهُ ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] يَقُولُ: وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلَّمْنَاكَهُ حَتَّى تَحْفَظَنَّهُ، وَالتَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ: التَّرَسُّلُ وَالتَّثَبُّتُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: «نَزَلَ مُتَفَرِّقًا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: «كَانَ يَنْزِلُ آيَةً وَآيَتَيْنِ وَآيَاتٍ جَوَابًا لَهُمْ، إِذَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ جَوَابًا لَهُمْ، وَرَدًا عَنِ النَّبِيِّ فِيمَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ.
وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ إِلَى آخِرِهِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لِأَرْبَعِينَ، وَمَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثِنْتَيْنِ أَوْ لِثَلَاثٍ وَسِتِّينَ» . وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى التَّرْتِيلِ: التَّبْيِينُ وَالتَّفْسِيرُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32] قَالَ: " فَسَّرْنَاهُ تَفْسِيرًا، وَقَرَأَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَأْتِيكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ يَضْرِبُونَهُ إِلَّا جِئْنَاكَ مِنَ الْحَقِّ بِمَا نُبْطِلُ بِهِ مَا جَاءُوا بِهِ، وَأَحْسَنَ مِنْهُ

تَفْسِيرًا

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 33] قَالَ: «الْكِتَابُ بِمَا تَرَدُّ بِهِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَمْثَالِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا» .

وَعَنِي بِقَوْلِهِ ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33] وَأَحْسَنَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْمُثُلُ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33] يَقُولُ: أَحْسَنَ تَفْصِيلًا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33] قَالَ: «بَيَانًا»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33] يَقُولُ: «تَفْصِيلًا»

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [الفرقان: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ الْقَائِلُونَ لَكَ: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ فَيُسَاقُونَ إِلَى

جَهَنَّمَ شَرٌّ مُسْتَقَرًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَضَلُّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا طَرِيقًا، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34] قَالَ: " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وجُوهِهِمْ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [المائدة: 60] مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72] قَالَ: طَرِيقًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34] قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: «الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْغَنَوِيُّ يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى الْكُوفِيُّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ يَحْشُرُهُمْ عَلَى وجُوهَهُمْ؟ قَالَ: «الَّذِي يَحْشُرُهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ بِأَنْ يَحْشُرَهُمْ عَلَى وجُوهِهِمْ»

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ يُحْشَرُ أَهْلُ النَّارِ عَلَى وجُوهِهِمْ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وجُوهَهُمْ»

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا حَزْمٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34] فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَلَيْسَ قَادِرًا أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وجُوهِهِمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَلَى الدَّوَابِّ، وَصِنْفٌ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَصِنْفٌ عَلَى وجُوهِهِمْ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وجُوهِهِمْ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وجُوهِهِمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَعَّدُ مُشْرِكِي قَوْمِهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ وَيُخَوِّفُهُمْ مِنْ حُلُولِ نِقْمَتِهِ

بِهِمْ نَظِيرَ الَّذِي يَحِلُّ بِمَنْ

كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلِهَا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ [البقرة: 87] يَا مُحَمَّدُ ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 53] يَعْنِي التَّوْرَاةَ، كَالَّذِي آتَيْنَاكَ مِنَ الْفُرْقَانِ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: 35] يَعْنِي: مُعِينًا وَظَهِيرًا.
﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنِا﴾ [الفرقان: 36] يَقُولُ: فَقُلْنَا لَهُمَا: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِإعْلَامِنَا وَأَدِلَّتِنَا، فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا.
وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ ذَكْرِهِ وَهُوَ: فَذَهَبَا فَكَذَّبُوهُمَا، فَدَمَّرْنَاهُمْ حِينَئِذٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُلَنَا، وَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، أَغْرَقْنَاهُمْ بِالطُّوفَانِ.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: 37] يَقُولُ: وَجَعَلْنَا تَغْرِيقَنَا

إِيَّاهُمْ وَإِهْلَاكَنَا عِظَةً وَعِبْرَةً لِلنَّاسِ يَعْتَبِرُونَ بِهَا ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: 37] يَقُولُ: وَأَعْدَدْنَا لَهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عَذَابًا أَلِيمًا سِوَى الَّذِي حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَاجِلِ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَادًا، وَثَمُودَ، وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ، وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَدَمَّرْنَا أَيْضًا عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَصْحَابِ الرَّسِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْحَابُ الرَّسِّ مِنْ ثَمُودَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: 38] قَالَ: قَرْيَةٌ مِنْ ثَمُودَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ قَرْيَةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهَا الْفَلْجُ

جارٍ التحميل