وَقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[طه: 22] .
ذُكِرَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَجُلًا آدَمَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ، مِثْلَ الثَّلْجِ، ثُمَّ رَدَّهَا، فَخَرَجَتْ كَمَا كَانَتْ عَلَى لَوْنِهِ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] قَالَ: أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ، فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّهُ لَقِيَ رَبَّهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: 22] يَقُولُ: وَهَذِهِ عَلَامَةٌ وَدِلَالَةٌ أُخْرَى غَيْرَ الْآيَةِ الَّتِي أَرَيْنَاكَ قَبْلَهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْعَصَا حَيَّةً تَسْعَى عَلَى حَقِيقَةِ مَا بَعَثْنَاكَ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ لِمَنْ بَعَثْنَاكَ إِلَيْهِ.
وَنَصَبَ آيَةً عَلَى اتِّصَالِهَا بِالْفِعْلِ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا مَا يَرْفَعُهَا مِنْ هَذِهِ أَوْ هِيَ
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاضْمُمْ يَدَكَ يَا مُوسَى إِلَى جَنَاحِكَ، تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، كَيْ نُرِيَكَ مِنْ أَدِلَّتِنَا الْكُبْرَى عَلَى عَظِيمِ سُلْطَانِنَا وَقُدْرَتِنَا.
وَقَالَ: الْكُبْرَى، فَوَحَّدَ، وَقَدْ قَالَ: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: 1] كَمَا قَالَ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8] وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ هُنَالِكَ.
وَكَانَ
بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ الْكُبْرَى، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّقْدِيمُ، كَأَنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَهُ: لِنُرِيَكَ الْكُبْرَى مِنْ آيَاتِنَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿اذْهَبْ﴾ [الإسراء: 63] يَا مُوسَى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24] يَقُولُ: إِنَّهُ تَجَاوَزَ قَدْرَهُ، وَتَمَرَّدَ
عَلَى رَبِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطُّغْيَانِ بِمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِفَهْمِ السَّامِعِ بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24] فَادْعُهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِرْسَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَكَ.
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: 25] يَقُولُ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، لِأَعِيَ عَنْكَ مَا تُودِعُهُ مِنْ وَحْيِكَ، وَأَجْتَرِئَ بِهِ عَلَى خَطَّابِ فِرْعَوْنَ.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: 26] يَقُولُ: وَسَهِّلْ عَلَيَّ
الْقِيَامَ بِمَا تُكَلِّفُنِي مِنَ الرِّسَالَةِ، وَتَحْمِلُنِي مِنَ الطَّاعَةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: 25] قَالَ: جُرْأَةً لِي
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] يَقُولُ: وَأَطْلِقْ لِسَانِي بِالْمَنْطِقِ، وَكَانَتْ فِيهِ فِيمَا ذُكِرَ عُجْمَةٌ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَ مِنْ إِلقائهِ الْجَمْرَةَ إِلَى فِيهِ يَوْمَ هَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ عَمَّنْ قَالَهُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] قَالَ: عُجْمَةً لِجَمْرَةِ نَارٍ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، تَرُدُّ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ، حِينَ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: هَذَا عَدُوٌّ لِي، فَقَالَتْ لَهُ، إِنَّهُ لَا يَعْقِلُ
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنْ ابن أَبِي نَجِيحٍ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] لِجَمْرَةِ نَارٍ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ، حِينَ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: هَذَا
عَدُوٌّ لِي، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَعْقِلُ هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] قَالَ: عُجْمَةُ الْجَمْرَةِ نَارٌ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، عَنْ أَمْرِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ تَرُدُّ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: لَمَّا تَحَرَّكَ الْغُلَامُ، يَعْنِي مُوسَى، أَوْرَتْهُ أُمُّهُ آسِيَةُ صَبِيًّا، فَبَيْنَمَا هِيَ تُرْقِصُهُ وَتَلْعَبُ بِهِ، إِذْ نَاوَلْتُهُ فِرْعَوْنَ، وَقَالَتْ: خُذْهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ إِلَيْهِ أَخَذَ مُوسَى بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِينَ، قَالَتْ آسِيَةُ: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: 9] إِنَّمَا هُوَ صَبِيُّ لَا يَعْقِلُ، وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا مِنْ صِبَاهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ مِصْرَ أَحْلَى مِنِّي أَنَا أَضَعُ لَهُ حُلِيًّا مِنَ الْيَاقُوتِ، وَأَضَعُ لَهُ جَمْرًا، فَإِنْ أَخَذَ الْيَاقُوتَ فَهُوَ يَعْقِلُ فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْجَمْرَ فَإِنَّمَا هُوَ صَبِيُّ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ يَاقُوتَهَا وَوَضَعَتْ لَهُ طَسْتًا مِنْ جَمْرٍ، فَجَاءَ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَطَرَحَ فِي يَدِهِ جَمْرَةً، فَطَرَحَهَا مُوسَى فِي فِيهِ، فَأَحْرَقَتْ لِسَانَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 28] فَزَالَتْ عَنْ مُوسَى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 28] يَقُولُ: يَفْقَهُوا عَنِّي مَا أُخَاطِبُهُمْ وَأُرَاجِعُهُمْ بِهِ مِنَ
الْكَلَامِ.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: 29] يَقُولُ: وَاجْعَلْ لِي عَوْنًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: 30] . وَفِي نَصْبِ هَارُونَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ هَارُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّرْجَمَةِ عَنِ الْوَزِيرِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُشَدِّدَ أَزْرَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 31] قَوِّ ظَهْرِي، وَأَعْنِي بِهِ.
يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ آزَرَ فُلَانٌ فُلَانًا:
إِذَا أَعَانَهُ وَشَدَّ ظَهْرَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 31] يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 31] يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أَمْرِي، وَقَوِّنِي بِهِ، فَإِنَّ لِي بِهِ قُوَّةً
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: 32] يَقُولُ: وَاجْعَلْهُ نَبِيًّا مِثْلَ مَا جَعَلْتَنِي نَبِيًّا، وَأَرْسِلْهُ مَعِي إِلَى فِرْعَوْنَ.
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 33] يَقُولُ: كَيْ نُعَظِّمَكَ بِالتَّسْبِيحِ لَكَ كَثِيرًا.
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 34] فَنَحْمَدَكَ.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: 35] يَقُولُ: إِنَّكَ كُنْتَ ذَا بَصَرٍ بِنَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ مِنْ أَفْعَالِنَا شَيْءٌ.
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: «أُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي» بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَشْدُدْ «وَأُشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» بِضَمِّ الْأَلِفِ مِنْ أَشْرَكَهُ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ، أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لَا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ.
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جُزِمَ أَشْدُدْ وَأُشْرِكْ عَلَى الْجَزَاءِ، أَوْ جَوَابِ الدُّعَاءِ، وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا أَرَى الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَجْهٌ مَفْهُومٌ، لِخِلَافِهَا قِرَاءَةَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أُعْطِيتَ مَا سَأَلْتَ يَا مُوسَى رَبَّكَ مِنْ شَرْحِهِ صَدْرَكَ وَتَيْسِيرِهِ لَكَ أَمْرَكَ، وَحَلِّ عُقْدَةِ لِسَانِكَ، وَتَصْيِيرِ أَخِيكَ هَارُونَ
وَزِيرًا لَكَ، وَشَدِّ أَزْرِكَ بِهِ، وَإِشْرَاكِهِ فِي الرِّسَالَةِ مَعَكَ
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ تَطَوَّلْنَا عَلَيْكَ يَا مُوسَى قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَذَلِكَ حِينَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ، إِذْ وَلَدَتْكَ فِي الْعَامِ الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَقْتُلُ كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ مِنْ قَوْمِكَ مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْهَا، ثُمَّ فَسَّرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَوْحَى إِلَى أُمِّهِ،
فَقَالَ: هُوَ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ، فَأَنَّ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ رَدًّا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يُوحَى﴾ [الأنعام: 50] وَتَرْجَمَةً عَنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ يَا مُوسَى مَرَّةً أُخْرَى حِينَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ أَنِ اقْذِفِي ابْنَكِ مُوسَى حِينَ وَلَدَتْكَ فِي التَّابُوتِ ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
[طه: 39] يَعْنِي بِالْيَمِّ: النِّيلَ ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: 39] يَقُولُ: فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، يُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، وَهُوَ جَزَاءٌ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، كَأَنَّ الْيَمَّ هُوَ الْمَأْمُورُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: 12] يَعْنِي: اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا نَحْمِلْ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أُمُّهُ بِهِ فَأَلْقَاهُ الْيَمُّ بِمَشْرَعَةِ آلِ فِرْعَوْنَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ مُوسَى أُمُّهُ أَرْضَعَتْهُ، حَتَّى إِذَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ الْوِلْدَانِ مِنْ سَنَتِهِ تِلْكَ عَمَدَتْ إِلَيْهِ، فَصَنَعَتْ بِهِ مَا أَمَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، جَعَلَتْهُ فِي تَابُوتٍ صَغِيرٍ، وَمَهَّدَتْ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى النِّيلِ فَقَذَفَتْهُ فِيهِ، وَأَصْبَحَ فِرْعَوْنُ فِي مَجْلِسٍ لَهُ كَانَ يَجْلِسُهُ عَلَى شَفِيرِ النِّيلِ كُلَّ غَدَاةٍ، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ، إِذْ مَرَّ النِّيلُ بِالتَّابُوتِ فَقَذَفَ بِهِ وَآسِيَةُ ابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَتُهُ جَالِسَةٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ فِي الْبَحْرِ، فَأْتُونِي بِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَعْوَانُهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَفَتَحَ التَّابُوتَ فَإِذَا فِيهِ صَبِيُّ فِي مَهْدِهِ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ وَعَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: 39] فِرْعَوْنُ هُوَ الْعَدُو،
كَانَ لِلَّهِ وَلِمُوسَى
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: 39] وَهُوَ الْبَحْرُ، وَهُوَ النِّيلُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمَحَبَّةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ، ثَنَاؤُهُ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ حَبَّبَهُ إِلَى عِبَادِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَا: ثنا حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] قَالَ عَبَّاسٌ: حَبَّبْتُكَ إِلَى عِبَادِي، وَقَالَ الصُّدَائِيُّ: حَبَّبْتُكَ إِلَى خَلْقِي وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ حَسَّنْتُ خَلْقَكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] قَالَ: حُسْنًا وَمَلَاحَةً قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ
أَلْقَى مَحَبَّتَهُ عَلَى مُوسَى، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] فَحَبَّبَهُ إِلَى آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، حَتَّى تَبَنَّتْهُ وَغَذَّتْهُ وَرَبَّتْهُ، وَإِلَى فِرْعَوْنَ، حَتَّى كَفَّ عَنْهُ عَادِيَتَهُ وَشَرَّهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي، لِأَنَّهُ حَبَّبَهُ إِلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ.
وَمَعْنَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39] حَبَّبْتُكَ إِلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِآخَرَ إِذَا أَحَبَّهُ: أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ رَحْمَتِي: أَيْ مَحَبَّتِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: 40] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلِتُغَذَّى وَتُرَبَّى عَلَى مَحَبَّتِي وَإِرَادَتِي